عتمات ~

19/10/2013 عند 17:49 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

id-191013-jpg

.

كنتُ يومها في نحو العشرين من عمري، أجرُّ قدميَّ بتثاقلٍ نحو موقف الحافلات الكائن خلف المحطة الطرقية، أمسيةٌ مثل بقية الأمسيات، دراسة، تشاؤم، أصدقاء، ضحك، مشي، حافلة، ثم بيتٌ وطعام، فحاسوبٌ ونوم، وغداً يومٌ آخر يشبهه، وبعد غدٍ يومٌ آخر مماثل.

علا صوت أذان المغرب من مئذنة مسجد السوريين، ستظلم طنجة بعد حين، وسأضطر لانتظار الحافلة الخضراء طويلاً كما هي العادة، لا بأس، سأمتطي صهوة التفكير وأذهب إلى حيث يأخذني، وسأراقب فرشاة الليل الجميلة وهي تضرب في جنبات الأرض والسماء، في الحياة أشياء جميلةٌ رغم مشاكل الحافلة، يجب أن نعترف بذلك!

لحظاتٌ من المشي البطيء، الممتع، ثم أرحت جسدي المنهك على كرسي الانتظار في موقف الحافلة، وبعدها بقليلٍ كانت مصابيح الإنارة تقول كلمتها، مسلِّطةً وهجها البرتقالي على طغيان العتمة.

مسجد السوريين جميل الشكل، مازلت أذكر أول مرةٍ رأيته فيه، كنت مع والدي في سيارة أجرةٍ صغيرة، حين هتفتُ فجأةً وأنا أشير إليه:

– “كنيسة! كنيسة!”

ضحك القوم حتى بدت نواجذهم، وشرحوا لي أنه مسجدٌ للمسلمين وليس كنيسةً من كنائس النصارى، فقط هو مبنيٌّ على طرازٍ معماريٍّ آخر مختلف، ينتمي لبلدٍ بعيدٍ جداً اسمه سوريا، لم أفهم جيداً في ذلك الوقت.

عدد الطلاب كثيرٌ من حولي، جميعهم ينتظرون الحافلة الخضراء سيئة الذكر، أنظر إليهم ولا أراهم، أجسامهم متوحدةٌ مع الظلام الوليد، أصواتهم مرتفعةٌ لكنها لا تزعجني، كنت أفكر في أشياء أخرى، الجو باردٌ جداً، والسحب تكتظ في صفحة السماء، يبدو أنها ستمطر قريباً.

سمعتُ هدير محركٍ قادمٍ من بعيد، أعرف ذلك الصوت جيداً، والطلاب يعرفونه كذلك، لهذا تململوا جميعاً وبدأوا يتدافعون فيما بينهم، مِلْتُ بجسدي لأتفقد المركبة الفضائية القادمة لإنقاذ الناس من المبيت في الشارع، لم تكن هي الحافلة التي أنتظرها، عدت للاستناد من جديدٍ خائب الأمل، وتدافع الطلاب يتزاحمون عند بابها الأمامي بعد أن فُتح لهم.

الاكتظاظ كان شديداً داخل الحافلة حتى قبل أن يتدفق إليها كل هذا العدد من الطلاب! لفت نظري أن قليلاً من الركاب فقط هم الذين نزلوا من بابها الخلفي المخصص للخروج، كيف ستتحمل الحافلة كل هذه الكتل البشرية المتزاحمة؟ وكيف ستتحمل الكتل البشرية المتزاحمة بعضها البعض؟ عندما رأيت كل أولئك الواقفين الواجمين، المضغوطين فيما بينهم داخل الحافلة، قدَّرتُ أن من المستحيل عليها أن تتحمل شخصاً واحداً إضافياً، لكني أرى الآن عند بابها عشراتٍ من الطلاب يتدافعون للركوب، كيف ذلك؟ صعبٌ علي أن أتخيل، لكن العجيب حقاً أنهم جميعاً يتسعون في نهاية الأمر، وأن الوحش الأخضر يستطيع بأعجوبةٍ نادرةٍ أن يبتلع كل من في الموقف من المنتظرين، ثم ينطلق بزهوٍّ مخلفاً وراءه هديراً مزعجاً، وسحابةً كثيفةً من الدخان الأسود.

غادرت الحافلة، وساد الصمت من جديد، لقد غُيِّب أولئك الطلاب في عتماتها، فصاروا بالنسبة لي عدماً لا وجود له، لقد كانوا مجرد ومضة عبرت مجال بصري لبرهة من الزمن، ثم ابتلعتهم عتمات الماضي إلى الأبد.

وهكذا هم كل العابرين في حيواتنا، المقيمون منهم والراحلون، وجوهٌ كثيرةٌ تظهر في ضوء عيوننا فجأة، ووجوهٌ أخرى تغيب في عتمات الحياة، أو عتمات المدن، أو عتمات النسيان.

وجوهٌ متعاقبةٌ يتلو بعضها بعضاً، وما من وجهٍ إلا وستغيِّبه عنا إحدى العتمات، فأما الراحلون إلى الأبد فتغيِّبهم عتمات القبور، وأما الساقطون من أعيننا فيغيبون في عتمات القلب.

ازداد الليل إظلاماً، وازدادت المصابيح إنارةً وجمالاً، فكرتُ في أنه لولا وجود الليل لما كان لنور المصابيح ذلك الجمال، ولولا وجود الظلام لما كان للنور أي معنى، الجمال هو تداخل النور والظلام معاً، وأحدهما دون الآخر سطحٌ لا غَناء فيه.

البياض المطلق هو مثل السواد المطلق، عدم! محض عدمٍ ليس أكثر.

وكما أن النهار مجموعة أنوارٍ تزيِّنها بعض الظلال، فإن الليل مجموعة ظلالٍ تزيِّنها بعض الأنوار، وهما على هذا النحو في تعاقبٍ مادام في الشمس قدرةٌ على الاشتعال، ومادام في الأرض اقتدارٌ على أن تدور.

كذا هي الحياة، وكذا هو الجمال، أنوارٌ تتخللها العتمات، ثم عتماتٌ تتخللها الأنوار، ومن هنا تنشأ الحركة، وتشتعل الروح، وينبثق الجمال، وترفع الآمال رأسها عنقاءً تحيا من رماد الخيبات الماضية.

وما الحياة؟ أليست لحظةً واحدةً يدركها وعينا؟ لحظةً واحدةً فقط، هي ليست بالأمس وليست بالغد، هي الآن والآن فقط، ما الذي كنتُ أراه وراء سديم الاستشراف؟ ظلامٌ وبؤس، فسادٌ تعليميٌّ ووظيفي، مستقبلٌ أسود، بطالة، فقر، وأي قيمةٍ تكون لكل هذا مادمتُ قادراً على الوقوف في محراب الجمال خاشعاً متأملاً؟ أي وزنٍ يكون لكل هذه الرؤى التشاؤمية مادام عمود الإنارة يرسل ذلك الوهج البرتقالي الساحر؟

المستقبل؟ أي مستقبل؟ لا مستقبل هناك! المستقبل مشاهد مسرحيةٌ لم يُكشف عنها ستار الغيب بعد، مجموعةُ توقعاتٍ ساذجةٍ نادراً ما يصدق حدوثها، لا شيء من المستقبل موجودٌ الآن، هناك فقط سحب السماء وبرودة الهواء، أعمدة الإنارة وأضواء السيارات، ومسجد السوريين، ودفء معطفي، وصهوة الأفكار، ولا شيء آخر مطلقاً، لا شيء آخر على الإطلاق.

ليت كل هؤلاء القلقين يفكرون مثلي، أتمنى أن أخبرهم جميعاً بما يجول في خاطري، أتمنى أن أقول لهم واحداً واحداً، وبكل ما تستطيعه نبرات صوتي من ثقةٍ وتفاؤل:

– “أنا سعيد! أنا أشعر بسعادةٍ غامرة، أنا أعيش حياةً سعيدةً لأني أعيش هنا والآن، هنا والآن فقط، لا ماضي ولا مستقبل، هنا والآن فقط!”

أيها الليل لن تخيفني بظلامك، إن في روحي اشتعالاً لا قبل لك ولا لجنودك به.
 
 

* * *
 
 

شعرتُ بظلٍّ أسود ماثلٍ عن يساري، كان ظل رجلٍ قدِمَ للتو إلى الموقف، انخفض الظل، جلس الرجل إلى جانبي، هو أيضاً مثلي جاء لينتظر الحافلة، كان محظوظاً، فما إن جلس على كرسي الانتظار حتى بدأت السماء تجود بقطرات المطر الأولى، جميلٌ هو شعور الاحتماء من المطر في مكانٍ مغطى.

التفتُّ إلى الرجل لأتبين من يكون، فإذا به كهلٌ في أواخر الأربعينات من عمره، أو هكذا قدَّرت، يرتدي ملابس هي أقرب إلى الرثاثة، وله شاربٌ كثيفٌ تخلَّلَه غزو المشيب، ولحيةٌ شائكةٌ لم تُحلق منذ أيام، كان يرتدي قبعةً مستديرةً تغطي جلَّ جبهته، وكان يجلس مطرقاً برأسه حتى ليخيل إليك أن جميع هموم الدنيا قد حطَّت على عاتقه، وجهه قد حُفر عميقاً بأخاديد الزمن، أيُّ ركامٍ ذاك الذي يحمله هذا الكهل البائس رثُّ الثياب؟

تفرَّستُ في ملامحه أكثر، لا يبدو من النوع الذي ينزعج إذا أطلتُ التحديق به، بل لعله لن ينتبه لذلك أصلاً! لقد كان من ذلك النوع من الرجال الذي تجبرك ملامحه على الاعتقاد، يقيناً، بأنه إنسانٌ طاعنٌ في الحزن، لكن كيف ألومه؟ وكيف يحق لي ذلك؟ وما أدراني أنا، طفل العشرين من العمر، بما يرسم أخاديد الحزن على وجوه الرجال؟

إننا في صباح الحياة وضحاها نميل كثيراً إلى الاستخفاف بآلام النفس، ورسم الرؤى المشرقة عن المستقبل، واحتراف عيش اللحظات السعيدة دون مبالاةٍ بما سيأتي، لكن يبدو أن الأمر يختلف كثيراً في عصر الحياة، أو في مغربها، لعل ذلك الرجل قد قاسى في حياته ما نحاول نحن الشباب صرف أذهاننا عن التفكير فيه، وفي احتمال وقوعه، أو ما لا نستطيع نحن بأعمارنا الغضة أن ندركه أصلاً، ولو أني وضعت يدي على كتف الرجل مواسياً، وكلمته عما جال في صفحة ذهني البريء من خواطر حول سعادة عيش اللحظة، لنظر إلي غير فاهمٍ لما أقول، ولاستخفَّ بي استخفافاً شديداً، وربما يقع في نفسه من الشعور بالإهانة ما الله به عليم.

نعم، ما من إهانةٍ أعظم من أن يمسح الشاب على أحزان الشيخ، وأي شيءٍ يعلمه الشاب المغرور عن قساوة الحياة؟ وأي شيءٍ يدركه الطفل الغرير عن قهر الرجال؟

أحسستُ بنفسي أتضاءل أمام جبروت حزنه، وشعرتُ بتفاهة كل ما كنت أفكر فيه وأشعر به، بتفاهة آلامي وآمالي، أفراحي وأحزاني، نجاحاتي وإخفاقاتي، وكل الأفكار التي تتسابق في مضمار وعيي، في النهاية أنا مجرد يافعٍ صغيرٍ في العشرين، أذهب إلى المدرسة وأعود إلى المنزل، آكل وأشرب، وألبس وألعب، وأضحك حتى البكاء، وأسوأ كوابيسي أن يخذلني صديق، أو أن أرسب في امتحان آخر العام!
 
 

* * *
 
 

تململ الرجل من مكانه بعد جمودٍ طال، والتفتَ إلى يساره نحو طفلةٍ صغيرةٍ كانت تجلس إلى جانبه وقد قدِمت معه، أغلب الظن أنها ابنته، عالج بيديه شيئاً ما لم أتبيَّنه، لعله عدَّل طوق قميصها أو سترتها، ثم عاد إلى هيئته الأولى من جديد.

لهذا الرجل ابنةٌ صغيرةٌ إذاً، وهي تجلس أمامه بهدوءٍ تام، كانت تريح رأسها على مسند الكرسي، فكان وجهها بذلك مخفياً بجسد والدها، ولم أتمكن من رؤيته، كل ما رأيته من تلك الطفلة كان جانباً من جسمها الصغير المكسوِّ بقميصٍ وردي اللون، وسترةٍ دافئةٍ رماديةٍ تنسدل عليها خصلاتٌ من شعرٍ ذهبيٍّ ساحر، وبنطلونٍ أبيض خفيف، وكانت تنتعل حذاءً رياضياً جميل الشكل، غير أنه بالٍ مهترئٌ تكسوه طبقةٌ من الوحل الجاف.

وإذ كانت الفتاة طفلةً صغيرةً فما كان باستطاعتها أن تصل بقدميها إلى الأرض، فكانت ساقاها تتدليان، وكانت تؤرجحهما بهدوءٍ وبطء، إنها تلك التسلية الممتعة، المتاحة فقط للأطفال الذين لم تصل أقدامهم بعد إلى الأرض إن جلسوا.

كم عمر تلك الطفلة؟ إني لا أرى ملامحها، لعلها في الرابعة من عمرها، أو في الخامسة، لست بارعاً في تقدير أعمار الأطفال، كل ما فكرتُ فيه أن والدها ينبغي أن يكون سعيداً بها، أي حِملٍ تراه يجثم على عاتق الكهل وطفلةٌ كهذه تنير دروب حياته؟ دائماً أسمع الجميع يقولون بأن الأطفال هم نور الحياة وزينتها، وأن نظراتهم، وابتساماتهم، ولهوهم، وجذلهم، وأسئلتهم البريئة، وشقاوتهم، كل هذه أمورٌ تمنح للحياة معنىً تظل بدونه ناقصةً تماماً، أليس لهذا الرجل طفلةٌ تستقبله بفرحٍ عندما يعود إلى منزله؟ ألا يمتلئ سعادةً وحبوراً حين تغمره بنظرات الإعجاب البريئة؟ أليست إشراقةُ فرحٍ في محياها كافيةً لأن تنسيه هموم اليوم والليلة؟

أليس الأطفال مصابيح كاشفةً تبدِّدُ عتمات الحياة؟

لعلي لا أزال صغيراً على أن أفهم أوجه التناقض في المشهد الكئيب الماثل أمامي.

ومن يدري؟ وما أدراني أنا؟ وأنَّى لي أن أدرك الأبعاد الخفية وراء حزن رجلٍ يكبرني بأكثر من عمري، وله طفلةٌ يتلألأ فيها كل ذلك الجمال؟

الجمال… هل قلت الجمال؟ كيف عرفتُ ذلك؟ أنا لم أر ملامح الطفلة! لكن متى كان ذلك مهماً؟ هي جميلةٌ فاتنةٌ في عيني والدها، وهذا فقط أكثر من كاف.

إننا نحن الشباب كثيراً ما نعتنق بضع أفكارٍ عن السعادة، ثم نحسب أننا ملكنا بها مفاتيح الكون كله وأسراره العميقة، ولا نلبث بعد ذلك أن نستنكر على الآخرين أشجانهم وأحزانهم، ونستخف بخيباتهم وسقطات قلوبهم، فقط لأنهم لا ينظرون إلى الحياة بمثل منظارنا الوردي المتفائل، وننقم منهم أنهم لم يتمثلوا في أذهانهم تلك العبارات المتفائلة القصيرة التي نسرع إلى تدوينها وحفظها، ونعتبرها محتويةً على خلاصة أسرار النفس والحياة.

لقد لمت ذلك الرجل كثيراً في نفسي، ولو أني تماديت في تفكيري لوصفته بالجحود وكفران النعمة، وماذا عساها تكون مشكلته؟ عملٌ مضن؟ فقرٌ مدقع؟ مشاكل عائلية؟ ما كنت لأقبل منه كل هذه الأعذار لو ألقى بها تبريراً لهذا الحزن المتجذر في تربة وجهه وصفحة عينيه، ولعله لو كُشف له حجاب الغيب، وأتيح له أن يطلع على ما يجول في تفكيري في تلك اللحظة، لقال لي بأن تلك الطفلة التي أحسبها مصباحاً ينير دروب حياته، هي نفسها سبب كل ما ألمَّ به من حزنٍ وتعاسة، وكيف لا يحزن وله طفلةٌ جميلةٌ لا يستطيع إسعادها؟ كيف لا يحزن وبين يديه ملاكٌ لا يقدر على أن يبتسم؟ كيف لا يحزن وفي بيته فراشةٌ ذابلةٌ أنهكها الجوع والفقر؟

ألسنا نقول بأن سعادة الآباء من سعادة الأبناء؟ فكيف يسعد الآباء والأبناء تعساء؟

كيف يضيء المصباح والمفتاح معطل؟

أسئلةٌ كثيرةٌ تفرعت عنها أسئلةٌ كثيرة، وأنا لم أزل جالساً في مكاني منتظراً الحافلة التي أبت أن تأتي، وفي خلفية الأفكار إيقاعُ مطرٍ بطيءٌ متصاعد.

ظلمة الليل استبدت بلون السماء أو كادت، مسجد السوريين، مصابيح الإنارة ترسم سلسلةً من وهج النور على جنبات الطريق، وأضواء السيارات تعزف لحنها الليلي الهادئ.

كهلٌ حزينٌ مطرق، قبعةٌ دائريةٌ منسدلةٌ على عينيه، طفلةٌ تستند على الكرسي، شعرٌ ذهبيٌّ ساحر، ساقان صغيرتان تتأرجحان بجذل.
 
 

* * *
 
 

هدير المحرك مرةً ثانية، إنها هي هذه المرة دون شك، الحافلة التي طال انتظاري لها، مِلْت بجسدي لأتبين الرقم القادم من عتمةٍ ما، يا للأسف! ليس هو الرقم المطلوب.

عدت مسنداً ظهري من جديد، خائب الأمل وضجراً من طول الانتظار، ويبدو أن الرجل الجالس أمامي كان أوفر حظاً مني، فقد جاء بعدي، وسيغادر قبلي، تلك كانت حافلته التي كان ينتظرها.

تململ الرجل من مكانه، قام، ضبط شكل قبعته الدائرية، مدَّ يده نحو ابنته، أمسك بيدها وجذبها جذباً خفيفاً، قامت البنت، ومشيا أمامي نحو الحافلة المكتظة عن آخرها، والتي تجمهر عند بابها الأمامي حشدٌ آخر يتدافع للدخول.

مضى الرجل بخطىً ثقيلة، بدا غير مكترثٍ بالإسراع نحو زحام الباب، مضى ممسكاً بالأصابع الصغيرة الغارقة في راحة يده، ورأيتُ وجه الطفلة أخيراً كقنديلٍ باهتٍ محمولٍ وسط الظلام، وكانت صدمةً كبيرة…

جحظت عيناي، وانخلع قلبي، وأظلمت كل الموجودات في مجال رؤيتي، ولم يبق غير وجه الطفلة ماثلاً أمامي، بكل ما يحتويه من قدرةٍ على الطعن والاختراق وإدماء القلب.

كان وجهاً مشوهاً تماماً، ولم أعرف أكانت تلك التجاعيد والثنيات المؤلمة للقلب طبيعيةً أم أنها حدثت نتيجة حريقٍ مهول، غير أن الأكثر مأساويةً في وجه الملاك كان افتقاره لأهم ما يمكن أن يمنحه نور الحياة وضياء البهجة، كان وجهاً مفتقراً لتينك الجوهرتين اللتين نسميهما، مجازاً، العينين!

نعم، كانت طفلةً وُلدت دون عينين…

كلا، هذه ليست قصةً خياليةً تُبنى على المبالغة في الأوصاف واستجداء الكنايات، بل إني رأيتها رأي العين حقاً كما يرى أحدكم كلماتي هذه، كانت ذات شعرٍ ذهبيٍّ ساحر، وحاجبين شقراوين جميلين، ومكان العينين لم يكن غير جلد الوجه، مع حفرتين صغيرتين جداً، تحيط بهما دائرةٌ من عمشٍ كثيف، أو هكذا ظننته.

وكانت ترفع رأسها قليلاً نحو الأعلى، شأن كل العميان، ومن يدري؟ لعلها كانت تنظر في السماء إلى ما لا نستطيع نحن رؤيته على سطح الأرض.

خطا الرجل خطوة، وأتبعها بأخرى، وخطت البنت، ولم أكن قد استوعبت بعد صدمة وجهها وعينيها، حتى صُدمت بخطواتها وهي تمشي، لقد كانت شديدة العرج، بشكلٍ مهولٍ فظيع، وكانت إذا خطت بيسراها انثنى ظهرها انثناءً شديداً، ثم إذا أتبعتها خطوةً باليمنى عاد ظهرها مستقيماً، وهكذا كانت مشيتها، ينثني ظهرها تماماً إذا قدَّمت رِجلها اليسرى، ثم يعود مستقيماً بعد أن تتبعها باليمنى.

وتوقف عقلي عن استيعاب أي شيء، وتجمد الوقت في وعيي، وسكنت كل الأصوات، وتوقف كل شيء عن الحركة، ولم أعد أرى غير كهلٍ حزينٍ يخطو ببطءٍ نحو باب الحافلة، ومعه طفلةٌ دون عينين، يجرُّ جسمَها النحيلَ هيكلٌ عظميٌّ محطَّم.

وصل الرجل إلى باب الحافلة، انحنى، حمل ابنته بيديه، لفَّت البنت ذراعيها الصغيرتين على عنقه، وأراحت ذقنها على كتفه، واندس هو يتلمس طريقه وسط زحام الباب، ولم تمض لحظاتٌ حتى غيَّبتهما عتمات الحافلة، ولم تمض لحظاتٌ حتى غيَّبت الحافلةَ عتماتُ الطريق.

عتماتٌ تغيِّبها العتمات.

وبقيتُ أنا، جالساً في مكاني دون حراك، متجمد الوعي والتفكير، وتسرب الليل من حواسي كلها، وجرى يسابق دمي، وجثم على قلبي أسود ثقيلاً…

مفعماً بالعتمة…

أغمضتُ عيني، انطفأت شاشة المرئيات، هذا السواد إذاً هو عالم تلك الصغيرة، فيه وُلدَتْ، وفيه ستحيا، وفيه ستموت، إنها لم تر شيئاً من قبل منذ وُلدت، ولن ترى أي شيئٍ إلى أن تموت، وسيكون أول عهدها مع النور استيقاظُها من القبر.
 
 

* * *
 
 

آهٍ، يا لتعاستكِ أيتها الصغيرة، يا لتعاستكَ أيها الأب المسكين.

الآن فقط أفهم كيف يمكن أن تكون تعيساً إلى هذا الحد، الآن فقط أفهم كيف أنه في الوقت الذي أتفلسف فيه حول تلمُّس الجمال والسعادة من مزاج النور والعتمة، فإن هنالك أناساً لا يملكون ترف تمييز الأنوار والألوان، أناساً حياتُهم كلها عتماتٌ تكسوها عتمات، قبلها عتماتٌ وبعدها عتمات، فوقها عتماتٌ وتحتها عتمات.

ومازالت الحياة ستريني المزيد والمزيد، ومازلتُ على موعدٍ مع الكثير من أشعة الشمس، والظلال المنعكسة، ومصابيح الإنارة، وعتمات الليل.

إن الكبار لا يحزنون لأنهم يريدون ذلك.

جاءت حافلتي أخيراً، لقد أخرها الله عني كي يريني ما رأيت، لحكمةٍ يعلمها، ومضيتُ أدسُّ نفسي في عتماتها وزحامها، وأتلمَّسُ موطئ قدمٍ يحفظ لي وقوفي وسط كل تلك الوجوه المكتظة الكالحة.

وانطلقت الحافلة في مسارٍ معلومٍ نحو قدرٍ محتوم، انطلقت تمخر عباب الليل، وتخرق ستار المطر…

19/10/2013

Advertisements

تعليق واحد »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. كلام جميل و الاروع انه قريب……. لكن ليس من الضروري ان نخجل من تأملاتنا لان هناك شخصا اخر في هذه الدنيا في مكان ما يعاني بصمت كئيب… فهناك حكمة من كل شئ لعلنا نفهمها يوما فلطالما كان الابتلاء اختبارا لايماننا و مدى تحملنا فاي شئ يصيبنا و نصبر عليه يرفع درجاتنا…. و لعله خير….. و لعل تلك الاخاديد في وجه الاب الحنون سوى دليل على قوة صبره فهي لا ترى الا بعينه…. ولربما من يلمس ذلك البعد الامتناهي هو من يفهم المعنى الحقيقي للسعادة…….على عكسنا.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: