أفكار لا أشخاص ~

24/05/2014 عند 14:12 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

أيها الكاتب الفاضل:

اكتب الفكرة ودع عنك الشخص، فالشخص فانٍ والفكرة باقية، وإن كنت ولا بد فاعلاً فبقدر ما تتمثل الفكرة في الشخص، أو يتمثل الشخص في الفكرة، ولا تزد عن ذلك قيد أنملة.

إن مناقشتك للأفكار تجعل لكتابتك عمراً طويلاً، فتعيش بقدر ما تعيش الفكرة، وعمر الأفكار طويل، وأما مناقشة الأشخاص فكلام يولد ميتاً، وإن عاش فلعدة أيام ثم ينتهي، شأنه شأن تلك المقالات الصحفية التي تقتات من عيوب الناس، فانظر ما أكثرها عدداً، وهي مع ذلك كالأجنة الساقطة، تنتهي إلى الأركان المغبرة، ثم إلى صناديق القمامة، ثم إلى مزبلة التاريخ…

وأما نقاش الأفكار فهو دائم مستمر، وربما يكتب الكاتب متحدثاً عن فكرة واصفاً لها ولآثارها، فيمر الزمان وتنزل الخطوب وتقع الأحداث، ويرجع من يرجع لكتابته ربما بعد عشر سنوات، أو عشرين، أو أكثر من ذلك، فيجد أولئك المندهشون أن حديث الكاتب قد تحقق حرفياً، وكان الأمر كما وصفه، فيقولون هو عبقري، أو ذو قدرة خارقة على توقع المستقبل، ويطيّرون ذلك في الآفاق، ويقولون (قالها فلان منذ عشرين عاماً)، وينادون (نبوءة فلان تتحقق)، ويصرخون (فلان يتحدث عن الأحداث الأخيرة منذ عشرين عاماً وكأنه يعيش معنا الآن)، والحق أن الكاتب ما هو بعبقري ولا منجم، ولا راجم بالغيب، ولا يملك قدرات خارقة للطبيعة، لكن الأمر وما فيه أنه وُفِّق لفهم جوانب من طبيعة هذه النفس الإنسانية، واستطاع أن يكتب متحدثاً عن الفكرة المجردة من هياكل الأشخاص، ثم يموت الأشخاص ويأتي آخرون، ويتلبس بعضهم بالفكرة كما تلبس بها من كان قبلهم، وللأفكار آليات ثابتة تعمل بمقتضاها، كالمحركات تماماً، وكل فكرة هي محرك لمن يعتنقها، ومن فهم طبيعة الفكرة وآلية عملها، وكيف تحرك من يتلبس بها، لم يصعب عليه أن يمتلك تصوراً شاملاً لتلك الخريطة الفكرية، وبالتالي يصير قادراً على توقع ما سيقوله فلان وما سيفعله، وما سيقوله أي معتنق للفكرة وما سيفعله، في أي زمان ومكان.

يموت الأشخاص ويولد آخرون، ويتطور شكل الحياة وتتغير معالمها الظاهرة، لكن النفس الإنسانية تظل هي هي، لا تتغير، وتظل تلك الأفكار محركات لها، بآليات وبرامج ثابتة لا تتبدل، فافهم الفكرة جيداً وتأمل كيف تحرك صاحبها، فالعبرة فيها وليست في بنيات الطريق وسفساف الأمور، واعلم أنك بهذا فقط تتعلم، وبه تكون على طريق صحيح لفهم ما يحيط بك في هذا العالم الغامض الذي تمضي فيه جميعاً أعمارنا.

ومن اللطائف المتعلقة بهذا الشأن، ما يحدث أحياناً في موقع التواصل الاجتماعي، فأنت قد تكتب متحدثاً عن فكرة منتقداً لها، وتتحرى في كلامك تلك الأفكار التي لا ينبغي أن يختلف على رفضها اثنان من المسلمين، وتتجنب ما وسعك ذلك ذكر أسماء الأشخاص أو الجماعات أو التنظيمات، وتكتفي بالحديث عن الفكرة المجردة فقط، ثم تتفاجأ بأناس غاضبين يظهرون عندك في التعليقات دون سابق إنذار، يسبون ويشتمون، ويحتقرون ويتهمون، يخاطبونك وكأنك قصدتهم هم بأعيانهم، وأنت ما قصدتهم، ولا ذكرت أسماءهم ولا أسماء مذاهبهم، ولا نويت ذلك، ولا خطروا ببالك أصلاً، لكنك انتقدت الفكرة الفاسدة فجاء أصحابها يفضحون أنفسهم! ويكفونك مؤونة اكتشافهم، وهم بذلك موسوسون مفتونون، يصدق فيهم قول القائل (يكاد المريب يقول خذوني).

إنك بحديثك عن الفكرة الفاسدة المجردة كمن يقصف معسكر الخصم قصفاً عشوائياً غير متقصد لأحد بعينه، دون أن يعرف من يوجد فيه، ثم إنك تصيب بقصفك العشوائي بعض القوم فيخرجون من معسكرهم، يتحسسون مواطن الإصابة ويصرخون ألماً، في تعليقاتهم تلك التي يكتبونها، والصراخ على قدر الألم كما قد قال السابقون.

إن أصدق وصف ينطبق على هؤلاء، هو كلمة عامية يقولونها في بعض بلدان المشرق، أنقلها لكم معرَّبة فأقول: “من على رأسه بطحة فهو يتحسسها!” فما أكثر هؤلاء المتحسسين لبطحاتهم، وما أقل عقولهم، يفضحون أنفسهم وأنت تود لو تسترهم! تنقض الفكرة الفاسدة فساداً واضحاً لا يختلف عليه اثنان، فيأتيك شخص يتحسس بطحته، ويخاصمك ويشتمك ثم يذهب، ويتركك تتساءل مستغرباً وتقول في نفسك: سبحان الله، عن أي شيء كان يدافع هذا!

فالله المستعان، نسأله تعالى لنا ولهم ولجميع المسلمين الهداية للحق والثبات عليه، إنه سميع مجيب الدعوات…

23/05/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: