Dolcy 5 – الفصل الثاني: المقر ~

31/05/2015 عند 17:00 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 9 تعليقات

.

dolcy-2-maqar

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

* * *

(2) – المقر

لماذا أكتب هذه الذكريات؟

حقاً لا أدري…

ما زلت حتى الآن عاجزاً عن تحديد السبب الحقيقي وراء اندفاعي للتدوين، ووراء اشتعال حماستي للكتابة عن مواضيع وذكرياتٍ بعينها دون غيرها… ما إن تلقيتُ خبر إغلاق المقهى للأبد حتى علمتُ بأني سوف أكتب عنه… وربما أطيل!

قال أحد الكتَّاب يوماً بأن “الذكريات بضاعةٌ لا قيمة لها إلا في خزانة صاحبها”، وهي عبارةٌ جعلتني أفكر لوهلةٍ في جدوى نثر أمثال هذه الذكريات على الورق… ذكرياتنا مع Dolcy 5 تخصنا نحن وحدنا، أنا وتلك المجموعة الصغيرة من أصدقائي الأعزاء، فأي جدوى يكون للاسترسال في الكتابة والتوصيف لأيامٍ لا تعدو كونها ذكرياتٍ عاديةً لمقهى من المقاهي؟

هو التأريخ ولا شيء غيره! التأريخ لأجل التأريخ، وبعض التأريخ مطلوبٌ لذاته وإن كان محض ذكرياتٍ عابرة… إنها ذكرياتٌ ثمينةٌ رغم بساطتها، ولسوف تُقرأ في قابل الأيام بشفاهٍ باسمةٍ وعيونٍ يتلألأ فيها بريق الحنين، ولسوف تصير هذه السطور وثيقةً تسلِّط شعاع التأريخ على جانبٍ غنيٍّ من زمان طنجة ومكانها، وما أقلَّ ما يؤرَّخ لطنجة بأقلام كتَّابها وحملة الأقلام فيها!

فهنا إذاً مدينة طنجة العالية، وهنا قلمٌ يسلِّط شعاع الضوء على تلك الزاوية المتميزة في شارعها الرئيسي المسمى (البولفار)، وهنا مرحلةٌ زمنيةٌ تتراوح بين عام 2008 وعام 2014.

هنا سأحدثكم عن مقهى Dolcy 5 الذي لم يعد الآن قائماً، هنا سأحدثكم عن الزاوية المظلمة التي تحولت بقدرة قادرٍ إلى ما أطلقنا عليه اسم (المقر).

هنا بضاعةٌ لا قيمة لها إلا في خزانتي، أو في خزانة مجموعتنا الصغيرة، لكن فيها ما فيها من التقاطعات ومساحات التداخل التي قد تكون مفيدةً لبعض القراء، مع طنجة وأجوائها وأماكنها، ومع طباع أهلها وطرائفهم، ومع ما يدور في جلساتهم المسائية الباسمة على قارعة (البولفار) العزيز، والذي يمتد في منحدرٍ لطيفٍ زاخرٍ بدءاً من مدافع (سور المعاجيز) الأثرية، وانتهاءً بـ (ساحة الأمم) التي يقسمها الشارع الرئيسي إلى قسمين، ليواصل طريقه نحو (النجمة) التي يصير الساحل البحري على بعد خطواتٍ قليلةٍ منها…

* * *

والحق أن للناس في ما يعشقون من المقاهي مذاهب! وفي طنجة تكثر المقاهي وتكثر مذاهب العشاق فيها، بأنواعها وأجوائها المختلفة اختلافاً بيناً؛ فمن محبٍّ للمقاهي الشعبية الحشيشية الغيوانية، المعروفة بشايها اللذيذ المتقن الصنع، والألذِّ مذاقاً من أكثر المقاهي رفعةً ورقياً! ومن مفضِّلٍ للمقاهي القابعة على قارعة الطريق، تلك التي تتيح للجالس فيها أن يمارس ضرباً من تلك الحركات الرياضية المفيدة لعضلات العينين ومنطقة العنق، وهو ما يصطلح عليه بلهجتنا بـ (تخضير العينين)! وهناك أيضاً أولئك الذين يميلون دوماً لتلك لمقاهي الفاخرة المترفة، وهم أولئك الأنيقون الذين يعتبرون أنفسهم عِلية القوم، والذين لا تسمح لهم مكانتهم الاجتماعية المرموقة بمزاحمة أمثالنا من الرعاع الغوغاء في المقاهي الشعبية أو مقاهي الطبقة الوسطى…

وطبعاً؛ ما أكثر الذين ينوِّعون بين هذه وتلك، وتكاد تجدهم في كل مكانٍ وكل مقهى، من أكثرها حقارةً إلى أعلاها مكانةً ومنزلة، وهم يتقلَّبون بين هذه وتلك بحسب ما تسمح به أيام الأسبوع أو الشهر، أو أحوال الجيب أو مكانة الجلساء.

وإني أحدثكم اليوم عن تلك الحالة التي يحدث فيها أن تُرزق، أو تُبتلى بتعبيرٍ أصح، بمجموعةٍ من زملاء العمل الذين لا يتم لهم اليوم إلا بأخذ الوجبة المسائية قهوةً أو شاياً، والذين لا تتم صحبتك لهم إلا بمشاركتهم الجلسة المسائية إياها. وقد حصل في الفترات الأولى التي تلت توظيفنا معاً، أن تردد الشباب على عدة مقاهٍ في طنجة، وكان ذلك عندهم في إطار (البحث عن الذات) و(إيجاد الحلول التوافقية)، بحيث كان عليهم أن يلتمسوا بين كل مقاهي طنجة ذلك المقهى المثالي الملائم، الذي يرضي جميع أطراف المجموعة.

وكانت مهمةً صعبةً بخلاف ما بدت عليه في البداية، بسبب تعدد المقاهي من جهة، وتعدد أمزجة الأصدقاء وأذواقهم من جهة أخرى…

البداية كانت مع مقهى Donust الذي لا تنفك عنه سحابة دخان السجائر في كل وقتٍ وحين، ولم يمرَّ زمنٌ طويلٌ حتى ضجر الأصحاب من كونه محشوراً في موقعٍ (غير استراتيجي)، لا يرقى للتطلعات ولا يملأ المواصفات المطلوبة لجلسةٍ مريحة، فوقع الإجماع أخيراً على تركه والبحث عن مقهى آخر أفضل منه.

وكانت الوجهة الثانية إلى مقهى Davinchi، وهو مقهى راقٍ يتميز بموقعه البارز وسط الشارع الرئيسي، لكن سرعان ما أبدى بعض الأصدقاء استياءً بالغاً من السعر المرتفع للقهوة، فهذا المقهى (دافنتشي) يعتبر نفسه من المقاهي الفاخرة التي ترفع سعر مشروباتها بسبب كثرة الزخارف المنثورة هنا وهناك، وتلك اللوحات الفنية الأنيقة المعلَّقة على جدرانها، وهذا النوع من المقاهي تتناسب جودة القهوة فيه عكسياً مع سعرها! لكن الزبناء يضحُّون بجودة القهوة وارتفاع السعر، مقابل جودة المكان ورقي الإطار العام، والمكانة الاجتماعية للمقهى ورواده، وهو بالتحديد ما لم يكن ليلائم صديقنا (سي مصطفى) لأسباب تتعلق بفلسفته الاقتصادية، وهي ما سيتم تناوله بشيءٍ من التفصيل بعد حين.

ثم كانت القشرة التي قصمت ظهر البعير هي ذلك الشجار العنيف الذي نشب بين أحد الأصدقاء وأحد النُّدُل المتحذلقين، مما دفع بالمجموعة إلى اتخاذ قرارٍ صارمٍ بمقاطعة المقهى مقاطعةً تامةً كاملةً لا رجوع فيها، وكذلك كان! حتى إنه قد مرت الشهور والسنوات على الحادث، ولعل ذلك النادل قد رحل وجاء غيره، بل لعل طاقم العمَّال كله قد تغير، لكن ومع ذلك لم يعد أحدٌ من الأصدقاء لذلك المقهى أبداً، بسبب ذكرى الشجار القديم الذي صار عمره الآن بضع سنوات!

لا يعود الناس أبداً إلى مقهى تشاجروا مع نادله، حتى لو تغير النادل ألف مرة…

وهو نوعٌ من التصرفات اللاعقلانية التي أجد من العسير حقاً إيجاد تفسيرٍ منطقيٍّ مقنعٍ لها!

ومن هنا نشأت بين الأصدقاء إشكاليةٌ فلسفيةٌ عميقة؛ بحيث صار مطلوباً إيجاد مقهى يكون بمثابة المقر الثابت للمجموعة، وينبغي أن يكون المقر مرضياً لجميع الأطراف. وموطن الإشكال هنا أن مجموعة الأصدقاء تتكون من ذوَّاقةٍ وبخيلٍ ولاعب تنس، وافهموا جيداً قصدي بهذا الوصف الأخير!

أما الذوَّاقة فهو يبحث عن جودة الشاي أو القهوة، لا يهمه غيرها، وهو لن يرضى أبداً بالجلوس في مقهى يقدم شاياً رديئاً، أو قهوةً هي أقرب إلى عصير الجوارب، كما وصفها بذلك الكاتب المصري المشهور.

وأما البخيل فهو يزعم أنه ذو أعباء اقتصاديةٍ جسيمةٍ تثقل كاهله، وأن جلوسه اليومي في المقهى يتطلب منه لزوماً اختيار المكان الذي يتميز بسعرٍ رخيصٍ للاستهلاك.

وأما لاعب التنس فهو – بالطبع – يبحث عن (الموقع الاستراتيجي) الذي يتيح له التأمل في خلق الله، ومطالعة (الغادين والرائحين) من زاوية مريحة، وذلك في إطار أبحاثه الاجتماعية المتعمقة ودراساته الأنثروبولوجية لساكنة المدينة!

وبعد مباحثاتٍ مطولةٍ واجتماعاتٍ مغلقةٍ لم تسفر عن شيء، وبعد تجارب علميةٍ كثيرة أجريت على عدد من مقاهي المدينة، في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، بدأت البوصلة تشير تلقائياً إلى أحد تلك المقاهي، والذي كان يظهر أنه الأكثر اقتداراً على تلبية الرغبات الثلاث؛ فهو يقدم شاياً جيداً وقهوةً ممتازة بشهادة صاحبنا ذي الذوق الرفيع، أما سعر المشروبات فهو ملائم جداً، ولا يتجاوز تسعة دراهم فقط، مما لا يثقل كاهل صاحبنا ذي الأعباء الاقتصادية الجسيمة! ثم إنه يقع في قلب الشارع الرئيسي الأكثر اكتظاظاً في طنجة، وهو ما كان ملائماً تماماً للاعب التنس كما تعلمون!

وبذلك تحول ذلك المقهى، شيئاً فشيئاً وبشكل تلقائي، إلى “مقرٍّ” رسميٍّ ودائمٍ للمجموعة، ولم يكن ذلك المقهى العجيب سوى Dolcy 5، والذي لم أكن أستطيع إخفاء مقتي الشديد له في البداية، ورفضي الدائم لمشاركة الأصدقاء الجلوس فيه، حتى أني صرتُ بالنسبة لهم (صاحب الفتنة) الذي يصرُّ دائماً على السير عكس التيار، ويسعى في تفريق المجموعة وتبديد شملها…

والحق أنه ما من شيئٍ من ذلك كان، إلا أني بلغتُ من شدة مقتي لذلك المقهى وكرهي له حداً جعلني لا أطيق الجلوس فيه أكثر من دقائق معدودات، لأبدأ عباراتي المعتادة في التسخُّط والتبرُّم، والرغبة في الانصراف والعودة إلى المنزل في أسرع وقت، أو تغيير المقهى على الأقل، وهو ما كان يزعج الأصدقاء في البداية قبل أن يتعلموا تجاهلي، وبعضهم لم يكن يفهم سبباً لذلك الكره غير المبرَّر لأجمل مقهىً ممكنٍ في المنطقة! حسب ما يعتقدون…

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

9 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: