خدعة اللحى الطويلة ~

29/03/2014 عند 17:44 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

li7a

.

في حدثٍ فريدٍ من نوعه، ربما يصل في أهميته الرمزية إلى أن يكون مستحقاً لوصفه بـ (الحدث التاريخي)، وقف الشيخ محمدٌ الفزازي بلحيته الطويلة المشهورة، خطيباً للجمعة أمام ملك المغرب محمدٍ السادس، في مسجد طارق بن زياد بمدينة طنجة.

وقد كثرت تعليقات المعلقين حول هذا الحدث الفريد، والذي لم يكن أحدٌ ليتوقع حصوله قبل خروج الشيخ الفزازي من سجن طنجة، بعد أن أمضى فيه ثماني سنوات تقريباً على خلفية أحداث التفجير الإرهابي التي وقعت في مدينة الدار البيضاء عام 2003.

وكان الشيخ محمدٌ الفزازي قد سُجن متهماً بتنظيره لما يسمى بـ (السلفية الجهادية)، وهي الحركة التي نُسبت إليها تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية، وقد كان الناس قديماً يعرفون الشيخ المتميز بلحيته الطويلة جداً، والتي دخل بها إلى السجن وكانت سوداء فاحمة، ثم أُطلق سراحه بعفوٍ ملكيٍّ وقد تحول لونها إلى الرمادي بعد أن تغلغل فيها الشيب.

ومعروفٌ أن الشيخ قد خرج من السجن إنساناً آخر غير ذاك الذي دخل إليه، وصار رقماً مهماً أضيف إلى قائمة أصحاب ما يسمى بـ (المراجعات)، والتي تكثر كما هو معلومٌ في أولئك الخارجين من السجن بعد أن دخلوه بتهمة الإرهاب، غير أن الأمر الثابت الذي لم يتغير في الشيخ الفزازي، قبل السجن وبعده؛ هو تلك اللحية الطويلة المميزة، التي حبَّبته في أناسٍ وبغَّضته في آخرين.

فهل اللحية السوداء للفزازي (التكفيري) سابقاً، تلك الطويلة جداً، هي نفسها لحية فزازيِّ اليوم الذي يخطب الجمعة أمام الملك؟ وهي أيضاً طويلة جداً كسابقتها؟!

إن إلقاء نظرةٍ على الرأي العام بخصوص هذا الموضوع، وعلى انفعالات الناس وتعليقاتهم العفوية، بل وعلى عددٍ من المقالات التي تُكتب وتُنشر على شبكة الإنترنت، يشير إلى وجود خلطٍ رهيبٍ في المفاهيم، وخللٍ عظيمٍ في الرؤية، وضحالةٍ شديدةٍ في تصور الخارطة الفكرية الإسلامية، ويتجلى كل هذا في الركون إلى بعض القوالب الفكرية الجاهزة، أو ما يسمى بـ (الأصنام الفكرية)، والتي تربط كل لحيةٍ طويلةٍ بمسمى السلفية، ثم تربط مسمى السلفية بإطلاقٍ إلى التكفير والتفجير، وربما تتوسع مدارك بعض أنصاف المثقفين وأرباعهم من الحزبيين، فيقولون بأن أصحاب اللحى الطويلة هم متطرفون غلاةٌ لا محالة؛ إما تكفيريون تفجيريون، أو عبيدٌ يحملون مباخر السلطان ويسبِّحون بحمده.

ومثل هذه المغالطات، والأصنام الفكرية والقوالب الجامدة، لا نجدها فقط عند عموم الناس من غير المهتمين بالشأن الفكري، بل إننا نجدها، ويا للغرابة، حتى عند بعض أتباع الحركات الإسلامية المختلفة، بل حتى عند بعض أصحاب المناصب المرموقة فيها.

ولقد رأيتُ واحداً من الحركيين الحزبيين، بل من قدمائهم وله في الحركة منصبٌ لا بأس به، رأيته يؤسس أحكامه وتصنيفاته على الإسلاميين بناءً على طول لحاهم! فكل من كان طويل اللحية محلوق الشارب أو مقصوصه، هو عنده (سلفيٌّ وهابي)، وكل سلفيٍّ وهابيٍّ بالنسبة له يعتنق بالضرورة فكر حزب النور المصري، وعلى هذا الأساس يصنف الناس جميعاً من أصحاب اللحى الطويلة، وكلما رأى إنساناً طويل اللحية محلوق الشارب، وإن كان لا يعرفه ولم يره من قبل، نسبه تلقائياً إلى حزب النور، وشتمه بهذه الجريرة شتماً شديداً!

ومن تجليات هذا (البرنامج الدماغي) عند هؤلاء، أنهم وإلى جانب اشمئزازهم غير المبرر، وإصدارهم الأحكام التعسفية السطحية على كل من له لحيةٌ طويلة، فإنهم في المقابل يحسنون الظن بأناسٍ آخرين ويبذلون لهم ألوان الثناء والمديح، بناءً على أشكال لحاهم أيضاً، وأعني هنا من كانت له لحيةٌ قصيرةٌ مقصوصةٌ مشذَّبة، وكان يلبس البدلات العصرية وربطة العنق، وحبذا لو كان يستمع إلى الموسيقى ويباشر مستجدات العصر من الفنون المختلفة، فمن كانت هذه صفاته، يصير عنده إسلامياً متفتحاً، معتدلاً وسطياً، يعتز بدينه وإسلامه دون غلوٍّ ولا تشدد، فلا يحلق لحيته حلقاً تاماً، وهو في نفس الوقت لا يتركها تطول، بل يقصُّها بشكلٍ (وسطيٍّ معتدل)، مبتغياً بذلك سبيلاً بين الانفلات العلماني الحالق للحيته، والتشدد السلفي التارك لها تكبر وتطول.

وتأسيساً على هذه التصورات سالفة الذكر، يقوم البعض بتصنيف الناس في خاناتٍ مختلفةٍ بحسب طول لحاهم، غير أن هذه (القوالب الفكرية) قد عرفت اهتزازاً وارتباكاً شديدين في السنوات الأخيرة، وتحديداً بسبب تداعيات ما يسمى بالربيع العربي، إذ طفت على السطح معايير أخرى لتصنيف المنتسبين إلى الالتزام الإسلامي، هي أكثر نضجاً وأقل سطحيةً من مجرد الاستناد على (طول اللحية)، بل لقد صارت أسئلة (الموقف من الثورة)، وأيضاً (الموقف من الحكام والحكومات القائمة)، أسئلةً محوريةً للتقييم والتصنيف، عليها يُعقد الولاء والبراء، وبناءً على أجوبتها تُمنح ألقاب التعديل أو التجريح، والتشريف أو التخوين.

غير أن هذا الزخم الفكري المتصاعد لم يمنع بقاء صنم (اللحية الطويلة) ماثلاً في أذهان بعض الذين صارت تتقاذفهم الحيرة وتتلاعب بهم الأسئلة الملتبسة، وجميعها تتمحور حول رمزية (اللحية الطويلة) وموقعها من الإعراب، هل اللحية الطويلة تدل على التكفير والتفجير والعنف؟ أم أنها تدل على المسالمة والمداهنة والركوع للسلاطين؟

وما موقع لحية الشيخ الفزازي من الإعراب؟

إن من المفارقات العجيبة أن نجد من يعتقد بأن الشيخ كان دائماً (سلفياً وهابياً)، أعني قبل دخوله إلى السجن، وربما كانت (لحيته الطويلة) هي السبب الذي ألصق به هذا التصنيف في أذهان البعض، لكن ما غفل عنه أولئك الذين وقعوا في هذه المغالطة الكبيرة الفادحة؛ هو أن الشيخ قبل سجنه كان على النقيض تماماً من التوجه السلفي المنسوب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل إنه كان يكفِّر أكبر رموز هذا التوجه من علماء المملكة العربية السعودية، كالشيخ ابن بازٍ وابن العثيمين وغيرهما، ثم إنه قد أعلن رجوعه وتوبته عن تكفير الشيخين بعد خروجه من السجن.

كما أن الشيخ الفزازي بمقتضى اعتناقه السابق للفكر التكفيري، كان يكفِّر حكام البلدان الإسلامية الحالية، كما هو حال جميع أتباع التيارات التي تسمي نفسها جهادية، ونُسبت له في ذلك مقولةٌ هي: “من وقَّعوا وقَعوا”، بمعنى: من وقَّعوا على المعاهدات الدولية وقَعوا في الكفر. لكننا نراه اليوم يخطب الجمعة أمام ملك المغرب، ويشهد له بإمارة المؤمنين، ويتبرأ تماماً من ماضيه التكفيري، بل وينكر وجود الجماعات التكفيرية في المغرب أصلاً، كما جاء في تصريحه الصادم في مقابلةٍ تلفزيةٍ أجريت معه على قناة France 24.

كل هذا، واللحية الطويلة هي نفسها لم تتغير، بل إن من المفارقة العجيبة أن بعض أصحاب (الثورة الإسلامية السلمية) من المعتنقين لأفكار (الوسطية والاعتدال)، وجلُّهم يرجع لأصولٍ إخوانية، يحملون على الشيخ الفزازي حملاً شديداً بسبب (تطرفه وتكفيريته)، وينسبونه عنوةً إلى مسمى (السلفية) من أجل تشويهه وضربه إعلامياً، ولو بحث هؤلاء لوجدوا أن الفزازي بتطرفه السابق ذاك إنما كان من ذوي قرابتهم هم، وأنه كان أقرب إلى أفكارهم وتصوراتهم من السلفيين الذين ينسبونه إليهم، رغم تشابهه الظاهر معهم في (اللحية الطوية) تلك.

وأذكر أيضاً، من تجليات ظاهرة (التصنيف بناءً على طول اللحية)، أن بعض الحزبيين هنا في بلاد المغرب، يعتمدون على هذا المنهج في التصنيف عند تعليقهم على الأحداث السياسية في البلدان الأخرى، كمصر وسوريا وغيرهما، فهُم وبشكلٍ تلقائيٍّ تماماً، دون أن يشعروا بذلك، يطلقون على صاحب اللحية الطويلة اسم (السلفي) أو (المتشدد)، وعلى صاحب اللحية المقصوصة اسم (الإخواني) أو (المعتدل).

ولقد سمعتُ بعضهم يصف رمزاً سياسياً صاحب لحيةٍ طويلةٍ في مصر بأنه (سلفيٌّ شريف)، بسبب مواقفه السياسية الداعمة للرئيس الإخواني السابق، وبعد البحث تبين لي أن صاحب اللحية الطويلة ذاك إنما هو إخوانيٌّ في الحقيقة وليس سلفياً! لكنها (خدعة اللحى الطويلة)، تلك التي بلبلت أفكار الناس وجعلتهم في حيرةٍ من أموهم، وأوقعتهم في مآزق ومتاهاتٍ من المصطلحات والتصنيفات التي ترسَّبت في الأذهان بعد سنواتٍ طويلةٍ من القولبة الفكرية المنظمة.

إن من الأمور المهمة التي ينبغي أن يلتفت إليها جميع المهتمين بفهم الخارطة الفكرية الإسلامية؛ التحرر من خدعة (اللحية الطويلة) تلك، وإقصاؤها من الاعتبار فيما يخص إصدار التصنيفات والآراء والمسميات على الأشخاص، ذلك أن الخارطة الفكرية الإسلامية هي أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن يتم اختزالها في مسألة (طول اللحى)، وأنه بعد البحث سيتبين لنا أن اللحى الطويلة، والوجوه الرجالية الحليقة على حدٍّ سواء، موجودةٌ في كافة التيارات الإسلامية المختلفة والمتناقضة، بل والمتصارعة فيما بينها على كافة الأصعدة والمستويات.

ويبقى الختام بإشارةٍ عابرةٍ سريعةٍ إلى بعض أبرز الأطياف التي تشكِّل التوجهات الإسلامية الكبرى في وقتنا المعاصر، والتي تستحق من جميع المهتمين بحثاً معمقاً من أجل تشكيل صورةٍ أوضح وفهمٍ أعمق لحقائق الأوضاع القائمة ومآلاتها.

هناك من هذه الأطياف الفكرية التيار الإخواني، نسبةً إلى جماعة الإخوان المسلمين، وله خصائص ومميزاتٌ تتلخص في كونه تياراً حركياً حزبياً، تجميعياً تغلغلياً غير متعجل، طويل الأمد جداً، متماهياً مع العواصف السياسية، ومحتكاً بالأساليب العصرية الديمقراطية لتحقيق مبتغاه في الوصول إلى السلطة والحكم.

وهناك التيار القطبي، نسبةً إلى سيد قطب، وهو نابعٌ من التيار الإخواني ومتفرعٌ عنه، ويعرف الآن في أيامنا هذه توسعاً وانتشاراً، ومنه انبثقت الحركات التكفيرية والخارجية المتطرفة، فهو تيارٌ يقوم على الاعتقاد بكفر الحكومات القائمة، وضرورة المواجهة معها بواسطة التفجيرات والاغتيالات والأعمال العنيفة والثورة المسلحة.

وهناك ما يعرف بالتيار السروري، نسبةً إلى محمد بن سرور زين العابدين، وربما سمي بالتيار الصحوي، وهو التيار الذي يمثل تزاوجاً عجيباً بين السلفية متمثلةً في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبين القطبية متمثلةً في دعوة سيد قطب. وقد كان لهذا التيار نشاطٌ في المملكة السعودية على خلفية بعض الأحداث السياسية التي تسببت في انقسامٍ فقهيٍّ حاد، وهو يجمع بين التشديد السلفي في مسائل التوحيد وأحكام الفقه، وبين الحركية القطبية متمثلةً في نظرية الحاكمية، وهي قائمةٌ على الاعتقاد بحتمية المصادمة مع الحكومات القائمة التي يعتقد بكفرها وردَّتها عن الإسلام ووجوب جهادها.

وعلى النقيض من هذه التيارات الحركية سالفة الذكر، هناك ما يسمى بالسلفية المدخلية، نسبةً إلى الشيخ ربيعٍ المدخلي، أو السلفية الجامية، نسبةً إلى الشيخ محمد بن أمانٍ الجامي. ويميل أتباع هذا التيار، وهو منسوبٌ لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، لمصادمة التوجهات الحركية الإخوانية والقطبية السالف ذكرها، بسبب ما يعتقدونه من مخالفتها لمناهج الأصوليين وأهل الحديث في الموقف من الحكام الظلمة، وما يدعون إليه من عدم الخروج على الحكام بأي شكلٍ من أشكال الخروج، بالسيف أو الكلمة.

وبين هذا التيار وسابقيه تناقضٌ تامٌّ وانكسارٌ هائل، وحروبٌ ضاريةٌ من التبديع والتخوين، لا تخفى على مطَّلع، وذلك بين رموز التيارات من شيوخٍ وقادةٍ وبين العوام المنتسبين إليها على حدٍّ سواء.

ولجميع هذه الأطياف خصائص ومميزات، يُعرف بها أتباعها والمنتسبون إليها، سواءٌ أكان انتساباً حقيقياً تنظيمياً أو بالولاء والتعاطف، كما أن لهم كلماتٍ وعباراتٍ تتكرر في ألسنتهم، يعرِّفون ببعضها أنفسهم، ويصفون ببعضها الآخر غيرهم بحسب مواقفهم منهم.

ويبقى الأمر الثابت والمتكرر أن (اللحى الطويلة) موجودةٌ في كافة هذه التيارات بلا استثناء، وكذلك اللحى المقصوصة والوجوه الحليقة موجودةٌ فيها جميعاً.

وبهذا، يكون من السذاجة المفرطة والسطحية البالغة التي ينبغي تجاوزها، أن نجعل من شكل اللحية وطولها عاملاً من عوامل التصنيف للناس وإصدار الأحكام والألقاب والمسميات عليهم، لا سيما وأننا نعيش الآن في زمنٍ صار الجميع فيه يطيلون لحاهم، دون أن يكون لذلك ارتباطٌ حقيقيٌّ بحقيقة الولاء أو الانتماء المذهبي. فالعبرة إذاً بفحوى الانتماءات الفكرية وحقيقتها التي لا تُعرف إلا بالبحث والاستقصاء المتعمق والمتأني، وأما اللحى الطويلة فهي في الواقع مظهرٌ خادع، وفي غالب الأحيان يكون غير ذي دلالةٍ على المحتوى والمضمون.

29/03/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: