الصيادون في الماء العكر ~

31/08/2014 عند 12:42 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

من الذكريات المتعلقة بشهر رمضان الماضي، والتي هممتُ بكتابتها في حينها ثم تكاسلتُ وغفلتُ عنها حتى حدث ما ذكرني بها اليوم؛ موقفٌ حدث بالقرب من مسجد الإمام الشاطبي بطنجة، بعد انتهاء الدرس الأول من دروس الحديث التي يلقيها الشيخ مصطفى البحياوي حفظه الله، ومعلوم أن الشيخ له دروس رمضانية في هذا المسجد بعد صلاة العصر، درس في التفسير يوم الجمعة، ودرس في شرح صحيح البخاري يوم الأحد.

ودروس الشيخ طويلة تتجاوز مدتها الساعتين غالباً، وفي درس ذلك اليوم كان قد شرح حديث إلقاء بعض الكفار للأذى على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، شرٓحه شرحاً مستفيضاً مطولاً سنداً ومتناً، أمتع فيه وأفاد، ثم انتقل في ختام الدرس إلى الحديث الذي يليه، وفيه ذكْر ما كان من تأخير الخليفة عمر بن عبد العزيز للصلاة يوماً إلى آخر وقتها، ودخول عروة بن الزبير عليه وتنبيهه له حول هذا الأمر، وكان مما ذكره في سياق شرحه لهذا الحديث ما هو واجب في نصح الخلفاء، من الانفراد بهم والتأدب معهم، ومخاطبتهم بما يليق بمقامهم. ذكٓر ذلك ثم واصل شرحه للحديث.

انتهى الدرس وخرجنا من المسجد، نتبادل السلام والمصافحات، وبينما نحن كذلك التقينا، أنا ووالدي، رجلاً نعرفه من أبناء حينا القديم، ومما كنت أعرفه عن هذا الرجل تمسكه بشيء من الهدي الظاهر، فقد كان ملتحياً لا يُرى إلا بالثوب الطويل (القندورة)، ولا أعلم له انتماءً لأي جماعة إسلامية، غير أنه من أشد المتحمسين والمتعصبين لحركة الطغيان والفساد المسماة بالعشرين من فبراير، وكان مؤيداً لها ومناصراً لأفكارها حتى النخاع، ولم يكن يفوِّت مظاهرة من مظاهراتها إلا ويشارك فيها باستماتة وحماسة منقطعة النظير.

سلمنا عن الرجل وتبادلنا السؤال عن الحال، والتهنئة بقدوم الشهر الفضيل، واتفق أن كان لدينا جزء من الطريق مشترك، فتمشينا، وبدا لي الرجل مهتاجاً ثائراً، تدور عيناه في محجريه، ويتطاير الشرر منهما، ولم يصبر حتى انفجر فينا كاشفاً عن مكنون صدره وما كان يعتمل في نفسه، وأطلق لسانه الوقح في الشيخ سباً وشتماً، بأقبح الألفاظ وأشنعها!

نظرنا إليه باستغراب وسألناه عن سبب هذه الثورة المفاجئة المنكٓرة، فكان جوابه أن الشيخ غشاش مدلِّس، لأنه ذكر في درسه ما ذكر من الواجب في معاملة الخلفاء ونصحه! ثم انطلق يهذي زمناً طويلاً بصوت مرتفع حاد واهتياج ثائر، ونحن صامتان مكتفيان بالاستماع إليه، وفي أنفسنا من الحسرة على حاله ما الله به عليم.

وكان مما ذكره في خضم هيجانه وهذيانه، أن الشيخ ذكر الواجب في معاملة الخلفاء، ولم يذكر شيئاً من مساوئ الحكام القائمين اليوم، وأنه كان ينبغي عليه – حسب رأي الرجل – أن يحدد صفات الخليفة التي يستحق هذه المعاملة، وأن يستثني منها حكام اليوم جميعاً، وإنه إذ لم يفعل ذلك فقد غشّ ودلّس وخان!

ثم انتقل الرجل إلى تحديد مواصفات الحاكم الشرعي الذي ينبغي أن يكون مطاعاً معترفاً به، والتي لا تنطبق على أي حاكم عربي – برأيه – في هذا العصر، وهي أن يكون مسلماً، عادلاً، صالحاً، غير مستأثر بالثروة، ومنتخباً من الشعب بطريقة ديمقراطية، وأن يكون الدستور الحاكم منتخباً أيضاً من الشعب، لا ممنوحاً كما هو دستور المغرب الجديد.

ولم ينس أن يعرِّج على ما حدث في العالم العربي من ثورات ومظاهرات، وأن يشيد بالتجربة المصرية التي أُفشلت بالقوة، وأن يذكر بأن القذافي لم يكن حاكماً ذا شرعية بسبب أنه قال لشعبه (يا جرذان)، وأن الثورة عليه كانت واجبة – فقط – بسبب تلفظه بهذه الكلمة.

ثم ذكر بأن حركة العشرين من فبراير كانت هي أمل المغاربة الوحيد لإحداث تغيير ديمقراطي في نظام الحكم، تشارك فيه كل الفصائل الفاعلة في الساحة السياسية، من الإسلاميين والعلمانيين والاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم، لكن المغاربة ضيعوا هذه الفرصة التاريخية بسبب غبائهم وخنوعهم، وبسبب أمثال ذلك الشيخ – يقصد الشيخ البحياوي – ممن يغشونهم ويدلسون عليهم الحقائق ويطمسونها.

ثم عاد إلى الشيخ من جديد، ورجع لتناوله بالسب والشتم، بهيجان شبه هستيري، وقال بأن كل هذه الثرثرة الفارغة في أمثال هذه الدروس لا تفيد شيئاً، وأن تلك الجلسات حول دروس التفسير والحديث والمواعظ مجرد هراء وتخدير للشعب، وأنه كان على الشيخ أن يكلم الناس في السياسة، وأن يفضح الحكام، وأن يدعم الحركات الثائرة، وأن يزكِّي حركة العشرين من فبراير!

ولم ينس الرجل أن يذكر ما يتخيله في سماديره وأوهامه، من أن الشيخ غاضب منه لأنه توقف عن حضور خطبه ودروسه زمناً طويلاً، وأنه في إحدى المرات قد نظر الشيخ إليه شزراً، (وكأن الشيخ يدري بوجوده في الدنيا أصلاً)، وأنه مع ذلك سيظل ثابتاً على موقفه المعارض لغش الشيخ وتدليسه وخيانته، حتى أنه في إحدى المرات تعمد تغيير ملامح وجهه أمام الشيخ، وإصدار صوت بفمه أثناء الدرس، تعبيراً منه عن اعتراضه على بعض ما يقوله ويقرِّره.

ورحمنا الله أخيراً بانتهاء الطريق المشتركة بيننا، وتركنا الرجل يمضي لحال سبيله غفر الله له، بعد أن أغثى نفوسنا وأفسد علينا متعة الدرس وفائدته، وترك في قلبنا ظلمة وكآبة ومرارة بسبب ما وصل إليه حال هؤلاء من الانحطاط الأخلاقي المقرون بالكبر والغرور، على ما هم فيه أصلاً من الجهل والحماقة والعصبية الجاهلية.

إن لهذا الرجل أشباهاً كثراً، أعرفهم وتعرفونهم، ممن يتبعون كل ناعق ويرددون الكلام الفارغ كالببغاء، وأكثرهم ينتمي لتلك الفئة الدخيلة على المجتمع المسلم، والتي تسمى (الإسلاميون)، فهؤلاء القوم قد خلت قلوبهم من جميع معاني الدين السامية، وما عادوا يقدِّرون علماً ولا ترقُّ قلوبهم لموعظة، بل كل ما عندهم ذلك الارتباط الشديد المفرط بكل ما هو سياسي، حتى وصل التطرف بهم إلى أن يختزلوا دين الإسلام كله في بعض جزئياته وجوانبه السياسية، وهم في هذه الجزئيات والجوانب نفسها على ضلال أيضاً!

عندهم هوس مفرط بأمور الحكم والسياسة، وعيونهم معلّقة دائماً بعروش الدول وأشخاص الحكام، وكل شيء في الدين أو الدنيا يربطونه بشكل أو بآخر بالحاكم، أو بما هو سياسي بشكل عام، حتى أورثهم ذلك قساوة في قلوبهم وظلمة في نفوسهم، فما عادوا يقيِّمون الأشخاص والأحداث إلا من زاوية النظر التي تخدم أهواءهم ومطامعهم السياسية الباطلة.

وهذا الذي رويت قصته مثال حي، ومثله كثير، يحضر درساً في الحديث لأكثر من ساعتين من الزمان، لا يستفيد منه شيئاً، بل هو في طول مدة الدرس يحدِّق في الشيخ متأبطاً شراً، يتربص به، يحصي عليه ألفاظه، ويصمُّ أذنيه عن كل ما يقوله إلا ما يتربص هو به، ولا يهمه شيء من العلم الذي يعلِّمه للناس إلا ما كان له ارتباط بالسياسة، فإذا ذكر الشيخ شيئاً من ذلك ولو بشكل عارض، ولو في إطارٍ علمي موضوعي بحت، ثار الرجل وهاج، وأطلق لسانه في الشيخ سباً وشتماً وتخويناً وانتقاصاً، ويكون هذا هو غرضه ابتداءً من حضور الدرس، فهو لم يأت ليطلب العلم، ولا ليستفيد، بل جاء متربصاً بالشيخ، يريد أن يتلقف من كلامه أي شيء يدل على آرائه ومواقفه السياسية.

فالله المستعان، ونعوذ به تعالى من هذا الخذلان والضلال المبين!

وما ذكّرني بهذه الواقعة اليوم إلا ما بلغني عن هذا الرجل نفسه، من أنه لم يهدأ له بال حتى طلب لقاء الشيخ البحياوي في مسجد الإمام الشاطبي، وتم له اللقاء، واختلى الرجل بالشيخ في مقصورة المسجد، فخاطبه بلهجة شديدة قاسية، وبعنجهية وغطرسة لا مثيل لهما، إلا أن الشيخ حفظه الله أجابه بالأسلوب الذي يستحقه، وأغلظ عليه جداً، (ونادراً ما يغلظ الشيخ على أحد!) وأسمعه في نفسه قولاً بليغاً يليق بجرأته في الباطل وسوء أدبه وفساد أخلاقه.

فالحمد لله الذي عافانا من مثل هذا، وأحب أن أنبه جميع الإخوة والأخوات إلى عدم الانسياق في أمثال هذه المهاوي، وهي سبلٌ ضالة وعرة، يقف على رأسها من يطلٓق عليهم (الإسلاميون)، من أهل الأحزاب والجماعات والعصبيات الباطلة، يدعون الشباب إليها بحماسة شديدة ويستقطبونهم، يطفئون في قلوبهم نور العلم ويطمسون فيها نقاء الفطرة، ثم يحشونها بالأحقاد والتهييج، والهوس بأمور السياسة والحكم، والاستعلاء على الناس، وسوء الأدب، وقلة الاحترام للمخالفين والعلماء وأهل الفضل. وغايتهم من ذلك تشكيلهم على أمزجتهم وأهوائهم الحزبية، من أجل تجنيدهم لخدمة أجندات الحزب أو الجماعة، وتكون النتيجة أن يصير الإنسان المسلم فرداً في قطيع، أعمى، مطموس البصر والبصيرة، مسلوب العقل والإرادة، مبرمجاً على ترديد كلام يحفظه عن ظهر قلب، دون أن يعرف معناه ولا أن يبحث في أصله وهدفه وما يؤول إليه.

عافانا الله وإياكم، ونوّر قلوبنا بالعلم، ورزقنا جميعاً الفهم والأدب والأناة، وحسن الأخلاق، ومعرفة منازل الناس وأقدارهم، وألهمنا الصواب والحق في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه…

29/08/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: