دقائق ورقائق ~

05/04/2014 عند 17:36 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

في كل مرة أقف فيها على جانب من جوانب الصراع الفكري بين توجهين إسلاميين كبيرين، أجدني متمثلاً لذلك الصراع الشهير بين العقل والقلب، بين المنطق والعاطفة.

ولما كانت المصطلحات والأسماء والنعوت أكثر من أن تحصى، فإني اخترت أن أعبر عن هذين التوجهين الكبيرين بمصطلحين فضفاضين معروفين، أستعيرهما بشكل رمزي – ورمزي فقط – في هذا المقام، هما (السلفية)، و(الصوفية).

ولست أعني بالسلفية ما قد تفهمون، كما أن الصوفية التي أتحدث عنها هي ليست ما تذهبون إليه، لكنها اصطلاحات رمزية اخترتها هذه المرة تجاوزاً، وأرجو ألا يتم حملها على غير محملها، وما اخترتها إلا لأني وجدتها الأكثر تمثيلية للفكرة المطلقة، والأكثر قرباً إلى أذهان الناس، دون الدخول في أية تفصيلات مذهبية أو فقهية.

عندما نتحدث عن معنى (السلفية)، فإن تفكيرنا يذهب تلقائياً نحو (الدقائق)، نحو التأصيلات العلمية الصارمة، وعندما نتحدث عن (الصوفية)، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو (الرقائق)، بمعنى المواجيد والأشواق وما يلهب العواطف الإسلامية عموماً.

وبهذا فإن مجمل الصراع بين هذين التوجهين قائم على الفرق بين ما هو (عقلي) وما هو (عاطفي)، ويمكننا القول بأن الاتجاه السلفي يمثل المنحى (العقلي) للإسلام، وأما الاتجاه الصوفي فهو يمثل المنحى (العاطفي).

بكلمة أخرى، إن جاز التعبير: السلفية عقل الإسلام والصوفية قلبه!

وعليه فإن من الطبيعي أن يجد الإنسان العقلاني في نفسه ميلاً نحو ما هو (سلفي)، وأما الإنسان العاطفي فهو بطبيعته أكثر ميلاً نحو ما هو (صوفي).

ومعظم الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، السلفية والصوفية، إنما هي إسقاطات حية للاتهامات التي يتبادلها العقلانيون والعاطفيون.

تقوم السلفية بحراسة حدود الدين، هناك على تلك الحدود العقائدية، يقف السلفيون جنوداً صارمين مدججين بالأسلحة النصوصية والمنطقية، يخوضون المعارك الطاحنة ويحافظون على الوحدة، ويكشفون الجواسيس ببراعة، ويقصفون القوات المعادية.

لقد قامت الجهود (السلفية) أحسن قيام بأعمال تفسير القرآن الكريم، وتمحيص الحديث النبوي الشريف، ووضعت القواعد العلمية الصارمة في فهم النصوص الشرعية بناءً على معاني الكلمات في اللغة العربية الفصحى، وأيضاً في مسائل الجرح والتعديل وعلوم الرواة، ونتج عن هذه (الصرامة العقلية القاسية) تمحيص شديد للروايات والأخبار والأحاديث، انتهى إلى تنقية الإسلام من الشوائب الدخيلة والجراثيم المؤذية، وما أراد أن يدسه فيه أعداؤه من الأكاذيب والأراجيف والافتراءات والأحاديث الموضوعة.

وينسحب هذا على مسائل العقيدة والفقه والعبادات، وقد كانت هناك جهود (سلفية)، بمعنى (جهود عقلية علمية صارمة وقاسية) في الحفاظ على التوحيد ومكافحة مظاهر الشرك والابتداع في الدين والعبادات، ولولا تلك الجهود العظيمة، رغم صرامتها وقسوتها، لضاعت العقيدة وضاع الدين وشُوِّهت العبادات.

وأما التوجه (الصوفي) فهو توجه عاطفي يتدفق بالمشاعر الجياشة، والصوفية لا تفتأ تحدثنا بصوت مرتعش وعيون دامعة عن المحبة والوجد، والشوق والوله، والخواطر الحرة المحلقة في سماء التفكر والهيام، لهذا ظهرت في الساحة الصوفية القصائد الغرامية والأناشيد الدينية، والأمداح النبوية والعروض الفنية، وأسهب أهل التصوف في الحديث عن الأحوال والمقامات، والرؤى والمشاهدات، ومظاهر الارتقاء في معراج السلوك إلى الله تعالى.

وبتأمل عموم الاتهامات المتبادلة بين التوجهين، نجد أن السلفية تتهم الصوفية بأنها متهورة عاطفية لا عقل لها، تنجر وراء دافع المشاعر دون تحقق ولا بينة، ودون منهج علمي شرعي يرسم لها الطريق الصحيح.

وأما الصوفية فتتهم السلفية بأنها جامدة قاسية، عديمة الإحساس والمشاعر، صلبة ترفض الملاينة والمرونة، وتشكك أحياناً في أنها تحمل في قلبها أي عاطفة أو حب لهذا الدين.

وهذا كما نستطيع أن نرى عين الجدال الواقع بين العقل والقلب، بين المنطق والعاطفة، بين المادة والروح، بين الرجل والمرأة.

السلفية عقل والصوفية قلب.

السلفية منطق والصوفية عاطفة.

السلفية مادة والصوفية روح.

السلفية صناعة والصوفية فن.

السلفية سدٌّ منيع والصوفية نهر جارٍ.

السلفية رجل والصوفية امرأة!

يهيج القلب بأهوائه وتندفع العاطفة المتطرفة بطبيعتها، فيأتي العقل ليصحح المسار ويضع القيود ويراعي المصلحة ويدفع المفسدة، فتغضب منه العاطفة وترميه بالجمود والتحجر وقساوة القلب، لكنها في نهاية الأمر تدرك أن العقل إنما كان يفكر لمصلحتها، وينقلها من التطرف والاندفاع إلى الاعتدال والرصانة.

وتفكر المرأة بعاطفتها وتحكِّم قلبها، فتوشك أن تتخذ من القرارات وتأتي من الأقوال والأفعال ما يضر بها إضراراً شديداً، لولا أن الرجل يتدخل بعقلانيته وتحليلاته المنطقية، والتي تبدو للمرأة قساوة وجفاءً وانعدام إحساس، فتغضب منه لذلك وتصرخ في وجهه، وهو بدوره يغضب منها لأنها عاطفية مندفعة لا تقدر الأمور بأقدارها الصحيحة، ولا تضع في حسبانها مآلات الأمور وما يترتب عنها من نتائج وعواقب، ثم يتبين في النهاية أن الصواب إنما كان مع الرجل، مع العقل، وتكتشف المرأة بعد أن تهدأ فورتها بأن عقلانية الرجل كانت أفضل خدمةً لمشاعرها الدفاقة من اندفاعها العاطفي المتهور.

وتهيم الصوفية على وجهها في مواجيدها وأشواقها وأحوالها، فيحدث الغلو في العقائد والعبادات والأقوال والأفعال والأشخاص، وتأتي السلفية لتصحح المسار، فتقول هذا توحيد وهذا شرك، هذه سنة وهذه بدعة، هذا حديث صحيح وهذا حديث ضعيف، هذا قول مأثور وهذا ذكر مبتدع، هذا اعتدال وهذا غلو، فتغضب منها الصوفية وتضيق ذرعاً بها، وترميها بالجمود والقساوة والتحجر، وبأنه لا قلب لها، وأنه إن كان لها قلب فهو خالٍ من الحب عاطلٌ عن الشعور، وتغضب السلفية بدورها من الصوفية، وتؤكد على أن الدليل على دعوى المحبة هو الاتباع الدقيق، وأن الصوفية إنما تخبط خبط عشواء هائمة على وجهها، تمضي تائهة في طرق الضلال دون دليل يرشدها من الشريعة القائمة بالمنقولات المعقولة.

إن تصور الحل لمشكلة الفصام بين دقائق الإسلام ورقائقه، بين عقله وقلبه، بين تحقيقاته العلمية وخواطره الروحية، بين سلفيته وصوفيته، ينبغي أن يكون مبنياً على تصورنا لحل إشكالية العقل والقلب، وكيف ينبغي التعامل مع هذين العنصرين، وهل هما متضادان أم متكاملان؟ وإذا حصل وتعارضا، وظهر بينهما التناقض، فإلى أيهما نلجأ؟ إلى العقل أم إلى القلب؟ إلى المنطق أم إلى العاطفة؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: “ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون.”

وجاء في الحديث: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به.”

فالأصل في الأمور هو اتباع الشريعة، بمعنى تحكيم العقل على القلب، بحيث يصير القلب تابعاً للعقل نازلاً عند أمره، ويكون العقل تابعاً للشرع لا يحيد عنه، وإلا لم يعد عقلاً واستحال إلى أقبح الهوى، ثم إن المصالح لا تتحقق والمفاسد لا تُدفع إلا بالتفكير العاقل الحكيم، الذي يضبط انفعال القلب وهيجان العاطفة، ليقتنع القلب في نهاية الأمر بأن العقل كان على حق.

ثم بالنظر إلى ما تقتضيه الشريعة الإسلامية من وجوب طاعة المرأة لزوجها، في حين أنه لا طاعة لها عليه، فإننا نشاهد تجسيداً ملائماً لهذا المعنى، على اعتبار أن المرأة تجسد العاطفة والرجل يجسد العقل، فالمرأة إذاً يجب أن تطيع الرجل وليس العكس.

المرأة يجب أن تطيع الرجل.

العاطفة يجب أن تطيع العقل.

الرقائق يجب أن تحلق في فلك الدقائق.

الأفعال يجب أن تُضبط بميزان الشريعة.

الأحوال القلبية تُضبط بميزان الاعتدال العقلي.

الصوفية يجب أن تطيع السلفية!

05/04/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: