عن تهمة العداء للدين ~

25/08/2014 عند 17:48 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

ثمة عبارة أراها كثيرة الانتشار عند بعض المتحمسين للدين، في وصفهم لبعض المخربين والمفسدين من المسلمين، أو من المحسوبين على الإسلام، وهي اتهامهم لهم بـ (العداء للدين)، أو وصفهم بـ (أعداء الإسلام).

وهذا الوصف يُطلق من طرفهم على بعض الكتاب والروائيين، والأدباء الفاسدين، وربما على بعض الفنانين أو الفساق أو المجاهرين بالفجور عبر وسائل الإعلام، والذين قدموا إسهامات عظيمة في نشر التفسخ والانحلال الأخلاقي في المجتمعات المسلمة.

ما أريد التنبيه إليه هو أن إطلاق هذا الوصف عليهم؛ أعداء الإسلام، إنما هو تكفير صريح، وإخراج لهم من الملة، وحكم عليهم بالردة، لأنه لا يُتصور أن يعادي الإسلام مسلم عاقل وهو عالم بما يفعل، فلا يعادي الإسلام إلا كافر! لكن إطلاق هذا الوصف المكفِّر على هؤلاء الذين سبق ذكرهم لمجرد وقوعهم في الفسق أو إسهامهم فيه، يعد مجازفة عظيمة وتهوراً في إطلاق الكلام، ومعلوم أن الفاسق ليس كافراً بالضرورة، وأن مجرد ارتكاب الذنوب مهما عظُمت، دون الشرك، لا يخرج صاحبها من الملة ما لم يستحلّٓها.

صحيح أن كثيراً من هؤلاء يخدمون مشاريع كبرى معادية للإسلام، أو تؤول نتائجها إلى نشر الفاحشة والرذيلة والإفساد في الأرض، وذلك عبر بعض الإنتاجات الإعلامية والأعمال الأدبية الروائية، أو عبر بعض الفعاليات الحزبية أو الجمعوية، لكن الغالب على الظن أنهم يفعلون ذلك عن غير وعي منهم بحقيقته، وكثير منهم ينجرفون مع هذه التيارات جهلاً، أو غفلة، أو طمعاً، أو بدافع شهوة المال أو الظهور والشهرة، أو انبهاراً منهم ببريق المدنية الغربية التي يسعون إلى الانغماس فيها وإحلالها في المجتمع المسلم، لكن مجرد هذا الانجراف منهم، ولهذه الأسباب المتعلقة بشهوات أو بشبهات، لا يكفي لرميهم بتهمة عظيمة كالعداء للإسلام، وهي تهمة مكفِّرة كما سبق، ولا ينبغي للعاقل الذي يزن ألفاظه أن يتورط فيها بدافع من حميته للدين وغضبه لله وحماسته للفضيلة.

ولا يمنع هذا، من أن يكون بعض هؤلاء المنجرفين منطوين على كثير من أمراض القلوب، أو على النفاق في الدين، نفاقاً أصغر أو أكبر، وهذا مما تظهر علاماته لكل مسلم نافذ البصيرة، وهو مما تبدو مخايله في لحن القول وفلتات الألسنة وطبيعة المواقف، لكن مع ذلك كله، لا تدفعك الحمية إلى إخراج مكنون صدرك بلا تحفظ، والتعبير عن دخيلة نفسك تجاههم بصراحة ودون مراعاة لشيء، لأننا مأمورون أن نحكم على الناس بظواهرهم، وأما مصارحتهم بما تعتقده أنت في بواطن نفوسهم فهذا رجم بالغيب، واتهام للنوايا، ولا سيما إن كان الاتهام مكفراً كهذا الذي نتحدث عنه، وهو العداء للإسلام.

وأنت لو فعلت ذلك قام المتهم بالتباكي، وممارسة المظلومية، وسيعترض على اقتحامك لما لا يعنيك، ولما لا علم لك به، وسيكون على حق! وسيغلبك بسهولة، وستنهزم أمامه في ميزان العدالة الدنيوية حتى وإن كان هو على باطل، وكنت أنت على حق.

فاكتم أيها الفاضل خواطرك، واضرب صفحاً عما تلاحظ، وتغافل ما أمكنك ذلك، وقف عند حدود الظواهر، وخاطب الناس بها، وابن آراءك فيهم على قدرها، واترك استنتاجاتك الخاصة وملاحظاتك الدقيقة لنفسك، واقبل من الناس ظاهر الإسلام، واسكت عما تراه فيهم من طوية النفاق أو الكفر، واضبط لسانك جيداً وبالغ في ذلك، ولا تتلفظ بالكلمة إلا وقد وضعتها في ميزان الذهب، ولا تعط أحداً من كلامك سلاحاً يضربك به، ولا تكفِّر أحداً بالفسق والفجور والمعصية، فضلاً عن الظن والتخمين والاستنتاج.

وإن كنت ولا بد ناصحاً أحد هؤلاء المنجرفين، أو منتقداً له، فلا تتهمه بالعداء للإسلام، بل بين له أنه، ومن حيث لا يدري، يخدم بأفعاله مشاريع كبرى دخيلة على أمتنا، وهي مشاريع معادية لثقافتنا وديننا، ونبِّهه للوازم أفعاله، ومُدّ له الخط على استقامته، واستعرض أمامه الأسباب والنتائج، وبصِّره بالتاريخ، وضعه في سياقه الذي هو فيه، ولا تتركه حتى يعرف نفسه وأين هو، وماذا يفعل، ومن يخدم، وما هي المشاريع التي تورط في خدمتها، جهلاً منه – ربما – ودون وعي بحقيقتها وخطورتها.

فهذه غاية شأنك معه، ولا تتعداها إلى اتهامه بالعداء للدين، فأنت لست متيقناً من ذلك، بل تتبع الظنون والاستنتاجات، وهي جميعاً لا تكفي لإصدار حكم بهذه الخطورة على مسلم كائناً من كان، مهما بلغ في الانحراف والفساد والإفساد…

23/08/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: