بين التعاقد والتراحم ~

06/02/2014 عند 22:59 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

كان من المواضيع المهمة التي قادنا إليها نقاش ملتقى القراءة ليوم الأحد الماضي، موضوع الطرح الذي قدمه الدكتور عبد الوهاب المسيري فيما يخص (المجتمع التعاقدي) و(المجتمع التراحمي).

ورغم أن كلمة (المجتمع التراحمي) تبدو أكثر قرباً إلى النفس، ونستطيع أن نتوقع بأنها ستكون مدعومة من طرف الحاضرين، إلا أن أصواتاً لا بأس بعددها عبرت عن تأييدها ودعمها لمفهوم (المجتمع التعاقدي)!

إن النظرة الأولية التي نلقيها على كلمة (تراحم)، تحيلنا إلى نوع من السمو بالعلاقات الإنسانية إلى مستويات أخلاقية عالية، في حين تحلينا كلمة (تعاقد) على ضروب من العلاقات المادية الباردة التي تخلو من أي حس عاطفي.

وكان من أسباب انتقاد البعض لـ (المجتمع التراحمي) ربطهم لمفهومه بمسألة (التدخل في خصوصيات الغير)، وهو الأمر الذي أثار استغرابي، كما أن من أسباب دعمهم لـ (المجتمع التعاقدي) ضمان التعاقد لحقوق المتعاقدين، وكذلك إلزامهم بالحدود التي لا ينبغي على أحد تجاوزها.

وهنا أحب أن أبدي الملاحظات التالية، مع الإشارة إلى أنها ملاحظات شخصية بحتة، وتنطلق فقط من أكثر المفاهيم عمومية للتراحم والتعاقد، ودون أي بناء على نظريات الدكتور المسيري، الذي لم أحظ بعد بشرف القراءة لكتبه.

بدايةً، إنه لا ينبغي علينا أن نربط (المجتمع التراحمي) بـ (التدخل في خصوصيات الغير)، لأنه لا وجود لارتباط حقيقي بين هذا وذاك، بل ربما يكون (التعاقد) في بعض الأحيان بوابة للتدخل السافر في تلك الخصوصيات، وربما يكون من مقتضيات (التراحم) احترامها وعدم التدخل فيها، وبذلك فإن الربط بين المجتمع التراحمي والتدخل في الخصوصيات هو ربط غير منطقي وغير صحيح.

وأيضاً، وعندما نعمق التفكير في هذا الموضوع، فإننا نجد أنفسنا أمام تساؤل مهم، وهو: هل من الضروري حقاً أن نفصل بين التعاقد والتراحم؟

معظم الكلام الذي دار حول هذا الموضوع كان منبنياً على التفريق التام بينهما، وهو تفريق يلزم منه اختيار واحد منهما وترجيح أحدهما على الآخر، لهذا تكررت بين الحاضرين عبارات مثل: “أنا أفضل المجتمع التراحمي”، أو “المجتمع التعاقدي أفضل”، وبالتفكير في الموضوع، أعتقد أن لا وجود لفرق حقيقي بين النوعين! وأن العلاقة التراحمية هي قائمة بالضرورة على تعاقد ما، قد لا يكون عقداً مكتوباً لكنه عقد غير منطوق وغير معلن، يعرفه أفراد المجتمع جيداً ويعملون بمقتضاه، وذلك بناءً على مرجعيات دينية أو أخلاقية أو قبائلية أو عرفية.

ونفس الأمر ينطبق على العلاقة التعاقدية، والتي هي في حقيقتها أكثر من مجرد تبادل منفعي للمصالح المادية المجردة، الخالية من أي حس أخلاقي أو عاطفي، بل إن من أهداف التعاقد تحقيق المصالح المتبادلة للطرفين، وتحديد المسؤوليات، وكل هذا ينطوي على (الحماية) للمتعاقد من غدر صاحبه وخيانته، ومن كل أمر من شأنه أن يهدد مصلحته، فالتعاقد إذاً مبني على أساس (تحقيق المصلحة ورعايتها)، وهذا في حد ذاته قمة (التراحم)!

ونحن نضع نصب أعيننا الآية الكريمة من سورة البقرة، والتي استشهد بها أحد الحاضرين في النقاش مشكوراً: “يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه”، فالآية هنا هي تجسيد حقيقي لعلاقة التراحم بالتعاقد، لأنها تعالج ابتداءً إحدى الحالات (التراحمية) إن صح التعبير، وهي الديْن، ومعلوم أن إقراض المال إنما يكون لتفريج كربة ما عن إنسان ما، أو تقديم المساعدة له في بعض شؤونه التي تستعصي على مصادر دخله المحدودة، فنحن هنا إذاً أمام (علاقة تراحمية)، غير أن الآية نفسها تحث أطراف العلاقة على كتابة الدين، وهذا تجسيد لمسألة (التعاقد)، ولو أننا فكرنا ملياً في ما تنطوي عليه كتابة الدين تلك، لوجدنا أن الغرض منها حماية الطرفين معاً، الدائن والمدين، حتى لا يغدر أحدهما بالآخر، فيدعي الأول أنه أقرض الثاني مبلغاً أكبر مما أقرضه له فعلاً، ويدعي الثاني أنه اقترض منه مبلغاً أقل، أو أنه لم يقترض منه شيئاً أصلاً! وهنا نجد أن ذلك (التعاقد) المتمثل في كتابة الدين، إنما الغرض منه حماية الطرفين ورعاية مصالحهما، وهذا في الحقيقة هو عين (التراحم)!

ختاماً، أستطيع القول بأني لا أجد نفسي مضطراً، في هذا الموضوع، إلى أن أفرق بين المجتمع التراحمي ونظيره التعاقدي، كما لا أجد هناك أي داع لعقد المقارنات بين هذا وذاك، من أجل ترجيح أحدهما على الآخر واختياره، كي أكون بذلك من أنصار أحد النوعين، إما المجتمع التعاقدي أو المجتمع التراحمي!

إنني أستطيع أن أرى تجليات التعاقد في أكثر المجتمعات تراحمية، كما لا أعتقد أن هناك تعاقداً بالتراضي إلا وهو ينطوي في بنوده على تراحم يرعى مصالح جميع المتعاقدين…

03/02/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: