أوهام التعارض ~

28/07/2014 عند 19:30 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

عند بعض الناس ممن لم يفهموا بعد حقيقة هذا الدين خلط عجيب في بعض الموازنات، وقد أتاهم من ذلك تلبيس يوهمهم بوجود التعارض حيث لا تعارض، ومن ذلك قول القائل منهم: “الغرب صعد إلى القمر ونحن نهتم بأحكام الصلاة!”

فإضافة إلى أن أحكام الصلاة هي أهم فعلاً في ميزان الأولويات من الصعود إلى القمر، فإنه لا تعارض بين هذين الأمرين، كما لا تعارض بين أي حكم من أحكام الدين وشأن من شؤون الدنيا، ولا يلزم من اهتمامنا بأحد الجوانب – صغيراً كان أم كبيراً – أننا نرفض الجانب الآخر ونزدريه ونبخسه حقه، إلا أن هذا التلبيس الشيطاني يوهم الملبّٓس عليه بوجود تعارض ما، وهو غير موجود في الحقيقة، ثم تكون النتيجة بعد ذلك أن يُصرف عن الحق كله وأن يقبل على الباطل بكله.

وإليكم – حفظكم الله – مثالين اثنين عايشتهما على هذا اللون من ألوان التلبيس:

المثال الأول، أني كنت – منذ أكثر من ست سنوات – أحدث رجلاً زميلاً لي في العمل، وهو إنسان بسيط لا علم له ولا ثقافة، فجئنا على ذكر بعض الألبسة، فحدثني مفاخراً أن عنده بدلة ثمينة، اشتراها أو أهديت له – لا أذكر تحديداً -، وبالغ الرجل في وصف محاسن البدلة وتزيينها، وأنه بلغ من قيمتها عنده أنه لم يلبسها قط، وأنه لن يلبسها إلا في مناسبة ذات بال، ثم ذكر أن بدلته تلك مصنوعة من ثوب رفيع، وأن الثوب من الحرير!

فانتبهت لقوله وكنت صغيراً ساذجاً، فنبّهته بعفوية شبه طفولية إلى أن الحرير حرام على الرجال، فاستسخف كلامي وازدراه، وازدرى معه صغر سني آنذاك، وقال متهكماً: “حرام؟! أي حرام؟! من قال ذلك؟! الحرام هو أن تسرق وتخون وتكذب وتخدع الناس، وليس ثوب الحرير! وما علي إن لبسته أو لم ألبسه ما دمت لا أسرق ولا أكذب ولا أخون ولا أخدع أحداً؟!”

قلت: فانظر إلى هذا التلبيس، وإلى وهم التعارض هذا، والذي صوّر للرجل أن الإنسان إن اهتم بأحكام الحلال والحرام في أمور كاللباس وغيره، مما يسميها البعض بالقشور، فإنه ولا بد مهمل لأمور أخرى تسمى عندهم باللباب، ولست أدري كيف يتصورون شيئاً كهذا، أو ما دليلهم عليه، وهل يلزم لمن يذكّر بحرمة الحرير للرجال أنه يشجع على الكذب والسرقة والخيانة؟ وهل إذا لم يكذب الرجل ولم يسرق ولم يخون، أبيح له ما حرم الله ورسوله من الأطعمة والأشربة والألبسة؟

وهل هناك ما يمنع من أن يكون الكذب حراماً والسرقة والخيانة، وأن يكون الحرير والذهب للرجال حراماً أيضاً بلا تعارض بين الأمرين؟

ومثال ثانٍ، أني كنت أمشي في الشارع مرة مع صاحب لي، وهو علماني صِرف، فمررنا بجدار قديم مهترئ، وكان يستلقي عنده رجل بائس متشرد من أهل البلاء، ولم أر في حياتي من أهل البلاء من هو أسوأ حالاً منه، وليس في جلده لمعة سليمة من المرض والقذر، وليس في أطماره خرقة تشاكل أختها، أو قطعة سليمة من التمزق والأوساخ، وكان مضطجعاً يئن ويتلوّى، من الألم أو المرض، فلم نطق النظر إليه أكثر، وأشحنا عنه أبصارنا ورققنا لحاله، فقال صاحبي وهو يشير إليه: “أتنظر؟ هذا هو الحرام! هذا هو الحرام حقاً!”

وهو يريد بقوله هذا؛ أن هذه الأوضاع الاجتماعية المزرية، وجميع أسبابها التي تؤدي إليها من الظلم والإهمال والفساد وغير ذلك، هي الحرام حقاً في الإسلام، وليس تلك الأحكام الأخرى مما يتعلق بالحريات الشخصية وغيرها مما يتحدث عنه الناس عادة ويستفسرون بخصوصه ويستفتون.

قلت: وهذا تلبيس مشابه للتلبيس الأول، وهو ينطوي على صرف للأبصار عن كثير من أحكام الدين، وتعطيلها وازدرائها، والعمل بخلافها، بحجة أن الحرام حقاً هو الفساد والاستبداد والظلم والإهمال، وهذا عائد عندهم لـ (وهم التعارض) ذاك، والذي يصور لهم أن من اهتم بالسؤال عن تفصيلات فقهية بسيطة في الدين، هو بالضرورة ذاهل عن قضايا المجتمع الكبرى، وأن أحد الأمرين لا يتم إلا بنبذ الآخر، وأن المستفتي عن شيء يسير من الحلال والحرام هو بالضرورة داعم للفساد والظلم، وأن المهتم بقضايا المجتمع الملحة ينبغي أن يكون مترفعاً عن أحكام الفقه البسيطة، بل أن يكون مزدرياً ومحارباً لها، بحجة ذلك التعارض المتوهّم الذي لا وجود له إلا في أذهان المساكين من الملبّس عليهم.

فليت هؤلاء إذاً يتفكرون في الأمر، ويوسّعوا مداركهم ويفتحوا عقولهم وقلوبهم، ليدركوا أن أحكام الإسلام بشموليتها لجميع قضايا الإنسان والمجتمع لا تتعارض فيما بينها، وأن أحكام الدين صغيرها وكبيرها لا تتعارض مع شؤون الدنيا جميعاً، صغيرها وكبيرها، وأن التحذير من كبائر الذنوب لا يتنافى مع التحذير من صغائرها، وأن المذكّر بالحرام الصغير هو ليس غافلاً عن الحرام الكبير، فضلاً عن أن يكون مؤيداً له ومستحلاً!

والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل…

28/07/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: