وعن الحب أقول ~

07/06/2014 عند 17:12 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | تعليق واحد

.

سألني سائل عن الحب يوماً، فاستعصى علي الجواب، ولم أجد ما أقول.

وبعد تفكير وتأمل، فُتح على قلمي باب من البيان، عُلِّقت عليه لافتة تزينها عبارة للدكتور أحمد خالد توفيق، كانت قد وردت في إحدى رواياته: “الحب هو تلك المقطوعة الموسيقية التي يعزفها صوتان، أحدهما ناعم والآخر خشن!”

هذا الحب الذي حير الناس جميعاً على مر العصور، هو شعور فطري ينتاب الإنسان، رجلاً وامرأة، وهو شعور راق نبيل، مقدس، إحساس دافئ بالامتلاء، انسكاب الروح في الروح، ثم اشتعال الروحين معاً بالأشواق المتبادلة، وأحلام الاقتراب، وخيالات الوصل.

وهذا الحب هو من أكثر المشاعر غموضاً وغرابة، وعصياناً على الفهم، وهو بلا شك ضرب من (الغيبوبة العقلية)، غشاوة غامضة توضع على عين المحب وعقله، ويكون راضياً بها تماماً، مع علمه بوجودها، ولا يرى أنها تنقصه شيئاً من كرامته ومروءته، بل ربما رآها عينَ كرامته ومروءته!

الحب أن يستمد المحب وجوده وسعادته من وجود محبوبه وسعادته، الحب أن تختل جميع تلك المقاييس العقلية والمادية، الجامدة الكئيبة، وأن لا يرى المحب جميلاً في الناس غير محبوبه.

الحب أن تُضرب جميع أساليب المقارنات عرض الحائط، مقارنات الجمال والمال والجاه والنسب، وأن لا يطلب المحب من الدنيا أكثر من ساعة يكون فيها قرب محبوبه، فإذا كانت له تلك الساعة لم يجد في الدنيا بأسرها أسعد منه ولا أكثر فرحاً وغبطة.

الحب أن يستغرب منك الناس، وأن لا تبالي أنت بذلك!

الحب أن تتطرَّف!

الحب – كما قيل – أن تكتفي بالمحبوب ولا تكتفي منه.

الحب أن تحمي محبوبك من نفسك، وأن تخاف عليه منك.

الحب أن تطمئن له، ويطمئن لها، اطمئنان الجسد إلى سريره والرأس إلى وسادته.

* * *

ولما كانت الغاية من هذا الحب، من ذلك الخيط الأحمر الذي يربط بين قلبين، هو إقامة عقد زواج بين المحبين، يكون بداية رحلة لهما معاً نحو الجنة، بغية الخلود فيها تحت ظلال رضا الرحمن، فإن ثمة سؤالاً هو أكثر أهمية وعمقاً من ذلك السؤال الشائع، والذي لا أخفي تحفظي الشديد عليه: “هل الحب قبل الزواج أم بعده؟”

بل إن السؤال هو: هل يستمر الحب بعد الزواج أم لا؟ وكيف ذلك؟

إن براكين الحب التي تشتعل في القلوب وتثور، وتقذف بحمم الأشواق، إنما هي متكونة من مادة الأشواق نفسها، فإذا ما تم الأمر ووقع الوصال، صارت براكين الأشواق إلى خمود، وهنا امتحان الحب الأعظم، هل يستمر رغم ذلك أم ينقطع؟

إن الزواج ليس هو بداية الحب، ولا نهايته، بل هو اختباره ومحنته، الزواج هو الأتون المضطرم الذي تُصهر فيه قلوب المحبين، ثم تُنفى عنها خبائث المادة كلها، ويُكشف عن حقيقة معدنها وما تنطوي عليه، وهل كان ما كان حباً حقاً، أم أنه محض أشواق عارضة زائفة، انتهت بتمام الوصال، ثم لم يُكشف حجابها عن شيء إلا الفراغ والخيبة.

وحب الشباب مهما بدا مشتعلاً مضطرماً، إلا أنه يظل دعوى تفتقر إلى الدليل، ولا يقوم الدليل عليها إلا بعد أن يتم الزواج، ويطول عليه الأمد، وتخمد براكين الأشواق، ويحصل تمام الوصل ودوامه، ويُصهر القلبان بذلك الأتون صهراً، ثم يُنظر إلى ما صارت إليه الأمور، وما أسفرت عنه نتيجة امتحان الحياة.

ولا يُتصور – مع ذلك – أن على الحب بعد الزواج أن يستمر على نفس ما كان عليه قبله، أو في بداياته، من تلك الأشواق المتفجرة والحمم المتطايرة، فكل ذلك مؤقت وإن تجدد بين فترة وأخرى، أو عقب بعض تلك الخصومات الصحية التي لا مفر منها، بل هو ذلك الدفء المستمر المتواصل الذي لا ينتهي، والذي لا يزيده تعاقب السنين إلا ثباتاً ورسوخاً، ولا ينال الزمن منه شيئاً إلا أن يمعن في إثباته والدلالة عليه.

إنها تلك العِشرة الطيبة، ذلك الاطمئنان التام، ذلك التقديس للعهد المتبادل.

تلك الثقة التي تجري مجرى الدماء.

ذلك الحنان، ذلك العطف…

تلك المودة، تلك الرحمة…

ذلك الحنو.

تلك الابتسامة العاكسة لما في الروح من جمال وطهر.

ذلك التجرد – كل التجرد – من الأغراض والأطماع.

بهذا يُعرف الحب ويُمتحن، وليس لكل أحد أن يدعيه مهما سال مداده بحروفه وتغنى بأغانيه، بل إن هذا الحب هو شرف عظيم لا تحظى به إلا النفوس الراقية والأرواح الشفيفة، ومن لم يكن راقي النفس شفيف الروح، فليس من الحب في شيء وليس الحب منه في شيء، وإن ادعاه وتمثله، بل مهما ادعاه وتمثله.

الحب ثمرة طيبة لا تمنح نفسها إلا لمن يستحقها عن جدارة، وهو سر من أعظم أسرار هذا الكون، والنسخ المزيفة منه كثيرة جداً، مبثوثة بلا حدود في القصائد والروايات والأغاني والتمثيليات، وجميع هذا لا ينطلي على من عرف هذا الشعور حق المعرفة، وقدره حق قدره…

07/06/2014

Advertisements

تعليق واحد »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. قام بإعادة تدوين هذه على مدونتي hakem.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: