Dolcy 5 – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد ~

31/05/2015 عند 17:19 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 7 تعليقات

.

dolcy-4-barid

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

* * *

(4) – حبٌّ في مخبزة البريد ~

(سي مصطفى) يقع في الحب؟!

إن هذا لشيءٌ عجاب!

* * *

الخامسة والنصف مساءً…

ساعةٌ كاملةٌ مضت ونحن ننتظر انتهاء الـ (عشر دقائق) التي يطلب منا جلال انتظاره إياها ريثما ينهي شغلاً عالقاً في يده. وكما في كل مرة؛ إنها (عشر دقائق) تتجدد باستمرارٍ كل عشر دقائق، لتتحول في النهاية إلى ساعةٍ أو أكثر من الضجر والتهديد بالانصراف ومحاولة الانشغال بأي شيءٍ آخر.

الحمد لله… يبدو أنه انتهى أخيراً من دقائقه العشر التي تحولت إلى ساعةٍ وربع، هذا الجلال يستحق فعلاً أن يُقرع رأسه بالعصا بسبب تصرفاته التي تصيب بشتى أنواع السكري والجلطة وانسداد الشرايين! لكن لا بأس… يحسن بالإنسان أن يتناسى ما كان يزعجه في الحياة بعد مجيء الفرج أخيراً، هي أمسيةٌ ضاحكةٌ تنتظرنا على كل حال، وحقاً ليس هناك ما هو أجمل من نزول المصعد آخر اليوم بعد ساعات عملٍ طويلة.

تضيء الأرقام الحمراء في أعلى بوابة المصعد معلنةً العد التنازلي لطوابق المبنى، وألقي نظرةً على مرآته – وكل جدرانه مرايا – لأتفقد هل ما زلتُ نفسَ الشخص الذي أعرفه أم لا، أقرِّب وجهي من المرآة مع تقطيبٍ زائدٍ لأتأكد من أن ملامحي لا تزال في أماكنها المعتادة، أقوم بحركاتٍ سريعةٍ أصلح بها هندامي بعض الشيء لأبدو وسيماً، وأعتقد أنه جيدٌ بشكلٍ عام، وصالحٌ للمشي به وسط زحام المارة في البولفار الكبير… ألاحظ أن جلال يفعل الشيء نفسه.

فكرتُ في أن حياتنا نحن الشباب بسيطةٌ جداً مقارنةً مع حياة الفتيات، وحمدتُ الله الذي عافانا مما ابتلاهن به من الحقائب وأدوات الزينة التي لا أول لها ولا آخر!

انفتح باب المصعد وخرجنا منه متظاهرين بالوقار، تلويحةٌ وإلقاءُ سلامٍ على موظف الاستقبال، وعلى زميلين يتهامسان في بوابة المبنى وكأنهما يناقشان موضوعاً خطيراً، وها نحن أخيراً تحت الشمس في ضوء النهار…

اهتزَّ الهاتف في جيبي منذراً باتصالٍ ما، وهذا أكثر شيءٍ أمقته في حياتي! يوماً ما سأجد طريقةً لأخنق بها هذا العقرب البغيض إلى الأبد. انقطع الرنين بسرعة، وصعد الدم إلى رأسي عندما وجدتُ أن المتصل هو (سي مصطفى)!

لماذا يكتفي هذا المجرم بـ (رنةٍ) فقط ما دام يستطيع إجراء مكالمةٍ قصيرة؟

لعلها إحدى نظرياته الاقتصادية تلك… تباً له! سألقنه درساً لن ينساه عندما أراه بعد قليل! لن يفلت من قبضتي هذه المرة، ولأسمعنَّه مني قولاً غليظاً!

كنتُ أقول هذا في فورة انفعالي وأنا أعرف جيداً أن ما كان يحدث دائماً سوف يحدث اليوم أيضاً؛ يثير (سي مصطفى) غضبي وجنوني إلى الحد الأقصى بسبب بعض تصرفاته العجيبة، وأفكر في أن موعد لقائي القادم به سيشهد أول جريمة قتلٍ أرتكبها في حياتي، ثم وما إن أراه مقبلاً علي بخطواته القصيرة ونظراته الصافية حتى تغلبني موجةٌ من الضحك الذي لا أعرف له سبباً، وأجد نفسي أعانقه بحرارةٍ وقد نسيتُ تماماً ما الذي كان أغضبني منه!

تحدد موعد اللقاء قرب مبنى البريد الكبير، هي أمسيةٌ أخرى إذاً من أمسيات Dolcy 5… لا بأس! لقد تخلصتُ من عقدتي القديمة تجاه ذلك المقهى، وصرتُ أرتاده عن طيب خاطر، ولا سيما في أيام الربيع والصيف التي تصير جلسات الأصيل فيها منعشةً بحق.

(سي مصطفى) يقترح علينا التوجه نحو مخبزة البريد الكبير (La grande poste) لشراء شيءٍ نأكله. من حسنات Dolcy 5 أنه يسمح بإدخال الأطعمة وتناولها فيه، لأنه مقهى شعبيٌّ بسيط يحترم نفسه ولا يملك ترف وضع الشروط على زبائنه، وأما المقاهي الفاخرة فهي تمنع إدخال أية أطعمةٍ لها، وخاصةً تلك التي تبيع قطع الحلوى الصغيرة بأثمنةٍ باهظةٍ مبالغٍ فيها، وهو الأمر الذي كان يغيظنا كثيراً ونعتبره غطرسةً واستغلالاً يجعل تلك المقاهي المغرورة مستحقةً لمقاطتها بشكلٍ نهائي.

ليس هناك ما هو أجمل من البساطة، وليس هناك ما هو أروع من أن تدخل إلى Dolcy 5 حاملاً بيدك كيساً من الحلويات والمعجَّنات لتتناولها مع كوب القهوة اللذيذ المنعش…

لكن… ما الذي دهى (سي مصطفى)؟

هذا الفتى صار يتصرف بشكلٍ غريبٍ في الآونة الأخيرة! هو الذي كان يتصل بنا هاتفياً، أو – على الأصح – يرنُّ علينا لنتصل به نحن، ثم يطلب منا أن نشتري له شيئاً يأكله ريثما يلحق بنا إلى المقهى، شريطة ألا تتجاوز الميزانية درهماً ونصف كحدٍّ أقصى!

ما الذي يحدث؟ وما الذي دفع بـ (سي مصطفى) إلى أن يصير هو من يدعونا إلى شراء المعجَّنات من تلك المخبزة بالذات دون غيرها؟

وافقنا على اقتراحه وتمشينا نحو المخبزة المذكورة، وهناك عرفتُ القصة كاملة.
استنتاج الأمر لم يكن صعباً على كل حال…

الخبيث… لأول مرةٍ أعرف أن تلك الكتلة الصخرية الحية المسماة (سي مصطفى) تملك أجهزة استشعارٍ للجمال! بدا خجلاً ومرتبكاً، بينما عاملات المخبزة يتهاديْن وراء الحلويات وأسراب النحل، وهي بينهنَّ تشعُّ نوراً كشمسٍ تطفو بين مجموعة أقمار… وهناك طبعاً وكما هي العادة في كل مخبزة؛ ذلك الـ (صمصم بن قمقم) المزعج الذي يقف خلف الصندوق متظاهراً بأنه يجمع المال من الزبائن، بينما مهمته الحقيقية هي حراسة الجميلات اللواتي يتراكضن حوله، على اعتبار أن مجرد وجوده هناك وتحديقه في عيون الزبائن سيمنعهم من أي تحرشٍ أو معاكسةٍ للعاملات، أو استغراقٍ معهن في أية أحاديث جانبيةٍ غير ضرورية.

تغامزنا ضاحكيْن أنا وجلال ونحن نلقي نظرةً تحليليةً على الأثر الذي تركه الحب في عيون (سي مصطفى)، لكننا نعذره على كل حالٍ ونتفهمه، فجمالها الباهر لا تخطئه عينٌ إلا عين الضرير…

بيضاء ناصعةٌ صافية الملامح، بهية الطلعة طلقة المحيا، محجبةٌ حييةٌ خفيضة الصوت، وعيناها مسبلتان دائماً لا ترفعهما إلا لضرورة البيع، ثم تسبلهما مجدداً في حياءٍ أنثويٍّ فاتنٍ يخلب الألباب… ما الذي جاء بكل هذا الجمال ليشتغل في مخبزة؟ ومن أين تأتي المخبزات بكل هذا الجمال؟

كنا نعرف أن أصحاب المخبزات يتعمدون اختيار فتياتٍ جميلاتٍ ليشتغلن عندهن، والغرض من ذلك طبعاً هو اجتذاب الزبائن، فكل فتاةٍ هناك هي بمثابة مغناطيسٍ يراد منه أن يحمل أكبر عددٍ ممكنٍ من الزبائن على العودة إلى نفس المخبزة من جديد، وأعتقد أن (سي مصطفى) أثبت بأن هذه النظرية التسويقية صحيحةٌ تماماً!

فجأةً صار الولد يبتسم بكثرةٍ ويتكلم بأدب، وينفق بسخاءٍ أيضاً وهو ما أثار دهشتي!

فجأةً صار يمنح للآخرين دوره في المخبزة مفضلاً الانتظار قليلاً، وهو الذي كان مستعداً لافتعال شجارٍ صارخٍ لأسباب كهذه… حقاً إن الحب يفعل بأصحابه الشيء الكثير!

حملنا أكياس مشترياتنا من الـ petit pain والـ chausson وغيرهما من المعجَّنات الشهية، وانطلقنا على رصيف (البولفار) نحو مقهانا العزيز الذي ينتظرنا بشوقٍ بعد أن تعوَّد على ثرثرتنا وأحاديثنا التي لا تنتهي. (سي مصطفى) يبدو شارداً بينما نحن نحدثه وننصحه:

– “إن شئتَ الحق فهي من أجمل الفتيات، ويبدو أنها ذات أخلاقٍ رفيعةٍ أيضاً والله أعلم، لكن المهم أنها أوقعتك على أمِّ رأسك! ويجب أن تطير بها فوراً وإلا طار بها غيرك! أمثال تلك الفتاة يُطار بهنَّ بسرعة البرق، إنها تجمع بين الجمال والحياء، ولعله لولا ظروفها العائلية لما اضطرت للعمل في مخبزةٍ كتلك… إن كنتَ أحببتَها حقاً – وهذا ما يبدو – فعليك أن تسرع وتبادر قبل أن تطير من يديك، إن بقيت تتردد هكذا فسوف تكتشف بعد أيامٍ قليلةٍ بأنها لم تعد في المخبزة، وأنك لن تستطيع الوصول إليها مهما حاولت…”

– “هيا يا رجل… هيا… تشجع! استخر ربك وتوكل عليه، نريد أن نحضر عرسك وأن نأكل (فقُّوصتك)… هيا اعزم أمرك وكفاك تردداً…”

– “الأمر ليس صعباً كما تظن، تحتاج فقط إلى بعض الشجاعة، فاتحها في الموضوع بهدوءٍ وأدب، أو قم بزيارةٍ للمخبزة مع أمك لتفاتحها هي بالموضوع، المهم أن تفعل شيئاً وبسرعةٍ قبل فوات الأوان، لا تنس أنك على أبواب الثلاثين!”

ظل صامتاً وبدا أنه لا يسمعنا، يبدو أن الحب قد ذهب بما تبقى له من عقلٍ وتمييز… وصلنا إلى المقهى أخيراً، واستوينا على مقاعدنا في الخارج وقد وجدناها فارغةً لحسن الحظ، وضعنا أكياس المعجَّنات على الطاولة، وجاء النادل (سي احمد) محيياً إيانا بعبوسه الدائم الذي نسي وجهُه أي تعبيرٍ آخر سواه، وانصرف إلى داخل المقهى بعد أن أملينا عليه ما نريد أن نشرب من أكواب القهوة وأباريق الشاي.

(سي مصطفى) يجلس شارد الذهن يقلِّب في رأسه ما كنا نقوله له إن كان قد سمع شيئاً منه. وبصراحةٍ أشك في أنه سيفعل شيئاً! وعندما نطق أخيراً لم يبتعد كثيراً عن توقعاتي… قال وهو ينظر إلي لكن بعينين لا تريان، وكأنه يكلم نفسه ولا يكلم كائناً بشرياً يجلس أمامه:

– “هذه هي المشكلة، هذه هي المصيبة العظمى التي ابتلينا بها في هذا البلد السعيد… نحن شبابٌ على أبواب الثلاثين ولا نستطيع باءة الزواج بعد! وأين نحن من الزواج وما زال توفير المسكن بعيداً كل البعد عن متناولنا؟

إن أزمة السكن هي المصيبة النازلة على رؤوسنا، وهي السبب الرئيسي في تأخر سن الزواج، بل والعزوف عنه في كثير من الأحيان… هذا وإنَّ توفُّر المسكن والزواج في سنٍّ مبكرةٍ نسبياً هو من أبسط الحقوق التي يجب أن تكون مكفولةً لكل مواطن!

والله إن أوضاعنا لمزرية، وكل ذلك عائدٌ إلى هذه الظرفية الاقتصادية الشنيعة التي نرزح تحت نيرها جميعاً نحن الشباب… ثم يطالبوننا بعد ذلك بحب الوطن! تباً للوطن وتباً للحكومة وتباً للناس أجمعين!”

حسناً… يبدو أن الفتى فقد عقله تماماً! لكني لا أراه مخطئاً على كل حال، إن كلامه يعبر عن الواقع الذي نعاني منه جميعاً، والذي نمضي أكثر الوقت في تناسيه والتغافل عنه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

(سي مصطفى) مصرٌّ على تقليب الأوجاع هذا المساء… طبطبتُ على ركبته وأنا أزمُّ شفتيَّ وأهزُّ رأسي بحسرة، وقلت له متنهداً:

– “هوِّن عليك يا صديقي، كلنا ذلك الرجل… إن كانت من نصيبك فسيرزقك الله بها، إنها مسألة أرزاقٍ على كل حال…”

سأقول له كعادتي أشياء حول ضرورة اتخاذ الأسباب رغم ذلك، وحول التقوى التي تجلب الرزق من حيث لا تحتسب، وسيجيبني بنفس ما يجيبني به في كل مرةٍ منذ عرفته، وذلك ما حدث بالضبط دون تغيير… قال بنبرةٍ يغلب عليها الانفعال:

– “واتخاذ الأسباب يقتضي إجراء الحسابات الضرورية وعدم الارتماء في الظلام، وتخيل معي – بالله عليك – موظفاً يتقاضى من المال (كذا وكذا)، ويكون عليه في كل شهرٍ أن يقتطع من مرتَّبه مصاريف الكراء أو أقساط المنزل، ومعها فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وأضف إلى ذلك مصاريف الـ…”

واستغرق في عملياتٍ حسابيةٍ معقدةٍ من الجمع والطرح والقسمة لم أستوعب منها شيئاً، وكاد ذهني يشرد عن كلامه حتى انتهى أخيراً من عملياته الافتراضية قائلاً:

– “فكم يبقى له إذاً من الراتب؟ أرأيت؟ لا شيء… (صفرُ درهم)! وهذا كما ترى في الأحوال العادية ودون أخذٍ بعين الاعتبار للمصاريف الطارئة كالأمراض والحوادث وغيرها لا سمح الله، فمن أين يتزوج الإنسان إذاً ومن أين سيصرف على بيته وامرأته؟”

عاد مجدداً إلى نظرياته الاقتصادية المحكمة، وإلى منطقه العقلي الحسابي الصارم… والذي لا أجد نفسي بصراحةٍ كثير الإيمان به فيما يتعلق بأمور الزواج.

لن أجادله أكثر لأنه سيغضبني ولن يقتنع، ومرةً أخرى أفكر في أن عدم ارتكابي لجريمة قتلٍ حتى الآن في حق (سي مصطفى) هو معجزةٌ من معجزات هذا العصر!

أتوقع أن مصير هذا الفتى سيكون إلى الزواج التقليدي، وأعتقد أنه على كل حالٍ يناسبه…
لم تمض إلا أيامٌ قليلةٌ حتى اختفت الفتاة من المخبزة، وطال اختفاؤها حتى تأكد لدينا أنها لن تعود مجدداً، وذلك ما كان، ولم يرها أحدٌ منا بعد ذلك أبداً…

– “أرأيت يا (سي مصطفى)؟ استغرقتَ في ترددك وحساباتك الاقتصادية السخيفة حتى طاروا بها وخطفوها من بين يديك!”

– “ماذا تقصد؟ طاروا بمن؟ خطفوا من؟”

– “فتاة المخبزة طبعاً!”

– “أية مخبزة؟ وعن أية فتاةٍ تتحدث؟!”

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

7 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. […] – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد […]

  2. […] – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد […]

  3. […] – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد […]

  4. […] – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد […]

  5. […] – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد […]

  6. […] – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد […]

  7. […] – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: