زمان الفتنة ~

23/12/2013 عند 13:19 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

zaman fitna

.

يطيب لي في كثير من الأحيان، أن أدع جانباً متابعة الأحداث السياسية والمجادلات الفكرية، وأن أتجه لمطالعة بعض قصص الصحابة والتابعين، وما رُوي عن أحوال السلف الصالح ومواقفهم، فتهدأ بذلك روحي وتطمئن به نفسي.

وألاحظ في تلك القصص أموراً تدعو إلى التأمل، وتحمل الواحد حملاً على المقارنة بين ما كان عليه أولئك الأعلام الصالحون، وما هو عليه اليوم المتأخرون المعاصرون… ومما خطر لي في خضم تلك التأملات؛ ما هو شائعٌ في الناس اليوم من أن السابقين كانوا أكثر تشدداً في الدين، وأن التدين في ذلك الوقت كان أصعب منه في أيامنا هذه، والحقيقة فيما أظن عكس ذلك تماماً، ومن يطالع قصص الصحابة الكرام، ومن عاشوا في القرون المفضلة الأولى، سيجد أنه كان عندهم من الصدق المقرون بالبساطة والعفوية ما يصعب أن نجد بعضه في العصور المتأخرة، والتي غلب عليها التعقيد والتكلف، وأطبق عليها الغلو والتنطع.

لقد كان القوم رحمهم الله ورضي عنهم يتصرفون على سجيتهم، بطريقةٍ تجمع بين البساطة والعمق جمعاً عجيباً، لقد كانوا يتعلمون القرآن الكريم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعملون بهما قدر الاستطاعة، ودون أن يوغلوا في التأويل والتنطع، والتشدق بالكلام الكثير، والسؤال فيما لا ينفع.

لقد كان عند القوم من حسن الالتزام بما جاء في القرآن والسنة، والتقرب إلى الله بالعبادات والأذكار المشروعة كلٌّ حسب استطاعته، وإتيان مباحات الحياة، وصفاء النفس ونقاء القلب، ومواقف الشهامة والمروءة، والتضحية والإيثار، ما يستحق أن يكون مرجعاً لجميع المسلمين في كل زمان ومكان، وهي أمورٌ تفسر لنا سبب تفضيل الله لأولئك الأخيار علينا، نحن المفتونين في آخر الزمان هذا الذي خُلقنا فيه.

لقد كثرت المذاهب والكتب، والجماعات والطوائف، وكثر المتعالمون والمتكلمون، والمتفيهقون والمتمشيخون، وأمسى كثيرٌ من المسلمين في حيرةٍ من أمرهم، وكل الفرق تدَّعي وصلاً بليلى، وكل الجماعات تدَّعي أن ما عندها هو الحق الذي لا باطل فيه، وكل هؤلاء وأولئك يدَّعون علم الحديث وفهم السلف، وزاد المسلمون على أعباء الخلاف الحاضر أعباء خلاف الماضي، فهم يتجادلون فيهما معاً بالكتب والاقتباسات، القديمة منها والجديدة، ويكذِّب هؤلاء روايات أولئك، وما اتُّفق على تصحيحه من الروايات يُختلف في فهمه وتفسيره، ولا تمضي السنوات إلا وتصدر الكتب الجديدة، وتظهر على الشاشات وجوهٌ ما كان الناس يعرفونها، وما من متكلمٍ باسم الإسلام إلا وله من يسبُّه ويشتمه من المتكلمين باسم الإسلام، وما من لحيةٍ طويلةٍ إلا ولها لحيةٌ أطول منها تردُّ عليها وتشهِّر بها على رؤوس الأشهاد، وما من مدَّعٍ لفهم السلف الصالح إلا وله خصمٌ يدَّعي فهم السلف الصالح، وما من متكلمٍ بالحديث النبوي إلا وله من يضعِّف أحاديثه، ويتكلم بأحاديث أخرى هي عنده صحيحة، وعند الآخر ضعيفةٌ أو موضوعة.

إن مهمة طلاب العلم الشرعي، بل وكل مسلمٍ يهتم بسلامة معتقده وصحة مواقفه، لتزداد اليوم صعوبةً وتعقيداً عما كانت عليه في الماضي، فبعد أن كان على طلاب القرن العشرين أن يستوعبوا من أمور الدين وقضايا الأمة ما يبلغ حدود عصرهم، فإن على الناس اليوم أن يستوعبوا إضافةً إلى ذلك ما استجدَّ من القضايا والأحداث في قرنهم الوليد هذا، ولا يمر عامٌ إلا وتُكتب فيه الكتب، وتحدث فيه الأحداث العظام، وتظهر الوجوه على الشاشات، وتفيض الأقلام بما يتعذر الإحاطة به كاملاً، فهي والله الفتنة في الدين، وقد فُتن بها العلماء والدعاة، فكيف ننجو منها نحن الجهلة العوام؟ إلا إن أصابنا الله برحمة من عنده، أسأله تعالى أن يرحمني وإياكم وجميع المسلمين في كل زمانٍ ومكان.

إن الفتنة الأخطر على الدين في عصرنا هذا، هي ذلك التدفق الإعلامي اللامحدود، وما يترتب عنه من شيوعٍ للمواضيع الكبرى بيننا نحن العوام الجهال، إضافة إلى ما ابتلينا به من اختلاف الجماعات، وضياع الحق بين العلماء المختلفين، والدعاة المتخاصمين، وما في ذلك مما نراه من الحزبية والتعصب، والغلو والتطرف، والفجور في الخصومة، والإسراع إلى اتهام النيات وإصدار الأحكام على مكنونات القلوب.

لقد صرنا اليوم نرى الشباب الصغير الجاهل، الذي لم يطلب العلم ولم يدرس الدين، ولم يتعلم شيئاً من الأصول والفروع، يجد نفسه فجأة وقد زُجَّ به في بعضٍ من أعوص القضايا وأصعبها، والتي (لو عُرضت على عمر لجمع لها أهل بدر)، إلا أنها اليوم صارت كلأً مباحاً، مشاعةً للجميع، يتكلم فيها الجميع، يجدها الشباب أمامهم في شاشات الحواسيب، ويشاهدون ما يحدث فيها من الاختلاف بين العلماء، فهم إذاً يسرعون إلى التعصب والتطرف، والبت فيها بعقولهم وأهوائهم، وربما أضروا بأنفسهم وبغيرهم، بفهمٍ خاطئٍ أو عاطفةٍ شبابيةٍ متأججة، يعوزها العلم الشرعي والتوجيه الصحيح!

فأي فتنةٍ أعظم من أن نجد عوام الناس وجهَّالهم، يتكلمون في قضايا مثل الإمامة، والحاكم، ومتى يُخلع الإمام، ومن يخلعه، وتكفير الحكام، والخروج على الحاكم، وطاعة ولي الأمر، والفرق العقائدية، والمذاهب الفقهية والكلامية، والسلفية، والصوفية، والشيعة، ومعاوية، والفتنة بين الصحابة، والدماء، وقضايا التكفير، والحركات الجهادية، والعمليات الاستشهادية، وتنظيم القاعدة، والثورات العربية، ونظريات المؤامرة، وغير هذه من القضايا الشائكة العويصة التي لا أشك في أن سرعة البت فيها، انطلاقاً من مجرد العاطفة الإسلامية أو الانتماء التنظيمي أو العصبية من أي نوع، هي من الطيش وانطماس العقل وقلة البصيرة.

فكيف إذاً ونحن نرى العوام الجهال في هذا الزمان يصدرون أقسى الأحكام بالتبديع والتفيسق، بل والتخوين، بل والتكفير نفسه أحياناً! وكل هذا بناءً على الظن والشك، والتأويل الفاسد، والروايات الكاذبة، والإشاعات الباطلة التي ما أسرع ما تنتشر في وسائل الإعلام انتشار النار في الهشيم.

فهذا الزمان والله زمان فتنة، ومن ظن أنه غير مفتونٍ فهو أكثر الناس افتتاناً، وليس بيننا من قد سلم بدينه إلا من سلَّمه الله وأصلح قلبه، أصلح الله قلوبنا وإياكم أجمعين.

نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجنبنا الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن، إنه سميعٌ مجيب الدعوات…

13/12/2013

Advertisements

2 تعليقان »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. السلام عليكم ورحمته الله وبركاته
    في البدايه أريد أن أشكرك أخي على كل كتاباتك فأنا من معجبيك ومتابعيك على
    مدونتك (مدونة الأيام البريئة) ، الكلام الذي يقال عن نية صادقه لا يخالطها
    أفكار العصر الجديد ولا يطغى عليها الغزو الغربي بأفكاره السيئه ..

    نسأل الله التوفيق لنا ولكم

  2. السلام عليكم حبيبي أنس
    أين طلبت العلم فإني أرى ذو عقيدة صحيحة بإذن الله فسر على الدرب .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: