الخوارج وأصحاب المعاصي ~

18/10/2014 عند 15:23 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

لا يحق لأحدٍ أن يحمل أحداً على شيء من الدين بالإكراه والجبر، كائناً من كان.

ويسوء الواحدٓ جداً ما يراه مما انتشر في كلام بعض الإخوة، ممن إذا رأوا ما استفحل في شوارع مجتمعاتنا المسلمة من المنكرات والمعاصي، كالتبرج والتهتك الأخلاقي وشرب الخمر والزنا وغير ذلك، ثارت ثائرتهم وقالوا: “داعش هي الحل!”

وهذا الكلام في الحقيقة ينطوي على شعبة من شعب التفكير الخوارجي، وهو ما عبر عنه بعض العلماء قديماً من كون الخوارج لم يحتملوا وجود بعض المنكرات، فأرادوا إزالتها بمنكرات أشدّ منها، وهذا من سفاهة عقولهم وسخافة أحلامهم، ومخالفتهم الصريحة للقاعدة الشرعية بل والعقلية المعروفة في حال وجود ضررين لا مفر من أحدهما؛ وهي دفع الضرر الأعظم بالتزام الضرر الأدنى.

وأسأل من يفكر بهذه الطريقة العوجاء ويقول هذا الكلام الأخرق: ما الأكثر ضرراً على المجتمع المسلم؟ ما هو واقع الآن فيه من المنكرات والمعاصي، كالتبرج والفساد والانحلال وغير ذلك، أم ما سيحدث لو سُلِّطت علينا دولة الإجرام تلك، وهو القتل والذبح والتدمير وهدم المنازل على رؤوس أصحابها؟

إن من كان على فكر الخوارج هذا، فهو ينظر إلى العصاة والمذنبين نظرة احتقار وعداوة، ويعتقد أن من الواجب معاقبتهم والجهاد فيهم باليد، وإجبارهم على الالتزام بالدين بالقوة، أو تعذيبهم وربما قتلهم بأبشع الطرق إن رفضوا، حتى ولو دون سلطة حاكمة تكون في أيديهم، كما فعل بعض المجرمين والمختلين عقلياً في بني مكادة قبل أيام، عندما جلدوا شارباً للخمر، قاتلهم الله وكفانا شرّهم، وهدى شارب الخمر!

هذا الأسلوب في معاملة العصاة والمذنبين مخالف تماماً للهدي النبوي الشريف، بل يؤدي إلى فقدان ذلك الرصيد الكامن المدفون في قلوب هؤلاء العصاة، من الحب لدين الله والأمل في التوبة، فهم بأفعالهم وأفكارهم هذه يبغِّضون الناس في دين الله، وينفِّرونهم منه تنفيراً شديداً، ومٓنْ مِنٓ الناس يقبل أن يأتي واحد من شذاذ الآفاق من الجهلة الغوغاء، ليزعم أنه مجاهد في سبيل الله وأنه يملك الحق في تهديدك وإجبارك على ترك ما أنت عليه من الذنوب، وإلا نفذ فيك تهديده وتعرض لك بالاعتداء؟!

لا أحد يقبل ذلك قطعاً! بل بسبب هذا الغلو والتطرف يرتد كثير من الناس عن الاستقامة، حتى يصير الصارم متساهلاً، والمتساهل عاصياً، والعاصي فاسقاً، وربما صار الفاسق كافراً، وربما ارتمى المسلمون في أتون العلمانية والليبرالية والإنسانية وغيرها من المذاهب الفكرية الكفرية الهدّامة، كل هذا فراراً من الانتماء لدين أو لمنهج يؤمن أفراده بامتلاكهم صلاحية التسلط على الناس بالقوة والتحكم في أفعالهم وحيواتهم الشخصية، مهما كانوا مقصرين مذنبين عصاة.

داعش ليست هي الحل، بل هي مشكلة أعظم وأخطر بكثير من مشكلة انتشار الفسق والفجور في المجتمع المسلم، والطريقة المثلى للتعامل مع أصحاب المعاصي والذنوب هي الترفق بهم، ورحمتهم، وعدم إحراجهم فضلاً عن التسلط عليهم، وإخلاص النصيحة لهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، وعدم احتقارهم وإذلالهم، بله الاعتقاد – ولو في قرارة أنفسنا – بأننا أفضل منهم.

الحل كامن في الدعوة والتربية، وتعلم الدين الصحيح وتوضيحه للناس، فهذه هي الجهود المباركة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وأما معاملة الناس بالمعاداة والاحتقار، والتهديد والوعيد، والسب والشتم، بل والضرب والجلد والقتل، فهذا صدٌّ عن دين الله وحرب عليه، من حيث يُعلم ذلك أو لا يُعلم، ومن حيث يُقصد أو لا يُقصد.

03/09/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: