رسالةٌ إلى كتَّاب الأزرق ~

25/01/2015 عند 17:37 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

.

rissala ila kotab

.

هي أربعمئةٍ وعشرون صفحةً إذاً!

ما توقعتُ أن يصل حجم هذه (الومضات الفيسبوكية) بعد تجميعها إلى هذا الحد…

هي أربعمئة صفحةٍ ضمَّنتُها كثيراً من الأحاسيس والأفكار والشجون، هنا بين الدفَّتين خلجاتُ نفسٍ دُوِّنت قبساتٌ منها على امتداد سنتين كاملتين، سنتين من عمرها الذي لا يزال بعد صغيراً…

بحرٌ راكدٌ أحياناً، وأمواجٌ عاتيةٌ أحياناً أخرى… شهابٌ خاطفٌ يومض فجأةً ويختفي، ونيزكٌ مشتعلٌ عملاقٌ يمخر عباب السماء، قاصداً وجهته المنشودة التي عنها لا يحيد…

كانت هذه حصيلةً فيسبوكيةً دسمة، وهذا العمل الذي أختمه بهذه الكلمات مع خاتمة هذا العام الذي كان طويلاً، أحب أن أجعل منه رسالةً إلى كل حاملٍ لقلمه الأزرق، أقول له ناصحاً مشفقاً، ملحاً عليه مبتغياً خيره: احفظ ما تكتب، احفظ ما تخطه يداك، وإياك إياك أن تجعله في مهب الريح، فهذا الفيسبوك طاحونة نسيانٍ سريعة!

إنني أرى منكم أقلاماً مضيئةً تشعُّ بالخير والجمال، وشباباً تتدفق عباراتهم بما ينطوون عليه من المواهب الواعدة والأرواح الطاهرة، وطلبة علمٍ وأدبٍ وثقافة، لا أستحق وأمثالي إلا أن نجلس بين أيديهم جلسة المتعلم إلى معلمه، والتلميذ إلى أستاذه، نقتبس من نورهم الدافئ، ونفيد مما حباهم الله من نعمة العلم والأدب، تلك التي لا ينال الواحد منها شيئاً إلا وتطلع لمزيدٍ ومزيد…

غير أن الذي يؤلم النفس ويحزن القلب، أن تكون قوة هذا الفيسبوك ضعفَه أيضاً، وأن يكون المنبر الرافع لأصوات خطبائه هو نفسه المبدِّدَ لها في سديم العدم، القاذفَ بها في ثقب النسيان ذلك الأسود الكئيب…

إن منكم أيها الشباب الأفاضل من ينشر على صفحته النص الأدبي من تأليفه، فإذا به تحفةٌ أدبيةٌ تنافس كبار الكتَّاب! وإن منكم لمن ينشر المقالة التحليلية والتحقيق العلمي، فإذا به يستأهل أن يبنى عليه المشروع الاجتماعي والقرار السياسي! وإن منكم لمن ينشر الخاطرة النفسية والشجن الروحي، فإذا بها الدرر والجواهر، وإذا بتلك العبارات المتلألئة الرقراقة لمستحقةٌ بأن تصير أمثالاً تُضرب وتتناقلها الأجيال!

ثم ماذا يكون بعد ذلك؟ إن هو إلا وهجٌ لحظيٌّ عمره بضع ساعات، أو بضعة أيامٍ لا تزيد، وما هي إلا إعجاباتٌ قليلةٌ أو كثيرة، وتعليقاتٌ من هنا وهناك، ثم سرعان ما تتلاطم الأمواج الفيسبوكية وقد علاها ما علاها من الزبد الكثير الذي يذهب جُفاءً، ولا تلبث الدرر والجواهر أن تُغمر في خضم المتلاطمات، فإذا بها وقد أخذت طريقها غارقةً حيث لن يعثر عليها أحدٌ ولن يستكشفها أحد، حتى يصير كاتبُها الذي خرجت من رأسه أول الناسين لها، المبدِّدين لجهودها، والمضيِّعين لقيمتها العظيمة بمثل هذا التفريط وتلك الاستهانة…

وكم في أعماق هذا الأزرق من جواهر مكنوناتٍ ودررٍ خنقتْ عتماتُ الأعماق نورَها المضيء، وقصورَ لؤلؤٍ ومرجانٍ لن يجدها أحدٌ ولن يسكنها أحد…

فيا أيها الشباب الجاهل بقدر نفسه، المضيع لجهوده، المبدد لأنفاس شجونه وخلجات روحه، إن مَثلكم كمثل من دخل سوقاً فنادى على الناس، فاجتمعوا حوله، فخطب فيهم ووعظهم، وألقى على مسامعهم من نفيس الكلام ما ينعش الأرواح ويطرب الأسماع، ثم فرغ من كلامه وانصرف، وانصرف الناس على إثره وقد أعجبهم منه ما سمعوه…

ثم يكون ماذا؟ وأي أثرٍ يبقى لكلامٍ خُلق على وسائد الهواء وأجنحة الريح؟ وأين يُذهب به إلى غير الإهمال والنسيان، حتى يكون قائل الكلام أسرع إلى نسيانه من سامعه؟!

هل يستوي هذا مع من جرَّد القلم وأعمله في بياض الورق، ثم جسَّد الفكرة وجسَّمها، ولم يترك كتابه حتى صنَّفه ورتبه، وعقد له الأبواب والفصول، وشقَّ له العناوين والفهارس، وأرسله للنسخ ثم طار به في الأمصار، فهل يُنسى هذا الكلام الموثَّق إلى دفَّة الجلد كما نُسي الكلام المحمول على أجنحة الهباء؟

فكذلك الشأن بلغة العصر مع هذا الفيسبوك الخادع للناس عن نفوسهم، فيا أيها الشباب احفظوا ما تكتبون مما له شأن، فإنه بضعةٌ من أرواحكم، وقطعةٌ من نفوسكم…

والكتابة – يا شباب – فعلٌ مقدَّس، وكل كتابةٍ هي تأريخ، تأريخٌ لحدثٍ وقع أو شعورٍ اعترض النفس أو رأيٍ توهَّج نوره في العقل، وليس يجْمُل بمن ابتغى نحت ذاكرته على أشكال الحروف أن يترك أشلاء الخزف متناثرةً على شاطئ الإهمال والاستهانة…

واحرصوا على التأريخ فهو نصف الكتابة، وبه تُعرف قيمة المكتوب نسبةً إلى سياقه الزمني، فلا تفرغوا من مكتوبٍ إلا وذيِّلوه بتاريخ كتابته، فإن ذلك مما يحفظ عليه قدره، وعليكم أقداركم.

ودونكم التجارب الناجحة لشبابٍ رفعوا نصوصهم عالياً، وارتفعوا بها عن جاذبية ذلك الفيسبوك الذي وُلدت فيه، وفيه كانت ستقضي نحبها لولا أن انتزعها أصحابها من ثقوبه السوداء، ودواماته المائية، وكثبانه الرملية المتحركة.

وهذا أخونا الكاتب عبد الواحد استيتو، نشر روايته الشبابية (على بعد مليمترٍ واحد فقط)، وهي روايةٌ وُلدت في الفيسبوك وفيه نشأت، ومنه أخرجها صاحبها روايةً منشورة، مجموعةٍ فصولُها بين دفتي كتاب، ولولا ذلك لما رُفع لها ذكرٌ وما حظيت بما حظيت به من انتشارٍ واسع، ولبقيت فصولها أشلاءً متناثرةً تلاطمت عليها أمواج الفيسبوك المتلاحقة، حتى غمرتها تماماً في بحر النسيان الذي لا نهاية لمداه ولا قاع لعمقه…

وهذا أيضاً أخونا الكاتب ربيعٌ السملالي، ولولا أنه جمَّع خواطره الفيسبوكية ونصوصه الأدبية في كتابٍ واحدٍ طبعه ونشره، وهو (أفكارٌ على ضفاف الانكسار)، لكان أكثرها الآن نسياً منسياً، ولما بلغت على هذا النحو إلى من بلغتهم من قرَّائها، الذين ما كانت لتصل إليهم إلا على صفحات الكتاب، ولولا ذلك لما كان لها من نصيبٍ في الحياة أكثر من تلك الأيام المعدودات التي تعيشها كـ (منشورٍ فيسبوكي)، وتنتهي الأيام المعدودات بانتهاء إعجابات المعجبين وتعليقات المعلقين، ثم سرعان ما تدوسها عجلات الزمن المتسارعة التي لا ترحم…

فعلى مثل هذه الخطى سار هذا الكتاب، وفيه تجميعٌ لما تناثر من أشلاء الروح وشظاياها في سماء الأزرق الفسيحة، على امتداد سنتين كاملتين، واللهَ أسأل أن يغفر لي ولجميع المسلمين ما كان من الخطأ والخلل والغفلة، وأن يلهمنا جميعاً رشدنا، وأن يوفِّقنا إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة.

وسلامٌ عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين…

Advertisements

تعليق واحد »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. أوافق جدا على فكرة حفظ المكتوب وتجميعه، وإلا ضاع. وينبغي لمن كان له طموح في الكتابة أن يجمع منشوراته كما فعلت ليمكن مقارنة تطوره مع بداياته.
    تحياتي.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: