الإرهاب الفكري بنظرية المؤامرة ~

12/10/2013 عند 15:37 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

irhab fikri

.

مما ينزلق فيه كثيرٌ من المثقفين في حواراتهم الفكرية، عن قصدٍ أو غير قصد؛ فخُّ “الإرهاب الفكري” لمناقشيهم، وأوضح ما يتجلى ذلك عندما يتعلق الأمر بمواضيع ذات صلةٍ بما يسمى بنظرية المؤامرة.

وهؤلاء (المثقفون) الذي أتحدث عنهم، ينتمون إلى الفئة الرافضة رفضاً قاطعاً لنظرية المؤامرة، ولكل ما يتعلق بها، ولكل القضايا والمواضيع المطروحة حولها، وقد يتعصب بعضهم في ذلك إلى درجة الانفعال الشديد وانفجار الغضب، والرفض الفوري القاطع الحاسم لأي استماعٍ للرأي الآخر، لا لشيء سوى لأن ذلك (الرأي الآخر) مرتبطٌ بتلك النظرية سيئة الذكر.

وهم يستندون في موقفهم المتعصب هذا على بعض الحجج، والغريب أنها جميعاً حججٌ فكريةٌ نظريةٌ تبتعد كثيراً عن الواقعية والموضوعية، وتنأى عن الرغبة الجادة في مناقشة أدلة الطرف الآخر وتقصِّي الحقائق المجرَّدة كما هي، بل هو الرفض من أجل الرفض فقط، واستناداً على منطلقاتٍ وصورٍ ذهنيةٍ لم تخضع لأي تمحيصٍ علميٍّ صارم.

ونذكر من حججهم هذه، وهي من أسخفها وأكثرها تهافتاً؛ قولهم بأن مثل هذه النظريات لا تسهم في تقدم الأمة! أو بأنها سببٌ في التهويل من حجم الآخر وخطره، واعتبار أن له قدرةً خارقةً على التغلغل في كل صغيرةٍ وكبيرة، وهو ما يضعف العزائم ويوهنها، ويدعو الناس إلى الاستسلام والخمول والكسل!

ومن الحجج أيضاً قولهم بأن (نظرية المؤامرة) تشجع على الخطاب العدائي للآخر، أو بأنها تجعلنا نتلذذ بتمثيل دور الضحية المغلوب على أمره، وبهذا سنتكاسل عن العمل من أجل التقدم بأممنا نحو الأمام في طريق النهضة الحضارية، وغير ذلك من الحجج المشابهة، والتي وبالتدقيق جيداً فيها، نجد أنها لا تكذِّب بالضرورة ما جاءت به نظرية المؤامرة، بل هي فقط تطلب من الناس عدم الانتباه لها والاهتمام بها، لأنها من النظريات الضارة بالصحة الفكرية، أو لأنها أشبه بالمخدر الذي يُفقد الأمم وعيها ويعيقها عن العمل والحركة في سبيل التقدم والحضارة.

ولو أردنا أن نختزل خطابهم هذا ونوجزه في كلمات قليلة تعبِّر عن لسان حالهم وما يريدون قوله، فإننا لا نجد على الإطلاق في خطابهم أنهم يقولون:

– “هذه النظرية كاذبة، والأدلة حولها لا تثبت علمياً، ونستطيع تفنيدها بالمنهج العلمي، وبذلك فهي مجرد أوهام.”

بل ما نجدهم يذهبون إليه هو مجرد الاكتفاء بقولهم ما معناه:

– “أيها الناس، لا تستمعوا لنظرية المؤامرة، ولا تصدقوها، فإنها توهن من عزائمكم وتعيق تقدمكم!”

وتنقسم هذه الفئة من الناس القائلة بهذا الكلام إلى قسمين:

القسم الأول: وهو القسم العميل بفكره وكيانه إلى الهوية الغربية، فهؤلاء معجبون بالغرب متيَّمون بإنجازاته المادية، ومنبهرون أشدَّ الانبهار بما وصل إليه من تقدمٍ علميٍّ وتكنولوجيٍّ وعمراني، فالغرب قد صار بالنسبة لهم المثل الأعلى، ومهوى الأفئدة، والملاك الخيِّر، وجنة الله في أرضه، فهم متجهون بأرواحهم نحوه ونحو بريقه وأضوائه، ولما كان من طبيعة المهزوم نفسياً أن يرتمي في أحضان الغالب، فقد ارتمى هؤلاء في أحضان المبادئ الغربية وتبنَّوها، واعتقدوا بها، وسعوا إلى نشرها، ودعوا بحماسةٍ إلى إنزالها على البلدان العربية، واعتبروا المناهضين لمثل هذه التوجهات جهلةً متخلفين، وحجر عثرةٍ في طريق التقدم المنشود نحو الشمس العلمانية التي سطعت في بلاد الغرب.

وهؤلاء يعانون غالباً من انسلاخٍ كاملٍ عن الهوية الإسلامية، بل ربما يظهر فيهم بعض العداء لها، الصريح منه وغير الصريح، ولن نستغرب لو رأيناهم يؤمنون حرفياً بنفس الأطروحات الغربية المتعلقة بالحرب على الإرهاب، وبذلك فإن أي حربٍ يشنها الأعداء على المسلمين هي بالنسبة لهم حربٌ على الجماعات الإرهابية، وهي بذلك عملٌ نبيلٌ يُضاف إلى سجل الإنجازات الخيِّرة للدول العظمى في العالم، والساعية نحو إرساء قواعد الحرية والإنسانية والإخاء في الشرق الأوسط والبلدان الإسلامية بشكل عام.

إن صريح العقل يخبرنا أن أناساً هذه هي طريقة تفكيرهم، لمن المستحيل بمكانٍ أن يقبلوا أي فكرةٍ أو تفسيرٍ له علاقةٌ بنظرية المؤامرة، لأن تلك النظرية تتحدث عن تآمرٍ شريرٍ من الدول الغربية ضد الدول الإسلامية، فهي تصوِّر الغرب على أنه شيطانٌ شرير، وهؤلاء هم أصلاً منسلخون عن الهوية الإسلامية، ويرون أن ما تفعله دول الغرب العظمى هو الصواب، لذلك لن نستغرب حتى لو أبدوا موافقتهم وتأييدهم لبعض تلك المبادئ والأفعال التي تصنَّف بحسب نظرية المؤامرة أفعالاً شريرة تهدف إلى اقتلاع الهوية الإسلامية من جذورها!

وكمثالٍ على ذلك، قد تقول نظرية المؤامرة:

– “إنهم يهدفون لضرب الهوية الإسلامية عبر تجفيف منابع التربية الدينية في المدارس، وحذف بعض المواد والمواضيع، وحتى بعض الآيات القرآنية من المناهج الدراسية.”

وعندها سيقولون هم، بسذاجةٍ أو بخبثٍ والله أعلم بنياتهم:

– “وما المشكلة؟ أليس هذا أمراً مطلوباً؟ أليس من الجيد تجفيف منابع التطرف التي قد تقود إلى الإرهاب؟”

وهذا مثالٌ آخر، تقول فيه نظرية المؤامرة:

– “كيف لا تؤمنون بتآمر الغرب علينا؟ ألا ترون جرائمهم البشعة واحتلالهم لأراضينا؟ ألا ترون كيف يقتلون إخواننا ويدعمون طغاتنا؟”

وهنا سيجيبون أيضاً، بسذاجةٍ أو بخبثٍ والله أعلم بالنيات:

– “وما المشكلة؟ الغرب أخذ على عاتقه مهمة محاربة الإرهاب، والقضاء على الجماعات الإرهابية التي تهدد مصالحه، وذلك من حقه، وضرباته العسكرية تستهدف فقط المعاقل العسكرية الإرهابية، لا تلوموا الغرب بل لوموا أنفسكم، المشكلة فيكم وفي كثرة الجماعات الإرهابية التي تعشِّش في بلدانكم، والتي تهدد الأمن القومي في مختلف مناطق العالم وبلدانه التي تمارس حقها في الدفاع عن النفس والممتلكات!”

القسم الثاني: وهو يضم أولئك المنشغلين المهووسين بفكرة الحضارة العربية والإسلامية، والمتباكين بلا انقطاعٍ على الأمجاد الضائعة في الشام والمغرب والأندلس، وهؤلاء على خلاف القسم الأول، لا يعانون من ذلك الانسلاخ عن هويتهم الإسلامية، بل إن تلك الهوية هي متجذِّرةٌ في أعماق نفوسهم، ونجدهم أكثر الناس رغبةً في إعادة أمجاد الحضارة الإسلامية، وفي أنفسهم حرقةٌ شديدةٌ وألم ممضٌّ على تردِّي الأوضاع، وعلى هذا الانحطاط الذي نعيش فيه، وهم يرون أنه قد كانت للمسلمين في يومٍ ما حضارةٌ عظيمة، لكنهم ضيَّعوها بإهمالهم، فسرقها الغرب منهم، وطوَّرها، ووصل إلى ما وصل إليه اليوم من تقدمٍ علميٍّ ومادي، وله كامل الحق في ذلك، فقد عمل الغرب واجتهد وبذل الغالي والنفيس على مرِّ قرونٍ طويلة، وحُقَّ له الآن أن يجني ثمار عمله، ولا عزاء للمتخاذلين الذين ركنوا إلى الضَّعة والخمول فضاعت منهم أمجاد أجدادهم.

وهذه الفكرة هي فكرةٌ صحيحةٌ من الناحية النظرية، لكن تظل مشكلة هذا القسم أنه ينظر للإسلام من زاوية نظرٍ واحدة، أو أنه يبالغ في تقدير زاوية النظر تلك على حساب بقية الزوايا، وأعني هنا زاوية (الحضارة)، فهو ينظر للإسلام على أنه حضارة، حضارةٌ فقط ولا شيء غيرها، وعندما نقول (الحضارة) فإننا نتجه تلقائياً نحو ما هو مادي، نحو العلوم المادية والتجريبية والإنجازات العمرانية وغير ذلك، ولهذا فهم أيضاً يقفون وقفة المنبهر بإنجازات الغرب في مجال الحضارة المادية، ويتصورون أن الغاية الوحيدة العظمى لدين الإسلام هي بناء (حضارةٍ إنسانيةٍ) على سطح الأرض، ومن هنا تسرَّبت إلى نفوسهم تلك الهزيمة الروحية التي قادتهم نحو التطرف في جلد الذات وتعظيم الآخر.

من هذا المنطلق، فإن هؤلاء الغاضبين لن يقبلوا مطلقاً أي نظريةٍ تحاول أن تقول لهم بأن سبب انحطاطنا الحالي هو مخططات الغرب السرية، وأنهم هم السبب في ما نحن فيه، مثل هذه الأفكار تستفزهم بشدة، وتجعلهم أحياناً يصرخون في وجهك بانفعالٍ شديدٍ قائلين:

– “الغرب! الغرب! كل شيءٍ تلصقونه بالغرب! كل هزائمنا ومآسينا ونكباتنا تلصقونها بالغرب! بل نحن السبب في ما نحن فيه! نحن السبب! الغرب مشغولون عنا ببناء حضارتهم، وهم لا وقت لديهم ليضيعوه في الاهتمامات الفارغة وإقامة المحافل الماسونية الهادفة لتدمير الإسلام كما تزعمون أو تتوهمون! مثل هذه النظريات هي سبب تخلفكم أيها المسلمون! اتركوا هذه الأوهام وقوموا لتتعلموا وتعملوا، الغرب اجتهد وعمل فوصل، هنيئاً له! فمتى نجتهد ونعمل نحن أيضاً؟ قطعاً لن نتقدم ومازال فينا من يعتقد بأن الماسونية هي التي تحكم العالم وتتدخل في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ فيه، ثم يركن إلى الكسل والخمول بسبب ذلك!”

إن جمرة الغضب التي تشتعل في نفس المنتمين لهذا القسم، وسخطهم البالغ على الأوضاع، وتحسُّرهم على الأمجاد الضائعة، وتحميلهم أوزار الانحطاط والتأخر للمسلمين أنفسهم وليس للغرب، كل هذه أمورٌ تجعل صدورهم ضيِّقةً جداً لكي تتقبل الأفكار التي تعبر عنها نظرية المؤامرة، لذلك فهم غالباً ما يرفضونها وينبذونها، ويمقتون حتى مجرد الاستماع إليها ولأدلتها، وربما مارسوا بذلك إرهاباً فكرياً ولفظياً قاسياً وعنيفاً على المناصرين للنظرية، والناشرين لها، والمروِّجين للأدلة والوثائق التي تثبت صحتها في نظرهم.

وننتقل هنا إلى مستوىً أعمق من التحليل لهذا الموضوع، وهو ما يمكن أن نصل إليه بواسطة التأمل العميق للحالة الفكرية لفئات المثقفين فيما يتعلق بنظرية المؤامرة.

إننا نستطيع أن نلاحظ، هناك في تلك الأعماق السحيقة، أن أشرس الرافضين لنظرية المؤامرة هم مؤمنون بها في بعض جوانبها، من حيث يشعرون أو لا يشعرون! وبل ولا يمانعون من التصريح بذلك علناً بصيغة أخرى، وبحججٍ وتبريراتٍ ومصطلحاتٍ مختلفة، وعندما نحاول استكشاف الأمر أكثر فإننا نقف على الملاحظة التالية؛ وهي أن نظرية المؤامرة تتكون من عدة جوانب، من أبرزها الجانب العقائدي، والجانب الاقتصادي.

الجانب العقائدي لنظرية المؤامرة يتحدث عن حركاتٍ صهيونيةٍ عالمية، وحركاتٍ ماسونيةٍ سريةٍ هدَّامة، تقوم على أساسٍ دينيٍّ عقائديٍّ يهودي، وتدَّعي أنها تسعى لنشر مبادئ الإنسانية والمحبة والإخاء بين كل البشر على كوكب الأرض، على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم ومذاهبهم، لكنها في حقيقتها منظماتٌ هدامةٌ تسعى لإقامة دولة اليهود المزعومة، وترسيخ عقائدهم، وإحكام سيطرتهم على العالم، ليصير الأمميون غير اليهود عبيداً لهم، كما هو معروفٌ من عقائدهم التي يؤمنون بها، وأن كل ما يقع في عالمنا الإسلامي من أشكال الفساد إنما هو من تخطيط تلك النخبة الحاكمة وراء الظل، والصادرة عن منطلقٍ عقائديٍّ بحت، والتي استطاعت بالمال والنفوذ والدسائس أن تحكم قبضتها على المحاور المفصلية التي تشكِّل الأوضاع المعيشية والأخلاقية والفكرية لشعوب العالم وحكوماته.

وأما الجانب الاقتصادي لها فهو مبني على نظريات المال والأعمال والأرباح والأطماع، أي أنها متمركزة على محور رأس المال، وهي تتحدث عن أن دافع الجشع في نفس الإنسان قوي جداً إلى درجةٍ يصعب تصورها، ولذلك فإن معظم السياسات العالمية هي متمحورةٌ بالدرجة الأولى على رأس المال، وأن جشع المال هو التفسير الأنسب لكل أحداث العالم وظواهره وسياساته ودسائسه، وأن القوة العظمى هي قوة الدولار، وأن الحكام الحقيقيين للعالم هم أصحاب الشركات الكبرى العابرة للقارات، والذين يستطيعون بنفوذهم الاقتصادي الهائل أن يتحكموا في سياسات العالم بما يخدم مصالحهم الخاصة.

إننا نستطيع أن نؤمن بأنه ومن وجهة نظرٍ منطقية، لا يوجد تناقض أو تعارض بين الجانبين، لكن الذي نلاحظه أن أشرس الناس عداءً لنظرية المؤامرة، هم في الواقع يعادون جانبها العقائدي فقط! في حين أنهم يتفقون تماماً مع (المؤامرة الاقتصادية) المتمثلة في استغلال النفوذ والدسائس، والسياسات الإعلانية والإعلامية، والتضليل عن الحقائق، وغير هذا من الأفعال التي يمكن تصنيفها – لغوياً وأخلاقياً – في خانة (التآمر).

ولنضرب مثالاً على ذلك، فقد يأتي متحمس لنظرية المؤامرة ليقول تعليقاً على فيلمٍ من الأفلام:

– “إنه فيلمٌ خطيرٌ يسعى لنشر أفكارٍ غامضةٍ شريرة، إنه مليءٌ بالرموز المحيرة، كما أنه مفعمٌ بالمشاهد الإباحية الفاسدة أخلاقياً، إن صناع هذه الأفلام يريدون نشر الرذائل وإشاعة العقائد الباطلة وإفساد أخلاق الناس!”

وهنا سيرد عليه عدو النظرية قائلاً، بغضبٍ وانفعالٍ كعادته:

– “ليس لغبائكم حدود! الدافع الوحيد وراء كل هذا هو الأرباح المادية لشركة الإنتاج! كيف تصدق أن أولئك الأشخاص سيهتمون بزعزعة عقائدك أو إفساد أخلاقك؟! كبِّر عقلك! لا وقت لديهم لهذا الهراء! هم يريدون المال، المال فقط! تحقيق الأرباح هو الدافع الوحيد للإنتاج السينمائي.”

وإليكم مثالاً آخر، يقول فيه صاحب نظرية المؤامرة:

– “إنهم يريدون إفساد أخلاق المجتمع بواسطة إفساد المرأة، ألا ترون أنهم قاموا بتعرية المرأة المسلمة ونزع حجابها؟ ألا ترون أن الأخلاق تضيع في عالمنا الإسلامي؟ ألا ترون أن الشركات العاملة في مجال الموضة والملابس ومستحضرات التجميل تستهدف بوضوحٍ الهوية الإسلامية وطريقة الحياة؟ أليست تفرض علينا الأذواق والتوجهات ونمط العيش؟ ألا ترون أنها تستهدف الهوية والأخلاق؟ ألا ترون أن السياسات الإعلانية للماركات العالمية قائمة أساساً على الكذب والخداع والتضليل؟”

وسيجيبه عدو النظرية قائلاً، بثورةٍ وانفعالٍ عارمين كعادته:

– “الأرباح الاقتصادية هي السبب، وهي الدافع الوحيد الذي يحرك تلك الشركات، إنها تستغل الرغبات الإنسانية الطبيعية وتسعى لاستفزازها وتحفيزها، وعلى هذا الأساس تقوم كل السياسات الإعلانية لتلك الشركات، والمضلِّلة أحياناً، إنهم يريدون المال، وهم قد لا يؤمنون بالأخلاق مطلقاً، فلا تتوقع منهم تصرفاً أخلاقياً، إن صناعة الموضة والملابس ومستحضرات التجميل وغيرها هي نابعةٌ فقط عن الدافع الاقتصادي لتلك الشركات، ولا أستطيع أن أتصور أبداً أن المشرفين عليها يفكرون مجرد تفكيرٍ في أنهم يفعلون ذلك عمداً لسببٍ سخيفٍ مثل إفساد أخلاق النساء، أو سلخك عن هويتك الإسلامية! إن لهم انشغالاتهم الخاصة التي هي أكبر من هذا الهراء، وفي النهاية أنت حرٌّ لتلبس ما تشاء ولتعيش بالطريقة التي تريد!”

بالتدقيق جيداً في هذه العبارات الأخيرة، يمكن أن نلحظ بأن قائلها هو بالفعل مؤمنٌ بـ (نظرية المؤامرة)، رغم أنه يبذل جهوداً كبيرةً لمحاربتها، لكن ما يغفل عنه أنه يحارب نظرية المؤامرة في شقِّها العقائدي فقط، لكنه يتفهم جيداً فعل (التآمر) عندما يكون لأسبابٍ اقتصاديةٍ متعلقةٍ بجشع المال والنفوذ، يتفهم ذلك تماماً ويؤمن به، ولا يجد أدنى حرجٍ في تصديقه والاعتقاد به.

ولو تأملنا جيداً في سبب هذه المفارقة، فسنجده عائداً للتركيبة الفكرية بالدرجة الأولى، فهؤلاء الأشخاص هم قادرون على تفهم واستيعاب جشع الإنسان للمال والأرباح والنفوذ، وهو جشعٌ مبرَّرٌ ومفهومٌ في الطبيعة الإنسانية، وقد يدفع الإنسان لاتخاذ وسائل غير أخلاقية لإرضائه، كالتآمر مثلاً! والدسائس، والخدع والنفاق، هذه كلها أمورٌ يمكن أن نتفهمها عندما يكون الدافع وراءها هو المال، لا شيء أسهل من أن نتوقع بأن الهدف وراء مؤامرةٍ أو دسيسةٍ ما هو المال! هذا شيءٌ بسيطٌ للغاية ومفهومٌ وكثير الحدوث في الواقع، بل وفي أبسط مستويات الحياة اليومية، ولا يحتاج إلى كثيرٍ من الشرح، لكن ما يصعب تصديقه هو أن تكون مؤامراتٌ بهذا الحجم الذي تروِّج له نظرية المؤامرة نابعةً عن دافعٍ عقائدي!

هذه الفكرة تحديداً هي ما يبدو عصياً على الفهم بالنسبة لهم، إنهم لا يستوعبونها، وهي لا تتسع في عقولهم، إنها تبدو لهم وهماً من الأوهام لا يستطيعون تصديقه أو مجرد تخيله، لذلك فهم يرفضونها رفضاً قاطعاً، وبعنفٍ قد يصل أحياناً إلى مستوى الإرهاب الفكري، وهو ما يعود في غالب الأحيان لمكان العقيدة في نفوسهم، وهو مكان ضيقٌ صغير، وقد يكون شبه منعدم، لأنهم يفهمون العقائد على أنها آراءٌ شخصية، ولا يفهمون من الإسلام إلا أنه مجموعةٌ من العبادات، ويتضمن منظومةً من الأخلاق الحميدة في مجال المعاملات لا أكثر، ويتوقعون أن قادة العالم يفكرون أيضاً بهذه الطريقة، لذلك فإن عقولهم لا تستوعب أن تكون هناك حركاتٌ كبرى في العالم تنطلق من رؤيةٍ عقائدية.

هم يفهمون جيداً أن يتآمر الإنسان لأجل المال، لكنهم لا يفهمون أن يتآمر من أجل رضا الله وجنة الآخرة!

وربما كان من أبرز مظاهر هذا (الإرهاب الفكري) الذي يتورط فيه من يحاربه؛ تصويرهم لأنصار نظرية المؤامرة على أنهم أشبه بالنعامة التي تدفن رأسها في التراب كي لا ترى الحقيقة، لكن بالتفكير جيداً في الأمر فإننا نجد أن هذا الوصف هو أكثر انطباقاً عليهم! فالعكس هنا هو الصحيح، لأنهم يرفضون الإيمان ببعض النظريات فقط لأنهم لا يريدون ذلك، أو لأنها لا تلائم أوهامهم وأفكارهم، ودون أن يبذلوا أي جهد علمي يُذكر لتقصي الحقائق المجردة كما هي، بعيداً عن أي تفسيرات أو أهواء فكرية، وبهذا يصير تشبيه (النعامة التي تدفن رأسها في التراب) منطبقاً عليهم تماماً، لدرجة أنهم عاجزون بالفعل حتى عن رؤية أنفسهم!

بقي أن نشير إلى أنه حتى لو كان أعداء النظرية على حق، وأنصارها على باطل، فإن الأمر المؤكد أن أنصار نظرية المؤامرة محمَّلون على الدوام بالوثائق والحجج التي يستدلون بها ويفسرون بها نظرياتهم، ولهم تأثيرهم البالغ على الناس بواسطة تلك الوثائق، صحيحةً كانت أم ملفَّقة، في حين أن أعداء النظرية، في غالب الأحيان، لا نجد عندهم سوى الرفض القاطع بدون سبب، والسخرية والاستهزاء، وإلقاء التهم بالجهل والتخلف، ودائماً يكون ذلك بأسلوبٍ انفعاليٍّ غاضبٍ متهافت، وبتفسيراتٍ لا تكفي للإقناع العقلي حسب قواعد المنطق السليم في تناول الأشياء وفهمها، وهو ما أشار إليه بوضوحٍ رائعٍ الأستاذ الدكتور جلال أمين في كتابه (خرافة التقدم والتخلف).

ومن وجهة نظرٍ شخصية، فقد يقنعني أحد أنصار النظرية بدليلٍ ملموسٍ يحضره لي، بصورةٍ أو مقطع فيديو أو مقتطفٍ من وثيقة أو كتاب، لكني لن أجد في نفسي أي ميلٍ للاقتناع بكلام شخصٍ لا يفعل سوى أن يحاول صرف بصري عن النظرية إلى جهةٍ أخرى، مكتفياً بأن يقول لي:

– “لا تصدق مثل هذه الأشياء، إنها تضخِّم من حجم العدو وتجعلك تتلذذ بدور الضحية، وبهذا فهي تعيق تقدمك نحو الأمام وتملأ رأسك بالأوهام الكاذبة التي لا وجود لها!”

لستُ هنا من أنصار نظرية المؤامرة، ولا من الداعين لتصديقها، بل إني لم أبين موقفي الكامل منها في هذا المقال، لكن ما أدعو إليه الآن هو التوقف عن ذلك الإرهاب الفكري الذي يمارسه البعض، ثم التجرد لطلب الحقائق الملموسة كما هي، والمبرهَن عليها بالأدلة الموثَّقة، ولا يكون هذا إلا بالتجرد العلمي الكامل، والانسلاخ عن الأهواء والنزعات، والتحلي بقدرٍ كبيرٍ من الصراحة مع النفس تكفي لقبول الحقيقة كيفما كانت، شرط أن تثبت بالدليل العلمي القاطع، ومهما كانت تلك الحقيقة مخالفةً لاعتقاداتنا السابقة، ولقناعاتنا التي ربما يتبين لنا في نهاية المطاف أنها كانت خاطئةً تماماً.

وسأظل معتقداً دائماً أن الحوار العلمي المتبادل، والقائم على أسسٍ عقليةٍ ومنطقية، والخالي من أي إرهابٍ فكري، هو الطريق الوحيدة لمعرفة الحقيقة، ولفهمٍ أفضل لأغوار النفس الإنسانية العميقة الغامضة، وهل كل ما نراه اليوم على كوكب الأرض من ألغازٍ محيرةٍ إلا أثر من آثار تلك النفس؟

والله المستعان على معرفة الحق واتِّباعه، وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل…

12/10/2013

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: