على ضفاف الشاطئ الأزرق ~

25/01/2015 عند 17:25 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

3ala difaf

.

كنتُ قد توصلتُ برسالة نصحٍ كريمةٍ لم أعرف هوية مرسلها، ثم تبين لي أنها من طرف إحدى الأخوات الفاضلات من قدماء من عرفت على الشبكة العنكبوتية، وذلك على موقع الرسائل مجهولة الاسم sayat me، في أحد أيام شهر مايو لعام 2014.

وقد بقيت الرسالة دون ردٍّ مني حتى يوم الناس هذا، وإلى أن ارتأيتُ أن أجعل منها ومن تعليقي عليها موضوعاً لمقدمةٍ أستهل بها هذا الكتاب المتواضع، فإليكم أيها الإخوة الكرام نص الرسالة كما توصلتُ بها، وفيما يلي التعليق عليها بإذن الله تعالى.

تقول الرسالة:

– “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أرجو أنك بخير.

منذ مدةٍ كنت أريد أن أقول لك ذلك…

لا تتفاجأ، ولكن أمنيتي أن تترك الفيسبوك!

أعني كمنبرٍ للنشر ومقياسٍ لمستواك الكتابي والفكري، وأن تعود لأوراقك القديمة الراقية، وكتاباتك الأنيقة الساحرة، عوضاً عن المنشورات السريعة التي لا ترقى لمستواك القديم بأي حالٍ يا كاتبنا الفاضل.

ربما تكون أمنية ترك الفيسبوك (مبالغاً فيها)، لكني أعلم أي سحرٍ يملكه ذلك اﻷزرق كي يُغرق الكاتبَ في أعماقه، ويجرفه بعيداً عن كتاباته المتأنية الأصيلة ذات العمق، بلا انتباهٍ منه ولا شعور…

ذلك السحر الأزرق يفتح باب صومعة الكاتب المقدسة (عنوةً) على مصراعيه، لتغمره ضوضاء القراء الفيسبوكيين، الصالح منهم والطالح، وجلبتهم التي لا تخمد، فيختلط الكاتب بهم ويذوب في بوتقتهم، دون شعورٍ منه بذلك أيضاً.

ثم يضيع خلال هياجهم صوته الحكيم، ويصعب على المستمعين بعدئذٍ أن يميزوا صوته من أصواتهم…

ومن هنا كانت أمنيتي لك بأن تترك الفيسبوك وتبتعد عنه، أو أن تقلل قدر الإمكان من تأثيره عليك، وحيازته النصيب الأكبر من اهتمامك ووقتك، حتى تمتعنا بنصوصٍ بعراقة النصوص السابقة وأكثر.

تقبل مني كل التقدير والأمنيات بالتوفيق كاتبنا الفاضل.

ولا أظنني في حاجةٍ للتعريف بنفسي، فقد عرفتَ حتماً من أكون…”

فهذا هو نص الرسالة التي تلقيتها، والتي كنتُ هممتُ بالرد عليها في الأيام التي تلت توصلي بها، ثم ما زلتُ أؤجل الأمر حتى مضت عليها الشهور، إلى أن كُتب لها أن تُنشر في مقدمة هذا الكتاب الذي بين أيديكم.

والحق أن الرسالة لم تزل نصب عينيَّ منذ ذلك الحين، ولم أنسها قط، بل ما أكثر ما كانت كلماتها الصادقة تخطر ببالي، وتدفعني دفعاً إلى التفكير فيها، وإلى تأمل ما آل إليه حال الكتابة بعد أن امتصَّتْ زرقة الفيسبوك حبر أقلامنا، وصار ما نكتبه من نصوصٍ وخواطر ومقالاتٍ خاضعاً للاعتبارات الفيسبوكية أولاً وأخيراً وقبل كل شيء.

ولعلي لا أبالغ إن قلت بأن صنفاً جديداً من الكتابة قد وُلد ولم يكن له وجودٌ من قبل، وصار هناك إلى جانب الشعر والرواية والقصة القصيرة والمقال؛ المنشور الفيسبوكي! وهو ما آلت إليه أقلام كثيرٍ من الكتاب بعد أن وجدوا في ذلك الأزرق سحراً ليس في غيره، وتياراً جارفاً لا يكاد يسع أحداً أن يتجنبه أو يحيد عنه، إلا وكان في ذلك اضمحلاله وذبول قلمه، ونفاد حبره في المحاولات اليائسة لاستقطاب قراءٍ لا منفذ إليهم إلا عبر القنوات الفيسبوكية الزرقاء.

فهو إذاً واقعٌ يفرض نفسه، بإيجابياته وسلبياته، بمحاسنه ومساوئه، والذي ينبغي أن يُتماشى معه وأن يُستفاد منه، وأن تُأخذ منه إيجابياته وتُطرح سلبياته، وأن يُستفاد من محاسنه ويُضرب بمساوئه عرضُ الحائط.

وإني امرؤٌ عشتُ في جنبات هذا البناء العنكبوتي المسمى (الإنترنت) منذ عشر سنواتٍ كاملة، وأستطيع القول بأننا لو استثنينا المقالات المنشورة في المواقع الإخبارية والسياسية والفكرية، فإن أدب الشباب المبتدئ ومحاولاتهم الكتابية قد مرت بمراحل ثلاث؛ الأولى هي (مرحلة المنتديات)، وكنا فيها ننشر القصص والخواطر، والمواضيع النقاشية في الأقسام المخصصة لها، وكنا نستقبل الردود والتعليقات على مواضيعنا، وكثيراً ما تضخَّمت تلك المواضيع بنقاشاتها الحامية، حتى يصير الموضوع المنشور مكوناً من عشرات الصفحات الدسمة، العامرة بالاقتباسات والردود، والآراء والأفكار، والمنقولات القيمة التي تفتح الذهن وتوسِّع المدارك.

ثم جاءت المرحلة الثانية وهي (مرحلة المدوَّنات)، فصار الشباب الكاتب إلى افتتاح مدوناتٍ لهم، وإلى تلقيب الواحد منهم نفسه بـ (المدوِّن)، وبدؤوا ينشرون فيها ما تخطه أناملهم من الخواطر والنصوص والمقالات. والحق أن المدوَّنات هي ذات طابعٍ منبري، يفتقر إلى توفير أجواء النقاش وتبادل الآراء، فلم تحل محل المنتديات، وبقي كثيرٌ من المدونين على ارتباطهم بمواقع النقاش، طلباً لتعليقات الأعضاء وردودهم على ما يكتبون.

وقد نُصحتُ من طرف بعض أصدقائي بافتتاح مدونةٍ لي، فسايرتُ الموجة وافتتحتُ (مدوَّنة الأيام البريئة) في عام 2009، غير أني ظللتُ أكثر ارتباطاً بعالم المنتديات، وما كنت أنشر في المدونة إلا قليلاً، وما كنت أنشر فيها إلا نصوصاً على قدرٍ من الطول، وعلى مُددٍ زمنيةٍ متباعدةٍ تصل إلى عدة أشهرٍ بين نصٍّ وآخر.

وكان أصدقائي المدوِّنون كثيراً ما ينتقدون إقلالي الشديد في التدوين، وكانوا هم من المكثرين، وكانوا يحثونني على مزيدٍ من الاهتمام بالنشر في (مدوَّنة الأيام البريئة)، وكنت أجيبهم ساعتئذٍ بأني أريد المشي على خطٍّ دقيقٍ بين الكمِّ والكيف، حتى تغيرتْ أمورٌ وانقلبتْ أحوال، وذلك بعد أن جاءت المرحلة الثالثة التي جرفت مع تيارها الهادر كل أخضرٍ ويابس.

هذه المرحلة الثالثة هي (مرحلة الفيسبوك)، وتتجلى خطورتها في توفير مناخٍ حيويٍّ سريع التجدد، لا مكان فيه للإبطاء والتأني، بل هي رياحٌ عاتيةٌ وأمواجٌ تتعاقب في تلاطمها السريع الواحدة إثر الأخرى، فجاء الفيسبوك ليوفر للشباب كل ما كان من مميزات عالم المنتديات والمدونات معاً؛ مساحةً منبريةً لنشر النصوص بأنواعها الجدية والهزلية، الطويلة والقصيرة، ومجالاً خصباً لتبادل الآراء والتعليقات والنقاشات حامية الوطيس، فضلاً عن تسهيل الوصول للأشخاص والأخبار، وما يتعلق بالشبكات الاجتماعية، ونشر الصور ومقاطع الفيديو، إلى غير ذلك من مميزات الفيسبوك الفاتنة المعروفة.

فحصلت الهجرة الجماعية إلى العالم الأزرق، وهجر كثيرٌ من الشباب المنتديات والمدوَّنات معاً، وتحولوا إلى كائناتٍ فيسبوكيةٍ خالصة، وصار أولئك المدوِّنون من أصدقائي، من الذين طالما انتقدوا إقلالي من الكتابة والتدوين، إلى هجرة مدوناتهم أو إغلاقها بشكل نهائي، وكان ذلك تمهيداً لهجر الكتابة وجعلها جزءاً من الماضي الجميل الذي لن يعود.

وقد صرتُ الآن أبحث عن بعض أولئك النشطاء في عالم التدوين قديماً، فما أجد في مدوناتهم إلا الغبار وخيوط العنكبوت، وإذا طلبتُ صفحاتهم الفيسبوكية وجدتها مليئةً بالمنشورات السطحية، وكلامٍ هزليٍّ فارغٍ أكثره باللهجة العامية، وكلِّ ما هو بعيدٌ تماماً عن أن يُنسب للكتابة أو أن يمدَّ إليها بسبب، وتحسرتُ على ما آل إليه هؤلاء من تضييع مواهبهم وإهمالها، في الوقت الذي كنتُ فيه قد جمعت من تلك (التدوينات) المتباعدة في مدونة الأيام البريئة قدراً لا بأس به، وهو ما تحول في العام الماضي إلى الإصدار الرقمي السابق لهذا الذي بين يديك، واسمه (شموع الحنين، وأوراقٌ أخرى).

ثم إنني قد انتبهت – بفضل الله وتوفيقه – إلى مكمن الداء وموطن الخطر، وهو ما سوف تقرؤه – حفظك الله ورعاك – بشيءٍ من التفصيل في خاتمة هذا الكتاب، فعزَّ علي أن أسكب حبر قلمي في بحر الفيسبوك مسلِّماً إياه إلى النسيان والضياع، فأبقيتُ الجسور قائمةً وحبال الوصل رابطةً بين نشاطي الفيسبوكي والتدويني، وهو ما عملتُ بمقتضاه على إعادة ترتيب التصنيفات في مدونة الأيام البريئة، مما تمخض عنه ميلاد تصنيفٍ جديدٍ أسميته (ومضاتٌ فيسبوكية)، وكان هذا التصنيف أداةً لحفظ وتجميع ما أنشره على صفحات الفيسبوك، من النصوص والخواطر والمقالات الطويلة منها والقصيرة.

وبهذا وُفقت والحمد لله إلى إنقاذ مجهوداتي من الضياع، وعندما تلاطمت على المنشورات أمواج الفيسبوك المتلاحقة، كنت أجد نسخةً منها محفوظةً مصونةً مؤرَّخة، مرصوصةً بانتظامٍ في مدونة الأيام البريئة تحت التصنيف المخصص لها؛ (ومضاتٌ فيسبوكية).

ثم جاء أخيراً وقت الحصاد، وهذا الكتاب بين أيديكم أيها السادة الأفاضل، أستدلُّ به على قوة الفيسبوك ومميزاته لمن أحسن توظيفها، وأقول للأخت الفاضلة صاحبة الرسالة أعلاه: “هي ذي بين يديك النتيجة!”

وقد كان مقرراً في البداية أن أسمي الكتاب باسم التصنيف الذي جمعتُ فيه نصوصه قبل إخضاعها للترميم والتعديل، وهو (ومضاتٌ فيسبوكية)، ثم ارتأيتُ بعد ذلك أن أغير هذا العنوان إلى آخر أكثر إبانةً عن حقيقة الكتاب ومحتواه، فوقع اختياري على عنوانه كما ترونه في الغلاف؛ ومضاتٌ وشهب…

ذلك أن نصوص هذا الكتاب، وهي (منشوراتٌ فيسبوكية) في الأصل، متفاوتة الطول والعمق والحرارة، منها الخاطرة السريعة التي لا تتجاوز أسطراً يتيمة، ومنها المقالة المطوَّلة التي تملأ بضع عشراتٍ من الصفحات.

منها العبارة العفوية وليدةُ لحظتها وساعتها، ومنها النص المهيكل المبني على خطةٍ وأساسٍ ومنهج كتابة.

منها الأقمار الدافئُ نورُها وهو يتهادى على صفحة السماء، ومنها الشموس المشتعلة بأوضح ما يكون من صراحة البيان.

منها النجوم المومضة بنورها الخافت البعيد، ومنها النيازك والشهب الثاقبة التي تطارد الشياطين وتحرقهم.

وفي الختام…

كلي أملٌ في أن يكون هذا العمل المتواضع عند حسن ظن الجميع، واللهَ أسأل أن يوفقنا جميعاً لما فيه سعادة الدنيا والآخرة، وأن يؤلف قلوبنا جميعاً على الخير والمحبة والصفاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…

31/12/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: