مزالق وآفات حزبية ~

28/02/2014 عند 21:22 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

قديماً كنت أقول، ومازلت أؤكد، أن الانتماءات الحزبية بشتى أنواعها، دينية أو دنيوية، إسلامية أو علمانية، هي أشبه بنظارات ملونة يرتديها المنتمي، فلا يرى إلا من خلالها، لا يرى إلا لوناً واحداً تصطبغ به جميع الوجوه والأشياء والأحداث بلا استثناء.

وعقول أصحاب الانتماءات تنتهي إلى أن تصبح أشبه بآلات ميكانيكية، تتحكم بدورانها مصطلحات ومفاهيم وعبارات جاهزة، بحيث يقومون بتمرير كل ما تلتقطه حواسهم وما يتناهى إلى علمهم من الأخبار والأحداث عبر تلك الآلة، ليخرج المنتوج النهائي عبارة عن تحليلات واستنتاجات وآراء ومواقف، تصطبغ كلها باللون الواحد لتلك النظارة، نظارة الانتماء الحزبي.

وكنت عاهدت نفسي على أن أنزع جميع تلك النظارات، وألا أقصر رؤيتي وتفكيري على زاوية واحدة ضيقة، وألا أنظر إلى العالم من ثقب إبرة، فحاولت أن أقف في أكثر من مكان، وأن أرتدي مؤقتاً أكثر من نظارة، وأن أنظر من هذه الزاوية وتلك، وأن أبذل وسعي لأفهم ما يريد قوله هؤلاء وأولئك، وكيف يفكر هؤلاء وأولئك، وهدفي من ذلك تكوين رؤية شاملة ما أمكن لجميع العقول والآليات الفكرية، أو لجميع (النظارات) إن صح التعبير.

وكان ما وقع في نفسي أن الانتماء الحزبي هو ضرب من العمى الجزئي، المتعمد في كثير من الأحيان، والذي تلزم منه آفات أخلاقية أدناها فقد النزاهة والإنصاف، وأعلاها الاستكبار بالعصبية، ومن يرى مواقف عموم الحزبيين تجاه غيرهم، بل وتجاه كل ما يحدث من حولهم، يلمس ذلك بوضوح، وتزداد الرؤية نقاءً بقدر الابتعاد عن الحزبية، وتزداد تشوشاً بقدر الولوغ فيها.

إن من ينظر إلى المجمَّع السكني من أعلى ليس كمن ينظر من خلال نافذة إحدى الشقق! وأفضل من هذا وذاك من نظر من نوافذ جميع الشقق ثم نظر من الأعلى، وأسوأ من هذين معاً من كان ينظر من أضيق نافذة في أضيق شقة، وهو يزعم ويصرُّ على أنه في الأعلى، يرى كل شيء بوضوح، وهو في الواقع لا يرى شيئاً أو يكاد!

وهذه بين أيديكم بعض تلك الآفات المشوِّشة، والمزالق التي يقع فيها كثير من المنتمين والحزبيين وأتباعهم والمتعاطفين معهم، فيما يتعلق برؤاهم ومواقفهم تجاه بقية التيارات والأحزاب والحركات والجماعات:

– الانجراف وراء الأحاسيس وعواطف الحب أو البغض.

– تكوين الفكرة بناءً فقط على الكلام المنتشر بين عموم الناس دون بحث ولا تمحيص.

– الاكتفاء بقراءة اقتباسات قصيرة متفرقة من الأدبيات، والتي كثيراً ما تكون مغرضة ومقتطعة من سياقها لأسباب مختلفة.

– الاكتفاء بالاطلاع على الأدبيات الكبرى فقط وتكوين الفكرة بناءً على ذلك.

– الاكتفاء بالاطلاع على أقوال المنتمين ومقالاتهم ومواقفهم دون الاطلاع على الأدبيات.

– عدم الأخذ بعين الاعتبار التطورات التاريخية وأهم المنعطفات الحاسمة والأحداث المهمة.

– تكوين الفكرة بناءً فقط على ما يقوله الأتباع والمؤيدون والمتعاطفون.

– تكوين الفكرة بناءً فقط على ما يقوله الأعداء والمعارضون والمتربصون.

– عدم التدقيق في الوثائق والصور والمقاطع المنتشرة، والإسراع إلى تصديقها كلها أو تكذيبها كلها دون بحث ولا تمحيص.

– الإسراع إلى تصديق المنشورات المؤيدة وتكذيب المعارضة في حال الانتماء أو التعاطف.

– الإسراع إلى تكذيب المنشورات المؤيدة وتصديق المعارضة في حال الخصومة أو البغض.

– إلقاء الاتهامات المتعسفة جزافاً وبشكل تعميمي.

– قبول الافتراءات وحملات التشويه ولو بالكذب في حال الخصومة أو البغض، والتشدد في التمحيص والتدقيق في حال الانتماء أو التعاطف.

– الاكتفاء بالنظر إلى الآثار الواقعية الملموسة فقط.

– إغفال النظر إلى الآثار الواقعية الملموسة تماماً.

– تعميم سلوكات بعض الأفكار على التيار بأكمله.

– الإغفال التام للسلوك المتكرر للأفراد وإهمال أهميته كنتيجة وأثر ملموس للفكرة.

– الاكتفاء بالمخزون المعرفي الثابت وعدم الجرأة على اقتحام المزيد من المعلومات والقراءات لملء الفراغات المعرفية.

– إصدار الأحكام باللوازم، وإلقاء تهم التخوين بناءً على ذلك.

– الإغفال التام للوازم ورفض استقرائها.

– الإغفال التام للسياقات التاريخية والأوضاع المحيطة.

– الإغفال التام للجذور الفكرية والعقائدية.

– الإغفال التام لجانب العلاقات وشبكة الموالاة والمعاداة.

كل هذه، وغيرها، من الآفات التي تصيب أصحاب الحزبيات البغيضة، وهم متفاوتون في ذلك، وهي تتغلغل فيهم بقدر ما يتغلغلون هم في العصبية الحزبية، فمُقِلٌّ ومستكثر!

ولو لم يكن من نقيصة في هذه الآفات سوى إضرارها بجانب الإنصاف والعدل، لكان ذلك كافياً، وعدم الإنصاف ظلم، وهو من دلائل اتباع الأهواء والنكوص عن طريق الحق، أسأل الله أن يعافيني وإياكم، وأن يهدينا لطريق الحق وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه.

24/02/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: