حرب المصطلحات ~

23/11/2013 عند 16:52 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

7arb mostala7at

.

منذ أدركتُ أن (حرب المصطلحات) هو من أخطر الأسلحة المستخدمة ضد الإسلام وأهله، وأنه من الأسلحة التي كان ولا يزال لها أعظم التأثير على عقائد المسلمين ومعنوياتهم لصالح أعدائهم، منذ أدركتُ ذلك عزمتُ على أن أبذل جهدي للتحرر من قبضة تلك (المصطلحات)، عبر تجريدها التام من التفاسير الملحقة بها، والعودة بها إلى جذورها اللغوية الأولى، ثم النظر في مصدرها والمفهوم منها وما يراد بها، فلا أفرغ من ذلك إلا وقد حررت نفسي من الخضوع لها، ولتفسيراتها المحدثة القادمة عادةً من مصادر غربيةٍ دخيلة، تهدف إلى أن تنشر بين الناس إسلاماً هجيناً يوافق أهواءها، مجرداً من الخطر عليها، إسلاماً مقصوص الأظافر مهيض الجناح، منزوع الهوية، مفرَّغاً من محتواه، يدين بالولاء للمبادئ العالمية التي يحددها أعداء الإسلام والإنسان، وكل من سار في ركابهم من العرب والعجم وكل جنسٍ ولون.

ومن أسفٍ أنه قد كان لحرب المصطلحات هذه، تأثيرٌ حقيقيٌّ على الحالة المعنوية لكثير من المسلمين، والذين أصابتهم تلك الانتكاسة النفسية التي جعلتهم يخجلون من دينهم، ومن بعض أحكامه، ثم شرعوا يعملون بجدٍّ على ما يسمى بـ (إعادة تفسير الإسلام)، وإعلان القطيعة التامة مع تراث السلف الصالح، وإبداء العقوق الفاجر لهم، والانتقاص الوقح من أقدارهم وأفهامهم، وإعادة تأويل أحكام الإسلام لتصير متوافقةً مع تلك (المصطلحات) التي يقدمها منظرو النظام العالمي الجديد، بصفتها حقيقةً مطلقةً لا تقبل المراجعة أو الرفض، ولتصير مخالفة لتلك (المصطلحات) جريمةً نكراء وتعويقاً لمسيرة تقدم التاريخ.

وقد كان من جرَّاء (حرب المصطلحات) هذه أننا صرنا نجد الواحد من المسلمين، من العوام أو حتى من النخب، يجتهد اجتهاداً عظيماً، ويبذل الوقت ويستفرغ الوسع، من أجل أن يؤلف كتاباً يحاول من خلاله إثبات أن الإسلام (لا يتعارض مع الديمقراطية)، أو بأن الجهاد لم يعد له مكانٌ في هذا العصر، بل وأنه لا جهاد في الإسلام أصلاً إلا جهاد الدفع دون جهاد الطلب، أو بأن الإسلام لا يتعارض مع (الحريات الشخصية، وحرية العقيدة والرأي والتفكير)، ولا يتعارض أيضاً مع مبادئ (وحدة الأديان)، و(التسامح مع الأديان الأخرى)، وبأن الإسلام (لا يعادي المرأة)، وأعني هنا وجهة النظر الغربية لما يسمى عندهم بـ (معاداة المرأة)، وهو ما يقصدون به – بدافعٍ من أفهامهم المعكوسة – نفس ما كرَّم الإسلام به المرأة، وميزها به على الرجال، ومع ذلك نجد أن هؤلاء المنهزمين يجتهدون لإظهار أن الإسلام (لا يتعارض مع مبادئ المساواة بين الرجل والمرأة) بمفهومها الغربي البحت.

ومن ذلك أيضاً محاولتهم الذليلة لإثبات أن الإسلام يعارض (التطرف والتشدد والغلو)، والإسلام كذلك فعلاً، لكنهم يقصدون بهذه المصطلحات تعريف الغرب للتطرف والتشدد والغلو، وليس تعريف الإسلام لها.

وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ لما يفعله هؤلاء من إعطاء الدَّنيَّة في دينهم، وإظهار الضعف والهوان والمذلة، والحديث من منطلق التبرير ودفع الاتهامات، وفي هذا إقرارٌ منهم بصحة تلك المبادئ العالمية الغربية، عد قصدٍ أو عن غير قصد، وبأن المشكلة هي في (الفهم السلفي) للإسلام وليس في تلك المبادئ، ولذلك فإن علينا أن نحدث (التوافق) بين الإسلام وبينها، وأن نعمل لكي نزيل عن ديننا ما يتعارض معها، حتى لا تلتصق بنا وبديننا (مصطلحاتٌ) كريهةٌ مثل التطرف والتشدد ومعاداة المرأة، والإرهاب، والأصولية، وعدم قبول الآخر، وعدم الإيمان بالديمقراطية، والإسلام السياسي، والجهاد، والطائفية الدينية، وغير ذلك من هذه (المصطلحات) الجاهزة المعلَّبة.

فهي إذاً حربٌ فكريةٌ ونفسيةٌ بواسطة الأوصاف المصطلحات، والتي يتم نصبها كفزاعاتٍ مرعبةٍ ينبغي على المسلمين تحاشيها والفرار منها، وإثبات أنها لا تنطبق عليهم.

ولو أننا فكرنا بعمقٍ في هذا الموضوع، لوجدنا أننا أمام قضية من قضايا (التحسين والتقبيح)، وهذه مسألةٌ شرعيةٌ معروفة، ومما يعلمه المسلمون بالضرورة أن الحسن هو ما حسَّنه الشرع، وأن القبيح هو ما قبَّحه الشرع أيضاً، وبهذا لا ينبغي أبداً أن تكون لتلك الأفهام الغربية، والمصطلحات، ونمط التفكير والعيش، أي تأثيرٍ على رؤية المسلمين لما هو حسنٌ وما هو قبيح، فكم من المصطلحات التي تقبِّحها المبادئ العالمية هي في الإسلام شرعٌ وواجب، وكم من المصطلحات التي يحسِّنها النظام العالمي الجديد هي في الإسلام كفرٌ بواح.

وإني لأعلن ذلك بصراحةٍ تامة؛ لم أنعم بحرية التفكير واستقلاليته حقاً إلا بعد أن بدأتُ أخلِّص نفسي من سطوة المصطلحات، حتى لم يعد لها أي تأثيرٍ علي، ولم أعد أقلق من أن يقول لي أحدٌ بأني متطرفٌ أو إرهابيٌّ أو طائفي، أو سلفيٌّ وهابي، أو بأني غير ديمقراطي، أو بأني أعادي المرأة، أو بأني أؤمن بالدولة الدينية، وغير ذلك من هذا السخف والهراء…

نعم، إنني أكون فرحاً كأشد ما يكون الفرح عندما يتهمني الشيعي بأني ناصبي أعادي أهل البيت، ويزداد فرحي عندما يصفني المعتزلي بأنه لا عقل لي، وبأني نصيٌّ مقلِّد، ويغمر الحبور قلبي عندما يصفني الثوري الخارجي بأني جاميٌّ عميل للطواغيت، مداهنٌ للأنظمة الكفرية المستبدة، وسعادتي العظمى هي عندما يصفني الليبرالي المتحلل بأني رجعيٌّ ظلامي، وأما يوم الفرح الأعظم فهو عندما يصفني العلماني الملحد بأني أصوليٌّ متطرف…

23/11/2013

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: