Dolcy 5 – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار ~

31/05/2015 عند 17:29 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 6 تعليقات

.

dolcy-5-oumsiyat

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

* * *

(5) – أمسياتٌ على قارعة (البولفار) ~

حقاً… لا فائدة تُرجى من هذا الفتى!

وخير ما أفعله الآن هو أن أنسى أمره وأستمتع بهذه الأمسية الرائقة من أمسيات مقهانا الحبيب، إنها أمسيات Dolcy 5 الجميلة…

أغوص أكثر في مقعدي طلباً لمزيد من الاسترخاء، سأحاول أن أضع دماغي جانباً وأن أبعد عن تفكيري جميع هموم الحياة ومشاغلها، وسأغرق نفسي تماماً في جمالية اللحظة، وأستنشق بعنفٍ هواء طنجة المسائي بملء رئتيَّ.

أستسلم للاسترخاء تماماً… وتتعاقب على حواسي مناظر وأصواتٌ ممتزجةٌ تشكِّل المشهد المعتاد الرائع.

لغط المارة وأصواتهم المختلطة، هدير عجلات السيارات، صخب رواد المقهى، ثرثرتنا وضحكاتنا العالية، الارتشاف المتلذذ للقهوة التي تتشعَّب نشوتها الحارة وتنتشر في الرئتين والعروق والأنسجة، طعم الفطائر الشهية التي اشتريناها من مخبزة البريد، كوب الماء البارد الذي يأتي مع القهوة، همساتٌ ذات معنى، مواضيع جديةٌ جداً، مواضيع هزليةٌ جداً، ممازحاتٌ ومشاكسات، ثم صمتٌ وانهماكٌ في شاشات الهواتف الذكية، ثم مطالعةٌ لوجوه الناس وقامات الغادين والرائحين، تبادل التحايا مع هذا وذاك… وغداً أمسيةٌ أخرى مماثلة!

إني أزداد حباً لهذا المكان حقاً، كيف لم أكن منتبهاً لروعته من قبل؟!

المساء يزحف بشكل أكثر إبطاءً بما أننا في أواخر الشتاء، سأشتاق كثيراً للأمسيات الشتوية، والتي كنت أشتاق إبانها لأمسياتنا الصيفية التي سنستقبلها عما قريب. هناك اختلافٌ كبيرٌ من الأمسيات الشتوية التي يرتفع فيها أذان المغرب في نحو الخامسة والنصف مساءً، وبين الأمسيات الصيفية التي يرتفع فيها أذان العصر في نفس الموعد تقريباً، وكلتا الأمسيتين وجهان لعملةٍ واحدة؛ إنها عملة الجمال الطنجي الثمينة التي لا تباع ولا تشترى…

أمسياتنا الشتوية تبدأ بآخر النهار حين يكون الظلام قد قال كلمته الأخيرة أو كاد، وتغمر الشارعَ الرئيسيَّ تلك الأضواءُ البرتقاليةُ الدافئةُ ومصابيحُ السيارات التي تشقُّ طريقها بتؤدة، ونحن نتدثر بملابسنا الكثيفة ومعاطفنا الثقيلة، نحتمي بها من لسعات البرد ودفقات المطر التي تغسل طنجة وتجعلها أكثر بهاءً وأعظم فتنة.

وأما الأمسيات الصيفية ففيها نعرِّض رقابنا وأذرعنا لتلك النسمات المسائية التي تواجه حرَّ الشمس ولفح القيظ، وتكون للشمسِ الساطعِ نورُها الكلمةُ العليا حتى ساعةٍ متأخرةٍ من المساء، زادها تأخراً الساعة الصيفية الإضافية المثيرة للجدل، والتي انقسم المغاربة بين مؤيدٍ لها ومعارض، بين محبٍّ لها وكاره.

وفيها كذلك تتحول القهوة الثقيلة الساخنة إلى مشروبٍ غازيٍّ بارد، وما زال جلال ينغِّص علي كل زجاجة (شويبس ليمون) أطلبها من (سي احمد)، بسبب نصائحه لي بالتوقف عن احتساء المشروبات الغازية لأنها مضرةٌ بالصحة وتسبب الأمراض والسمنة وبروز الكرش، وهو ما سيتسبب لي بأن ترفضني أي فتاةٍ أتقدم لخطبتها لأظل غولاً متوحشاً طول عمري!

وطبعاً صار من نافلة القول أن أذكر بأن جلالاً لا يلقي نصائحه هذه إلا وهو يستفُّ من دخان سيجارته ويبعثره حولنا في الهواء الطلق…

غير أني لم أكن أعرف ما الذي يعجب جلالاً في الجلوس بداخل المقهى! وهذه على كل حالٍ عادته الدائمة التي لم نعرف غيرها؛ لا يخيَّر هذا الأعرابي بين أمرين إلا اختار أقبحهما، وهو ما كان يغيظني بحق.

كنت أفضِّل دائماً الجلوس خارجاً قرب الرصيف، بحثاً عن مزيد من الضوء والهواء والقرب من عالم الناس، وكنت أشعر بالحنق والندم والاختناق في كل مرةٍ أساير فيها رغبة جلالٍ وأوافق على اتخاذ مقعدٍ في داخل المقهى. لم أستطع يوماً أن أفهم كيف يمكن لإنسانٍ أن يفضل الحجرةَ المظلمة على الفضاء الواسع، والإضاءةَ الخافتة الخانقة على نور الشمس أو مصابيحِ الإنارة وأضواءِ السيارات، ودخانَ السجائر المسموم على الهواء الطلق المنعش!

توجهتُ بسؤالي هذا إلى جلال، متوقعاً منه إجابةً عبقريةً كعادته، ولم يخيِّب ظني طبعاً! بل أجاب بحكمةٍ مزعومةٍ وحصافةٍ مدَّعاة:

– “إنه البرد يا صديقي… الجلوس بالخارج يعرِّضنا للبرد، ألا تشعر به يتغلغل في عظامك؟ يجب إذاً أن نجلس بالداخل حيث المزيد من الحرارة والدفء، لأن كثرة تعرُّضنا للبرد ستنتهي بنا إلى الروماتيزم وآلامه الممضة عندما نتقدم في السن!”

ويواصل تعليله السخيف هذا بلهجةٍ تتظاهر بالعمق وبعد النظر:

– “نحن الآن في سن الشباب لا نشعر بشيء، لكن في الشيخوخة سندفع ثمن طيش الشباب هذا، وسنصاب حتماً بالروماتيزم إذا ما بقينا نجلس في الخارج… يجب أن ننظر إلى المستقبل البعيد لا إلى اللحظة العابرة فقط، يجب أن نتوقف عن كوننا لا ننظر لأبعد من أنوفنا!”

ولا ينهي كلامه الحكيم هذا إلا وقد أشعل سيجارته المسائية التالية، ونفث دخانها في الهواء لتغطي سحابتُه مشهد الشارع المزدحم.

كدت أقول له بأنه يهرب من (الروماتيزم) المزعوم في الخارج، إلى دخان السجائر في الداخل، والذي يجعل منه مدخناً سلبياً إضافةً إلى كونه مدخناً بالفعل، وأن هذا الذي يفعله قد يؤدي به إلى (السرطان) في سنٍّ أقرب بكثيرٍ من شيخوخة الروماتيزم تلك التي يخوِّفنا بها!

كدت أقول له هذا لكني التزمت الصمت، والسبب أني قلت له نفس الكلام مراراً من قبل دون فائدة! كنت أعرف أنه لن يهتم، وأنه سيكتفي بهزةٍ متعظةٍ من رأسه وجذب نفسٍ من سيجارته، ثم ينحاز إلى داخل المقهى وسط الظلام والكآبة ودخان السجائر الذي لا يهمد.

اكتفيتُ بالإشارة له إلى أن معظم الذين يجلسون في الخارج هم كهولٌ أو شيوخٌ في الخمسينات والستينات من أعمارهم، وأنهم لا يخافون من أي (روماتيزم) قد يصيبهم بسبب البرد، لكنه لم يجب بشيءٍ طبعاً، كما توقعت، بل اكتفى بتلك الهزة من رأسه وأصر على الدخول إلى عالمه المظلم الكئيب وسط المصابيح التي تحتضر!

وعلى ذكر المصابيح؛ فإن (سي مصطفى) كان قد عبر عن استيائه البالغ من تلك الإضاءة الخافتة الكئيبة في داخل المقهى، والتي تقع في منزلةٍ فوق الشموع ودون المصابيح الصفراء، وبات يوجِّه الانتقاد اللاذع واللوم الشديد لصاحب المقهى الذي يهمل العناية به وتحسين مستواه، وأنه من وجهة نظرٍ اقتصاديةٍ فإن بعض الإنفاق على جودة الإضاءة من شأنها أن تستجلب للمقهى زبائن أكثر، لكن هؤلاء المستثمرين الأغبياء لا يفهمون، ويفضلون الاقتصاد في بعض المصاريف التي لو رفعوها أكثر قليلاً لعادت لهم بربحٍ وفير.

وكان قد عزم أمره مرةً على أن يصارح النادل (سي احمد) بفكرته هذه، وأن يحمِّله رسالةً إلى رئيسه ومالك المقهى يخبره فيها أن زبائنه الأوفياء يطالبون بإضاءةٍ أفضل. ثم إنه قد فعل، وكانت المفاجأة أن وجد الإجابة المفحمة حاضرةً عند النادل العبوس، والذي قال له بأن تلك الإضاءة الخافتة هي متعمدةٌ ومقصودة، وليست مجرد عشوائيةٍ وإهمالٍ وبخل، وسببها متعلقٌ بشيء من (الإخراج السينمائي) المتميز لفضاء المقهى، والذي يراد منه إضفاء أجواءٍ من (الرومانسية والشاعرية) عليه!

يا إلهي! أي رومانسيةٍ وأي شاعرية؟ أنا لم أر في حياتي أنثى واحدةً ترتاد المقهى، فضلاً عن حبيبين أو عاشقين! بل إن معظم رواده إما من الكهول والشيوخ المتخثِّرين في مقاعدهم، والذين يمضون الساعات في التدخين والنميمة والتحديق في التلفاز وتقليب أوراق الجرائد وحل ألغاز الكلمات المتقاطعة، وإما من الشباب الذين يقتلهم الملل والفراغ، ويمضون الوقت في مشاهدة المباريات ومتابعة الغاديات والرائحات، أو يحدِّقون في هواتفهم المحمولة ومحادثاتهم الغرامية، فما حاجة ذلك المقهى بالذات إلى أجواء رومانسيةٍ وشاعرية؟!

بدا لي التبرير الذي قدمه (سي احمد) سخيفاً ومبتذلاً جداً، ويفتقر لأبسط عوامل الإقناع العقلي، لكن العجيب حقاً وما أدهشني كثيراً هو أن (سي مصطفى) قد صدَّقه واقتنع به تماماً! وصار هو نفسه يدافع باستماتةٍ عن تلك الإضاءة الخافتة الكئيبة التي كان يكرهها ويحاربها من قبل، لأنها – وكما قال له (سي احمد) – تضفي على فضاء المقهى وأجوائه العامة مسحةً رومانسيةً شاعريةً محببة!

عجيب هو (سي مصطفى) هذا! إنه بحقٍّ تحفةٌ نادرة، ومما أعتقده جازماً أنه ينبغي تحنيطه عندما يموت، ووضعه في متحفٍ للآثار التاريخية، حتى يتمكن الشباب بعد مئة عامٍ أو مئتين من التقاط صورٍ تذكاريةٍ معه ونشرها في (الفيسبوك) الذي سيكون متوفراً عندهم في ذلك الوقت.

لكن ما علينا…

إنني ما زلت منزعجاً من تصرفات جلالٍ الناتجة عن فساد رأيه، ورغبته الدائمة في حشر نفسه في الداخل بين جدران المقهى، ووسط تلك الأجواء (الرومانسية الشاعرية) التي صار (سي مصطفى) يحبها فجأة! ويبدو أني قررت أن أتشاجر اليوم أيضاً مع جلال بسبب خلافنا الأزلي هذا حول الجلوس في داخل المقهى أو خارجه.

كان يحدث أحياناً أن يركب أحدنا – أو كلانا – رأسه، فأصرُّ أنا إصراراً شديداً على الجلوس في الخارج، ويصر هو إصراراً مماثلاً على الجلوس في الداخل، وسرعان ما يحتدم الجدل بيننا، ثم يفعل كل واحدٍ منا ما يدور في رأسه متجاهلاً رغبة الآخر تماماً، فأجلس أنا في الخارج وحدي، عابساً مُغْضباً، ويجلس هو في الداخل وحده، عابساً مُغْضباً أيضاً!

لا بأس بالجلوس وحيداً على كل حال، سأمارس هوايتي المحببة في مراقبة الناس والأشياء، وأرفع بصري لأتأمل نُدَف السحاب المتناثرة على صفحة السماء، وتختلط في أذني أصوات المارة مع عجلات السيارات، تقطعها أحياناً صافرة إسعافٍ تبدأ منخفضةً ثم تبلغ أوجها وهي تمر أمام المقهى، ثم تنخفض من جديدٍ وقد صارت قريبةً من (سور المعاجيز).

هناك في الجانب الآخر من الطريق أناسٌ جالسون بمللٍ ظاهرٍ في المقهى المقابل تماماً لمقهانا، واسمه Le claridge. لم نجرب الجلوس فيه من قبل تفادياً لشعور (الأكل بالشمال) ذاك، لقد تعودنا على زاوية النظر هذه ولم يعد يسعنا تغييرها.

بجانب مقهى Le claridge هناك مكتبةٌ أنيقةٌ لولا أن أكثر كتبها أجنبية، وبجانب المكتبة هناك محلٌّ للعطور يسمي نفسه (القرشي للعود والعنبر والعطور)، وهو ما ذكرني بإعلانٍ قديمٍ كان يُعرض على إحدى القنوات التلفزية، يقول فيه صوتٌ رجوليٌّ رخيم: “عبد الصمد القرشي: بيت العود والعنبر والعطور… أصلٌ له جذور.”

وأمام هذا (القرشي) هناك محلٌّ لبيع المستلزمات المنزلية وأدوات التجميل التي لن أفهمها – على ما يبدو – ما حييت، وكل ما أراه خلف واجهته الزجاجية مجموعةٌ من آلات الحلاقة وغيرها مما لا أعرف لأي شيءٍ يصلح بالضبط، مع عددٍ كبيرٍ من العلب الملونة لمستحضراتٍ تُرشُّ وتُدهن، من يشتري هذه الأشياء يا ترى؟

ويلي بائع الدهون التجميلية هذا محلٌّ لبيع وإصلاح الهواتف المحمولة، ويلتصق به متجرٌ فاسقٌ اسمه Zindagi لبيع نوعٍ معينٍ من الملابس النسائية، وقد حرص صاحب هذا المتجر على إبراز الطابع الهندي الذي يوحي به اسم متجره، فنصب على بابه بشكلٍ بارزٍ مجسماتٍ أنثويةً بالحجم الطبيعي ألبسها ثوباً من أثواب (الرقص الشرقي) الفاضحة، وهو ليس ثوباً في الحقيقة بقدر ما هو مجموعةُ خيوطٍ وأشرطةٍ متدليةٍ تتناثر فيها مجوهراتٌ لامعة، تشبه ما يُسدل على أبواب بعض المطابخ!

أين مقص الرقيب عن هذا المتجر؟

غير أن (شرخ الصداقة) هذا الذي نشأ بيني وبين جلالٍ قبل لحظاتٍ لا يدوم إلا قليلاً، إذ سرعان ما يملُّ كلانا الوحدة والصمت، فينضم إلى الآخر من يكون منا أسرع إلى الاستسلام؛ فإما يخرج هو إلي، أو أدخل أنا إليه! وقد صار مألوفاً عندي أن أنتبه لظل قامته وهو يجلس بجانبي حاملاً كوب قهوته أحياناً، وصار مألوفاً عنده في أحيانٍ أخرى أن يراني وقد نهضت وحملت كوب قهوتي، واتهجت إلى داخل المقهى أتلمس مقعداً بجانبه…

* * *

وتتكرر المشاهد المألوفة في تلك الأمسيات الدافئة على قارعة (البولفار) ذات الرائحة التي لا تقاوم، هي رائحة طنجة التي لا يشمُّها إلا من تغلغل حب هذه المدينة في تلافيف روحه وتجاويف كيانه…

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ لكنها عصيةٌ على الملل، وأنا ما زلت أستمتع بها في كل يومٍ وكأنها جديدةٌ تماماً، ويغمرني الحبور وأنا أتأمل مجموعة السياح الأجانب المسنِّين يديرون عيونهم هنا وهناك، ويلتقطون الصور التذكارية في أماكن أمرُّ فيها كل يومٍ عدة مرات.

فكرتُ في أن هناك من ينفق أموالاً سياحيةً طائلةً ليأتي من بلدٍ بعيدٍ كي يرى هذه الأزقة والشوارع والمشاهد، في حين أنها عندنا نحن أبناء المدينة مبذولةٌ متعوَّدٌ عليها… لن أسمح لقاعدة (مطرب الحي لا يطرب) أن تنطبق عليَّ أو أن تؤثر فيَّ، وسأعتبر نفسي (سائحاً) أبدياً في مدينتي، ولن أنظر إليها إلا بعين المستمتع بجمالها، حامداً الله تعالى على هذه النعمة العظيمة ملء البحر والسماء وما امتد إليه الأفق.

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ لكنها ترسم كل يومٍ بسمةً جديدة…

وعلى منصة المراقبة في Dolcy 5 أمارس هوايتي الأثيرة في تأمل ملامح الناس ومحاولة الإطلال من عيونهم على نفوسهم، واستشعار تلك الانطباعات المختلفة التي تتركها في النفس الملامحُ وتعبيراتُها المختلفة.

يحدث أحياناً أن تلمح من بين المارة شخصاً تعرفه من قبل، وذلك الشخص قد يكون وحده، وقد تحين منه التفاتةٌ إليك فيحييك من بعيدٍ تحيةً وديةً حارة، وربما أقبل عليك يصافحك ويعانقك ويسألك عن أحوال العمل وهل تزوجت أم ليس بعد!

وقد يكون مع فتاةٍ متبرجةٍ فاتنةٍ مغناجة، هي بالتأكيد إحدى صديقاته أو حبيباته، فيكتفي إذا وقعت العين في العين بهزة رأسٍ سريعةٍ ثم يشيح عنك بصره، متمنياً لو أنه لم ير (خنشوشك) ولم تر (خنشوشه)، وأنت تستغل هذه الفرصة الخاطفة لتغمزه بعينك مبتسماً له بخبث، تلك الابتسامة الشريرة التي تقول: “ضبطتك أيها المجرم!”

وقد تلمح أحد أصدقائك يتمشى مع زوجته المتحجبة المحترمة، وهذا النوع إما يفرُّ ببصره عنك إلى الجهة الأخرى متظاهراً بأنه لم يرك أصلاً، ويكون عليك أن تتظاهر أيضاً بأنك لم تره احتراماً لموقفه المحرج، وإما يكتفي بهزة رأسٍ وقورةٍ مع تلويحة سلامٍ محترمة، ويكون هذا فقط إن وقعت العين في العين ولم يبق هنالك مجالٌ للتهرب، لأن سيادة (المحترم) لم يعد يشرِّفه أن يظهر أمام زوجته بمظهر من يصادق أمثالنا من الغوغاء الرعاع والعزاب الأشرار، الذين يتدلَّوْن من المقاهي الرديئة على أرصفة (البولفار) ويزعجون الناس بمطالعة وجوههم وقاماتهم على طريقة الماسح الضوئي أو (السكانر)، وهذا بالمناسبة لقبٌ حقيقيٌّ تطلقه الفتيات بانزعاجٍ وتسخُّطٍ على كافة المقاهي المصفوفة على طول شارع طنجة الرئيسي.

لا بأسَ لا بأس… ورغم أني أحس في موقفٍ كهذا بأني مجرد عالةٍ على المجتمع لا نفع فيها سوى الاستهلاك، وبأن معرفتي تسبب الحرج لأولئك الأوغاد الذين صاروا محترمين فجأةً بعد أن تزوجوا؛ إلا أني لو كنت مكانهم لفعلت الشيء نفسه مع أصحابي هؤلاء، بل لو عرفت أن هؤلاء المجرمين من أصدقائي يجلسون في مقهى معينٍ لما تمشيت مع زوجتي إلا مبتعداً عنهم بدائرةٍ قطرها مئة مترٍ على الأقل! أنا أتفهم موقف هؤلاء (السادة المحترمين) تماماً لذلك لا ألومهم…

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ وقد يكون في بعضها ما يحزن القلب…

ما زالت تلك المتسولة الصغيرة ذات الثوب الأسود وقَصَّة الشعر الذكورية تمر على المقهى وتمدُّ يدها للجالسين وهي تمضغ علكةً على الدوام، لقد تعودتْ على تلقي تلك الإشارات اليدوية الخفيفة التي معناها (الله يسهل)، فلم تعد تبدي أمامها أية ردة فعلٍ على الإطلاق.

يمر بعدها بقليلٍ – كما هي العادة – ذلك الشاب ذو الرأس البالغ الصغر والأسنان العلوية البارزة جداً والفك السفلي الذي لا وجود له تقريباً، والذي تراه دائماً يمشي في الشوارع مصدراً أصواتاً رفيعةً جداً تنطق بكلماتٍ غير مفهومة، ويلوِّح بمجموعةٍ من علب المناديل الورقية (كلينكس) عارضاً إياها للبيع. لم أر أحداً يشتري منه قط لكني ما زلت أراه بشكلٍ يوميٍّ منذ عدة سنوات، لا بد إذاً أنه يحقق أرباحه التي سمحت له بالاستمرار على نفس هذه الوتيرة كل هذا الوقت.

ولا بد طبعاً من أن نلمح أحياناً الشخصية الطنجاوية المحبوبة (عبد السلام المسكسف) أو (عبد السلام الأناقة) وهو يمشي بجانب مقهانا بخطواته الواثقة وبدلته الأنيقة التي اشتهر بها في الأوساط المحلية.

وتمر بالجوار فتاةٌ كاسيةٌ عاريةٌ شديدة التبرج، تمشي بتيهٍ وخيلاءٍ يثيران بركان الأعصاب الكامنة من أعماقه البعيدة، وتتابعها العيون والأعناق منذ ظهورها في مجال الإبصار لتشيِّعها إلى حيث تختفي وسط الزحام أو الظلام في الجهة الأخرى من (البولفار)، وتتعالى الضحكات المكتومة والغمزات ذات المعنى، وعبارات المديح المفرط والإعجاب الشديد بذلك القوام الممشوق والملامح القسيمة والملابس الكاشفة، ثم تتلوها مباشرةً موجةٌ من الانتقادات اللاذعة والألفاظ الجارحة والشتائم البذيئة لجميع الفتيات المتبرجات وغير المتبرجات، وأنهن السبب وراء كل مصيبةٍ وبلاءٍ وجفافٍ وتصحُّر! ثم تغمر الجميعَ حالةٌ من (التدين المفاجئ) التي تنبثق فجأة من مكانٍ ما داخل خزانة الضمير، ويُشرع في انتقاد الأوضاع الأخلاقية المتدنية وما وصل إليه حال الفتيات من التبرج والفساد، وأن الناس قد ابتعدوا عن مبادئ الإسلام ولن يحرروا فلسطين ما داموا على هذه الحال، وأن علينا أن نستغفر الله ونراجع أنفسـ… فتاة متبرجةٌ جديدةٌ تظهر! وتلتفُّ الأعناق من جديد ليعاد نفس مشهد الانبهار الذي تتلوه الشتائم البذيئة متبوعةً بمشهد التدين المفاجئ، ثم تتكرر نفس هذه الحلقة المفرغة مرةً أخرى، وأخرى، وأخرى…

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ عذبة، تطفو في ظلام الليل الذي يزدان بنجومٍ عملاقةٍ هي مصابيح الإنارة، وأقمارٍ متحركةٍ هي أضواء السيارات. لقد اختفى ضوء النهار تماماً، وهو ما يعني أن ازدحام المارة ما زال في بدايته…

* * *

« Tu as reçu une nouvelle question »

توصلتُ مجدداً بهذا الإشعار الذي أحبه من تطبيق الـ ask.fm على هاتفي، صار من حسنات Dolcy 5 أنه يلتقط شبكة wifi مجانيةً تصدر من مكتبة المؤلفات الأجنبية الكائنة قبالة المقهى. كم الساعة الآن؟

صوت أذان العشاء يرتفع من هاتفي، حان وقت الصلاة! لقد مرَّ الوقت بسرعةٍ دون أن أنتبه له… من حسنات هذا المقهى – وقد صارت حسناته كثيرةً في الآونة الأخيرة – أن له (مسجداً) في دوره السفلي، ولأن صديقنا الفاضل أبا محمدٍ السَّلفي متغيبٌ عن الحضور اليوم، فلن نجد من يستحثُّنا على الذهاب إلى مسجد (موسى بن نصير) لأداء الصلاة فيه، لذلك سأكتفي اليوم بالصلاة في مسجد المقهى، ثم أنقد النادل العبوس (سي احمد) دراهمه العشرة وأمضي عائداً إلى بيتي، هناك من ينتظر إجابتي عن أسئلته العويصة في العالم الموازي الذي أعيش فيه، والذي لا يعلم عنه جلال ولا (سي مصطفى) ولا غيرهما من رفاق المقهى شيئاً على الإطلاق.

وهناك في الدور السفلي من Dolcy 5 حيث المسجد وقاعة الاجتماعات؛ عالمٌ مختلفٌ تماماً عما يوجد فوق سقفه، ولأن التأريخ لهذا المقهى لا يمكن أن يتمَّ إلا بتسليط أضواء الوصف على ما تضمُّه جدران هذا الدور السفلي، فإن لنا فيه هذه الكلمات التي ستقرؤونها في الفصل القادم من هذا النص؛ وهو فصل (أصدقاء الألفباء)…

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

6 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. […] – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار […]

  2. […] – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار […]

  3. […] – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار […]

  4. […] – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار […]

  5. […] – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار […]

  6. […] – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: