داخل سيارة الأمن الوطني ~

26/10/2013 عند 19:00 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

id-261013-jpg

.

السابعة مساءً تقترب.

وكانت تلك ساعةً حرجةً بالنسبة لنا في تلك الأيام، عندما كنا نجتاز تدريباً في أحد مكاتب المحاسبة قرب (ساحة موزارت) بطنجة، وكان دوامنا اليومي ينتهي، أو يجب أن ينتهي حسب القانون، في السابعة مساءً.

غير أن شيئاً لم يكن يغيظ رئيس المكتب ويستفزه استفزازاً شديداً، مثل خروج الموظفين والمتدربين في تلك الساعة المشؤومة، ولم يكن يلمح واحداً منا خارجاً إلا ويستوقفه غاضباً، ويمطره بكلامٍ كثيرٍ منفعلٍ حول ضرورة البذل والاجتهاد، والسهر أكثر في المكتب لعدة ساعاتٍ إضافية! لقد كان حريصاً على حبس الموظفين والمتدربين لساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، وكان أشد حرصاً على ضرورة الالتزام بمواعيد الدخول، ويغضب إن حصل أي تأخر من أحد الموظفين أو المتدربين حتى لو كان تأخراً لدقائق قليلةٍ لا أكثر.

لقد كان شديد الدقة في مواعيد الدخول، منعدمها في مواعيد الخروج!

لهذه الأسباب، وغيرها، كان (السيد الرئيس) مكروهاً من طرف موظفيه الخمسة، الذين كانوا يعيشون معه في جحيمٍ مقيمٍ وعذاب دائم، ومن طرف المتدربين أيضاً، والذين يتعرضون لاستغلالٍ شبه كاملٍ لمعظم أوقاتهم وجهودهم، ودون أي مقابلٍ على الإطلاق! باستثناء ذلك الشيء الذي يقال عنه (الاستفادة والخبرة)، وهو شيء وإن كان صحيحاً من وجهة النظر الواقعية، إلا أنه من وجهة نظر الرؤساء استخفافٌ بعقول المتدربين وذرٌّ للرماد في أعينهم.

لكننا كنا نقبل ذلك على كل حال، مادمنا لم نجد وظيفةً بعد، لا بأس من أن نتعب لبضعة أشهر من أجل بعض الاستفادة قليلةً كانت أم كثيرة، ويظل الأمر المؤكد بالنسبة لنا أن تلك الفترة العمرية، بداية العشرينات، هي أسوأ فترةٍ في حياة الشباب على الإطلاق.

متى تأتي الساعة السابعة لأخرج من هذا السجن؟

يجب أن أنهمك في العمل أكثر حتى أراوغ مرور الوقت، ملفاتٌ كثيرةٌ موضوعةٌ أمامي، أدواتٌ مكتبية، شاشةٌ زرقاء، برنامج RODIN للمحاسبة يبدو بدائياً جداً ويشبه تماماً شاشة الـ MS-DOS الأثرية.

همهمات المتدربين من حولي ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً أخرى، وتصمت تماماً عند سماع خطوات المدير بالقرب من المكان، يدخل (السيد المدير) بهيأته المهيبة ونظراته المخترقة، يجيل بصره في المكان صامتاً، يتأكد من أننا جميعاً في مكاتبنا وأنه ما من أحد غاب ذلك المساء، ثم ينحني على أحد موظفيه ويتبادل معه بضع كلمات، ثم ينصرف عائداً إلى مكتبه، وترتفع الهمهمات من جديد.
 
 

* * *
 
 

السابعة مساءً تقترب.

بقيت خمس دقائق فقط أو أقل، نظرتُ إلى ساعتي، ثم التفتُّ إلى صديقٍ لي اسمه سفيان، وكان يجمعني به جزءٌ كبيرٌ من طريق العودة إلى المنزل، وجدتُه ينظر إلي هو أيضاً، قام بتلك الحركة الشهيرة، غمزني بعينه وأشار بذقنه نحو الباب، جمعتُ أغراضي وارتديتُ سترتي، وكذلك فعل بعض المتدربين الذين لا يطيقون البقاء دقيقةً واحدةً بعد الدوام، في حين بقي آخرون متسمِّرين أمام حواسيبهم، عازمين على السهر حتى منتصف الليل أو قريباً منه، لأسبابٍ مختلفةٍ لم يكن يقنعنا أيٌّ منها!

 
 
* * *
 
 

خمس دقائق بعد السابعة مساءً.

الحرية أخيراً، الانطلاق، الضحك بصوتٍ مرتفعٍ في الشارع، تبادل النكات والقصص والطرائف، نحن أحرار أخيراً بعد يومٍ شاقٍّ من الكد المجاني.

كنا نحاول الاستمتاع بأكبر قدرٍ ممكنٍ من تلك اللحظات الحرة التي تجمعنا معاً، ولم نكن نعرف ما الذي ينتظرنا بعد دقائق قليلةٍ في تلك الأمسية المشؤومة، وكانت أمسيةً من أواخر عام 2007، أو بداية عام 2008، وفيها حدث لنا هذا الموقف الذي سأرويه لكم الآن، وهو صفحةٌ من مذكراتي، أحببتُ أن أنقلها إليكم فقط على سبيل الاستئناس والمرح، لأنها مصنفةٌ عندي في رفوف الذاكرة ضمن الطرائف والمضحكات.

انطلقنا، أنا وصديقي سفيان، عائدين إلى المنزل سيراً على الأقدام، نتدافع ونتضاحك مثل طفلين في الحادية والعشرين، وكنتُ أنا مقيماً في (الحي الجديد)، وتحديداً في زقاق (الحاج سعيد)، وكان هو ابن مدير إحدى المدارس الابتدائية قرب (بن ديبان)، لعلها مدرسة (الداخلة) أو (مبروكة)، لم أعد أتذكر الآن، لكنه كان يقيم مع والديه وأسرته في نفس المدرسة التي يديرها والده.

وبمقتضى هذا، كنا نتمشى معاً على طول الطريق من (ساحة موزارت) إلى (قنطرة بن ديبان)، وهناك كنا نفترق، ليكمل كلٌّ منا ما تبقى من طريقه وحيداً تحت جنح الظلام.

وكما هي العادة، كان لا بد أن نمر بمحاذاة المحطة الطرقية، لنصير في مواجهة المدار الطرقي العملاق المسمى (رياض تطوان)، والمعروف بازدحام السيارات فيه ازدحاماً شديداً، كنا سعداء، بانتهاء الدوام الطويل المتعب من جهة، وبقرب انتهاء فترة التدريب من جهة أخرى، كانت أشهراً قليلةً أمضيناها في مكتب المحاسبة ذاك، مرت كأنها أعوام سجنٍ كثيرة.

وبينما نحن كذلك، وكنا نسير بمحاذاة مدار (رياض تطوان)، إذ بنا نلمح فتاةً قادمةً في مواجهتنا، وهي متدربةٌ معنا في نفس المكتب، ولقد أمضت مثلنا يوماً شاقاً، وانتزعت حريتها، هي أيضاً، في الساعة السابعة مساءً، وكانت في طريق عودتها إلى منزلها، منهمكةً انهماكاً تاماً في مكالمةٍ هاتفية.

غمزني سفيان بذراعه مشيراً إليها، ورأتنا هي الأخرى على بعد خطوات، فحيَّتنا بهزَّةٍ من رأسها، وتلويحةٍ خفيفةٍ معناها (مساء الخير، لقد رأيتكما!)، ولما وصلنا إلى نقطة التلاقي، أبى سفيان إلا أن يشاغب الفتاة قليلاً، كعادته وهو من المشاغبين، فمال عليها بجسده ضاحكاً وهو يقول:

– “سلمي عليه!”

ولم يمض بعد ذلك ثانيةٌ واحدةٌ أو ثانيتان، حتى رأيتُ سفيان يرتفع من الأرض فجأةً ويُقذف داخل صندوقٍ كبير، وأحسستُ بكفٍّ غليظةٍ تضرب ظهري وترفعني أنا أيضاً، وتقذف بي، بكل قوةٍ وعنف، داخل نفس ذلك الصندوق.

ذلك الصندوق كان سيارة الأمن الوطني!
 
 

* * *
 
 

ماذا حدث؟ كيف حدث؟ ولماذا حدث؟

كل شيءٍ كان كلمح البرق في ثانيةٍ واحدة! ومن الصعب على القلم أن يجاري سرعة بعض الأحداث في ركضه على الورقة، لكني لو أردتُ تلخيص الموقف كاملاً في عباراتٍ موجزة، فإن ما حدث هو كالآتي، وقد كان في مدةٍ زمنيةٍ لا تتعدى خمس ثوانٍ على الأكثر:

((مررنا أمام زميلتنا في التدريب.

شاغبها صديقي سفيان.

تصادف أن كان ذلك أمام سيارة الشرطة المتوقفة هناك، والتي لم ننتبه لوجودها أصلاً!

فهم رجال الشرطة أن الموقف هو معاكسةٌ وتحرشٌ تجرأنا عليه أمامهم دون احترامٍ لهيبة وجودهم.

قذفوا بنا داخل سيارة الشرطة حتى نتعلم الخوف منهم كما ينبغي في المرة القادمة!))

لم أستوعب ما حصل، قبل لحظةٍ واحدةٍ فقط كنت أتمشى مع صديقي مثل أي مواطنٍ صالح، والآن يُقذف بي داخل سيارة الشرطة مثل مواطنٍ غير صالح!

لم أفهم في البداية ما سبب هذا الاعتقال المفاجئ، كل ما رأيته هو ظلامٌ دامس، تبيَّنتُ فيه مجموعةً من المعتقلين المكوَّمين داخل السيارة بملابسهم الرثة الممزقة، ورجال شرطةٍ غلاظٌ شدادٌ ينتصبون هنا وهناك، بنظراتهم النارية ووجوههم السوداء التي تجعلك تتذكر زبانية جهنم، طالما اعتقدت أن وجوه رجال الشرطة تحتوي على طبقاتٍ جلديةٍ أقسى وأثخن من بقية الناس.

قُذف بنا داخل السيارة، رأيتُ سفيان مقبوضاً عليه من طرف شرطيٍّ طويل القامة ضخم الجسم، مظلم الوجه والعينين، عابساً مثل الجحيم، وكان يسحبه ويجذبه كيفما اتفق، ثم أتبع ذلك بركلةٍ قويةٍ رفعت سفيان عالياً، ولم يسمح له أن يقع على الأرض حتى التقطه بيده اليسرى، ليهوي على وجهه بصفعةٍ مدويةٍ مازال صدى صوتها يتردد في أذني حتى اليوم.

أما أنا فقد كنت أوفر حظاً من صديقي، إذ كان القابض علي شرطياً شاباً، طويل القامة لكنه نحيفٌ ضعيف البنية، ولقد اكتفي بجعلي أقف دون حراكٍ بحيث ظل شديد الاقتراب مني، وظل يحدِّق في عينيَّ بنظراتٍ ينطلق منها شرر التهديد والغضب.

لم أجرؤ على الالتفات لرؤية صديقي سفيان، كنتُ أسمع فقط صوت أنفاسه المحشرجة بالبكاء، وصوت صراخ الشرطي الذي كان قابضاً عليه كأعنف ما يكون القبض، وكان يكيل له أفظع ما يمكن لإنسانٍ مغربيٍّ أن يتخيل سماعه من الشتائم والسباب البذيء الفاحش، ثم سمعتُ صوت صفعةٍ مدويةٍ ثانية، تلاها صراخ الشرطي الهادر:

– “أيها الوغد القذر الحقير، أتجرؤ على معاكسة الفتيات في الشارع؟!! أتحب أن يعاكس أختَك أحد؟!! أجب يا ابن الـ (…)!! وتجرؤ على التحرش بها أمامنا؟! ألا تحترم وجود الشرطة أيها الـ (…)؟!! سأعلمك كيف ترتعد أوصالك من الرعب كلما رأيتَ شرطياً بعد اليوم!!”

ثم هوى على وجهه بصفعةٍ أخرى سُمع صوتها شديداً عالياً، وأتبعها بصفعةٍ أخرى لا تقل عنها شدةً وعنفاً، وأكمل الشرطي صراخه:

– “هيا! أجب! أجب أيها الـ (…)! أجب يا ابن الـ (…)!”

ونطق سفيان، بصوتٍ متحشرجٍ حاول رفعه قليلاً كي يدافع عن نفسه:

– “إنها تدرس معنا، إنها زميلتنا في الدراسة، إننا ندرس معـ…”

ولم يكمل سفيان كلماته حتى عاجله الشرطي بركلةٍ من ركلاته أتبعها بصفعةٍ من صفعاته وهو يقول:

– “أي مدرسةٍ في هذه الأيام أيها الكاذب؟! ألسنا الآن في أيام عطلة؟!”

وكنا بالفعل في أيام عطلةٍ دراسية، فاستدرك سفيان بصوتٍ مرتعشٍ امتلأ ارتباكاً:

– “كنتُ أقصد أنها زميلتنا في التدريب، نحن نتدرب معاً، صدقني إنها تعرفنا جيداً، نحن نمضي طول اليوم معاً في المكتب، وكل ما في الأمر أننا التقينا صدفةً بعد خروجنا في الساعة السابعة.”

ولم يمهله الشرطي حتى انقضَّ عليه بصفعةٍ أخرى مع شتائم فاحشةٍ شديدة البذاءة، لا يصح أن نذكرها هنا، وهو يزأر في وجهه بصراخٍ مرعب:

– “تدريبٌ يا ابن الـ (…)؟! وهل هناك تدريبٌ في السابعة والنصف مساءً؟! أجب أيها الـ (…)! قبل لحظةٍ دراسةٌ والآن تدريب؟! وتجرؤ على الكذب علينا؟ وتجرؤ على التحرش بالفتيات أمامنا؟! سأريك أيها الـ (…)! سأعرف كيف أربيك وأؤدبك! سأعرف كيف أجعل منك عبرةً لغيرك!”

وسمعتُ صوت صفعةٍ أخرى كانت هي الأقوى، جعلت سفيان يصمت تماماً مستسلماً لقدره.

ثم بدا للشرطي الذي كان قابضاً عليَّ أن يعالجني، وكان كما ذكرتُ شرطياً شاباً، فخاطبني بلهجةٍ شديدةٍ وقد قطَّب حاجبيه ورسم الصرامة على وجهه:

– “ارفع يديك عالياً!”

رفعتُهما، فبدأ يتحسس جسدي كاملاً، كما يفعلون مع المجرمين، ولست أدري ما الذي كان يتوقع أن يجده الشرطي من هذه الحركة، سلاحٌ ناريٌّ أم سلاحٌ أبيض أم مخدرات!

أنهى عملية تحسس الجسد، فقال بنفس النبرة الصارمة:

– “يكفي!”

فأنزلتُ ذراعيَّ، وبدأتُ أستعد نفسياً لتلقي الصفعات والركلات، كما تلقاها صديقي سفيان، وبدأتُ أتخيل صفعات الشرطة وركلاتهم تنهال علي من كل حدبٍ وصوب، وأنا أفقد بسببها توازني، وأحاول أن أحمي وجهي وجسدي منها دون فائدة، بدأت أبرمج عقلي على الاحتمالات كلها، وعلى أسوأ الاحتمالات، ولم يكن يهوِّن علي مما أتوقع حدوثه لي إلا راحة ضميري، فقد كنا أبرياء تماماً، ولم نرتكب أي جرمٍ على الإطلاق، ثم إن سبب القبض علينا لم يكن بالتأكيد مزحةً ألقاها سفيان على فتاةٍ من معارفنا، بل كان ما فهمه رجال الشرطة أولئك من أننا لم نحترمهم، ولم نراع مكانتهم، ولم نقف عن حدود مهابتهم، وأننا عاكسنا فتاةً غريبةً مارةً أمامنا دون أن نضرب لهم حساباً، ودون أن نأخذ وجودهم بعين الاعتبار.

والحقيقة أننا لم نرهم أصلاً، ولم ننتبه لوجودهم، فمن المعروف والمعتاد أن تكون سيارة الشرطة واقفةً في مكانها ذاك في مدار (رياض تطوان)، قرب المحطة الطرقية، ونحن نراها ونمر أمامها كل يومٍ عدداً من المرات، حتى لم نعد ننتبه لوجودها، وحتى لو كان سفيان قد انتبه لوجود السيارة، فما كان ليخطر على باله أبداً أن رجال الشرطة سيفهمون تصرفه ذاك بتلك الطريقة التي فهموه بها.

لكن هذا ما حدث على كل حال، ولم نشعر بأنفسنا وإلا ونحن نُحمل بعنفٍ ويُقذف بنا داخل السيارة، ولم يكن من شيءٍ أسهل على العدالة من أن تسجل ضدنا تهمةً من تهم التحرش والفساد الأخلاقي!

لقد بدأ عقلي داخل السيارة يشتغل بطريقةٍ منطقيةٍ معينة، تتجه نحو التهوين من حجم المشكلة، صوتٌ عميقٌ في داخلي كان يقول بأن الأمر سيمرُّ بسلام، أبسط ما يمكن حصوله أن نُأخذ إلى أحد مقرات الشرطة، وهناك سيقتنعون ببراءتنا وبصدق الرواية التي سنقدمها لهم، ثم يطلقون سراحنا، وأما أسوأ ما يمكن حصوله أن نضطر إلى المبيت ليلةً كاملةً في مقر الشرطة، مع المجرمين واللصوص وأصحاب المخدرات، وسيعني ذلك أن يعلموا آباءنا بخبر اعتقالنا، وسيكون وقتاً عصيباً سنخرج منه بسلامٍ في نهاية الأمر، لأن إثبات براءتنا سيكون سهلاً جداً، فنحن لم نكذب، ولأن الفتاة هي فعلاً من معارفنا، وزميلة لنا في التدريب، وتستطيع هي أن تؤكد ذلك تلقائياً وبسهولةٍ تامة، وما فعله سفيان لا يزيد عن كونه تصرفاً عادياً جداً في ميزان الأعراف السائدة في المجتمع، ولا يقترب مجرد اقترابٍ من أن يُعتبر معاكسةً أو تحرشاً، إلا في حالةٍ واحدةٍ فقط تكون الفتاة فيها غريبةً عنا تماماً، لا نعرفها ولا تعرفنا، وهي حالةٌ لا تنطبق على ما حدث.

بل حتى لو كانت الفتاة ماشيةً معنا، ولو مررنا ثلاثتنا أمام الشرطة لاعبين ضاحكين، لما اعتبروا في ذلك شيئاً مريباً، ولما حركوا ساكناً، ولما استوقفونا للسؤال عن هوياتنا فضلاً عن اعتقالنا، وهل تتملئ الشوارع كلها إلا بالثنائيات الضاحكة من الشباب والفتيات؟!

ما أكثر التناقضات في تطبيق القوانين، وما أكثر تناقضات القوانين نفسها.

كل هذه أفكارٌ خطرت ببالي وأنا أقف متجمداً داخل سيارة الشرطة، وأستمع لشتائم الشرطي وصفعاته التي تهوي، دون توقفٍ أو رحمة، على وجه سفيان.

أمرني الشرطي الشاب بالجلوس، صارخاً بصوت مرتفع:

– “اجلس!”

جلست، وما إن جلست حتى صرخ آمراً إياي بالوقوف:

– “قف!”

فوقفت، وما إن وقفت حتى صرخ من جديدٍ آمراً إياي بالجلوس:

– “قلت لك اجلس!!”

وما إن جلست مجدداً حتى عاود الصراخ من جديد:

– “قلت لك قف!!”

فوقفت! وكرر ذلك ما شاء له الله أن يكرر، وأنا أدعو الله في نفسي دعاءً خالصاً أن تمر هذه الورطة على خير.

صمت الشرطي لبرهةٍ وهو يحدِّق في وجهي متفحصاً، بعينين ناريتين.

حمدت الله على أنه لم يصفعني ولم يركلني، أمرني هذه المرة بصوتٍ أهدأ بقليل:

– “أعطني بطاقتك الوطنية.”

طلبٌ محرج! لقد كان من عادتي دائماً أن أترك بطاقة هويتي في المنزل وألا أصطحبها معي إلا في القليل النادر، تحسستُ جيوبي باحثاً عنها، من حسن حظي أني وجدتها قابعةً في أحد الجيوب، أخرجتها وقدمتها له، تناولها مني وتفحصها جيداً، ثم أعادها لي وسألني:

– “ماذا تفعل الآن؟ أين كنت؟”

أجبت:

– “الآن أنا متدرب، متدرب…”

– “متدرب؟ وأين تتدرب؟”

– “في مكتبٍ للمحاسبة…”

– “مكتبٌ للمحاسبة؟!!”

وهنا سمعتُ صوتاً من خارج السيارة، ينادي على الشرطي الشاب القابض علي:

– “يا محمد.”

التفتنا نحو مصدر الصوت، فإذا به شرطيٌّ عجوز، قصير القامة ونحيف جداً، امتلأ وجهه بالتجاعيد والنتوء العظمية البارزة، وله شاربٌ كثيفٌ أبيض تماماً.

أشار الشرطي العجوز نحوي وهو يخاطب زميله الشاب:

– “هذا، أطلق سراح هذا، أطلقه، دعه يذهب.”

امتثل الشرطي الشاب، وأفسح لي المجال للنزول من السيارة وهو يقول:

– “هيا! انصرف! انصرف! اذهب إلى حال سبيلك!”

لم أصدق أذني! لقد استجاب الله دعواتي فوراً، نزلت مسرعاً من السيارة وأنا شديد الفرح، وألقى علي الشرطي العجوز نظراتٍ قاسيةً وهو يقول لي:

– “هيا! اذهب أنت! انصرف! اغرب عن وجهي!”

وانصرفت دون أن أنطق بكلمة، ودون أن ألتفت ورائي، وسمعت الشرطي القابض على سفيان يقول معلقاً على إطلاق سراحي:

– “هذا الـ (…) هو الذي فعلها، ابن الـ (…) هذا هو الذي…”

وغاب صوته عني، ومضيت عائداً إلى البيت وأنا أحمد الله في نفسي على إجابته لدعائي، كانت لحظاتٍ عصيبةً لا يمكن أن تنسى، وكل لحظة في حياتنا يتدخل فيها رجال الشرطة، بأي طريقةٍ كانت، هي لحظةٌ من شأنها أن تبقى ماثلةً في الذهن لا تفارقه أبداً.

عدت إلى منزلي أخيراً، كنت أشعر بأسفٍ بالغٍ على صديقي سفيان، لكني كنت مطمئناً على كل حال! نعم سيُصفع قليلاً ويُركل ويُضرب، وسيُؤخذ إلى مركز الشرطة، وهناك سيستجوبونه قليلاً، وبعدها سيطلقون سراحه، وأسوأ ما يمكن أن يحصل أن يتم استدعاء والده.

مسكينٌ أنت يا سفيان! مسكينٌ أنت يا صديقي العزيز!

 
 
* * *
 
 

رنَّ هاتفي بعد ساعات قليلة، وجاءني صوت سفيان، مرتعداً يختلط بالضحك:

– “أنا سفيان!”

– “أيها الوغد! أين أنت؟ ماذا فعلوا بك؟”

– “لا شيء! أنا في المنزل الآن.”

– “ماذا حدث؟ هل أطلقوا سراحك فوراً كما فعلوا معي؟”

– “لا، بل أخذوني مع المجرمين إلى مركز الشرطة.”

– “أي مركز؟”

– “مركز (العوامة).”

– “ثم؟”

– “عرضونا على أحد الضباط، وكان معظم المقبوض عليهم من اللصوص ومروجي المخدرات والعازمين على الهجرة السرية، وظل الضابط يصرخ في وجوهنا وينتهرنا، ويسبنا ويشتمنا، وخاطبني على أنني واحدٌ منهم، وقال لي: “إلى متى ستظلون هكذا؟ سرقة، ولصوصية، ومخدرات، وهجرة سرية!”، لكني قاطعته وطلبت منه أن يتأكد من هويتي أولاً ويعرف من أنا، قبل أن يوجه إلي تهماً كهذه!”

– “ثم؟”

– “سألني عن هويتي، فأخبرته بأني شابٌّ متعلم، ومتخرجٌ من الجامعة، وأنني ابن مدير مدرسةٍ ابتدائية، وأني أقيم معه في نفس تلك المدرسة، وأنه لا علاقة لي مع السرقة ولا مع المخدرات ولا مع الهجرة السرية!”

– “ثم؟”

– “أطلق سراحي! أطلقوا سراح بعضٍ منا، واحتفظوا بالبعض الآخر.”

– “الحمد لله، هنيئاً لك، ألم يجبروك على توقيع أي محضر؟”

– “لا، لم أوقع شيئاً، فقط قال لي (اذهب)! وما إن قالها حتى طرت إلى المنزل لا ألوي على شيء!”

وتبادلنا كثيراً من الضحك والسخرية في تلك المكالمة، وانتهت بتلك العبارة الشهيرة المعتادة:

– “نلتقي غداً إن شاء الله.”

ونمت أنا شديد الشوق إلى الغد! كنت أعرف أن كثيراً من الضحك ينتظرني في مكتب المحاسبة.
 
 

* * *
 
 
في اليوم التالي، دخلت إلى المكتب وأنا على استعدادٍ للضحك، وبالفعل، وجدت سفيان جالساً على كرسيٍّ مثل بطلٍ من الأبطال، يروي قصته ضاحكاً بحماسةٍ شديدة، وحوله الشباب ينفجرون ضحكاً، وأما الفتاة، سبب كل تلك المصائب، فقد كانت تنظر إلى سفيان وتستمع لقصته، جاحظة العينين، فاغرة الفم، واضعةً أصابعها على وجهها وساحبة خدها نحو الأسفل قليلاً، وهي تقول مصدومةً متفاجئة:

– “يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! أقسم أني لم أركما! أقسم أني لم ألتفت ورائي! أقسم أني لم أنتبه لشيءٍ مما حصل، أقسم أني كنت مشغولةً بالهاتف فاكتفيت بإلقاء التحية فقط! أقسم أني لو كنت رأيت ما حدث لأخبرت رجال الشرطة بحقيقة الأمر! يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للإحراج! يا لمصيبتي!”

وانضممت إلى المجموعة، وبقينا يوماً كاملاً نروي القصة ونضحك عليها، وكان أكثر ما أضحك الجميع في ما حدث ليس القصة نفسها، بل أننا جميعاً رأينا، على وجه سفيان وعنقه، آثاراً للأصابع شديدة الوضوح، حمراء جداً، وكانت في وضوحها تشبه بعض مشاهد الرسوم المتحركة، حقاً دون مبالغة!

وكان الجميع بين الفينة والأخرى، يأتون إلى مكتب سفيان، ويلقون نظرةً على وجهه، وينفجرون ضاحكين من تلك الأصابع الحمراء الثخينة، المطبوعة على خده بوضوحٍ شديدٍ يثير الغرابة والدهشة…

26/10/2013

Advertisements

تعليق واحد »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. قصة جميلة جداً، أعجبتني وضحكت وأنا أقرأها وأتخيل موقفي لو كنت موجوداً وكيف سأضحك …. حقاً “شر البيلة ما يضحك”


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: