عقل وعاطفة ~

03/10/2013 عند 13:08 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

akl wa 3atifa

.

من الأمور الراسخة في وعي كثير من الناس وضمائرهم أن العقل والعاطفة يقفان متقابلين على طرفي نقيض، وأن أحدهما لا بد أن يكون ضد الآخر، وأن الموضوعية هي بالضرورة ضد الذاتية، ولا يكاد يعبر أحد تعبيراً في إطار هذا المعنى إلا وصور العقل والعاطفة عدوين لدودين، أحدهما يتسبب في مشاكل الآخر، وبينهما صراع سلطة عنيف كثيراً ما ينتهي الإنسان ضحية له في آخر الأمر.

إلا أن بعض التأمل في هذا الموضوع جعلني أذهب إلى أن هذا التناقض بينهما غير صحيح، بل هو تناقض ظاهري فقط، وبينهما في حقيقة الأمر مساحات تداخل كثيرة جداً، بل عندما نتعمق في تأمل تلك المساحات إلى الحد الأقصى فسنفاجأ بأننا نكاد نعجز عن التفريق بينهما!

العقل والعاطفة متعارضان في ظاهر الأمر، لكنهما في الأعماق مندمجان تماماً، مندمجان إلى درجة يصعب معها تمييز أحدهما عن الآخر.

إن العقلانيين عادةً ما يتفاخرون بعقلانيتهم، وبابتعادهم عن التفكير العاطفي الذي يزدرونه ويحتقرونه، ويهوِّنون من شأنه، ويعتبرون ذلك ميزةً من مميزاتهم التي يتمدَّحون بها ويفتخرون… غير أن ما يجهله هؤلاء، بل وما يجهله الآخرون عنهم في غالب الأحيان، أن نزعتهم العقلانية تلك هي نفسها نابعةٌ عن عاطفةٍ متأججةٍ في حقيقة الأمر! عاطفةٍ قويةٍ هادرةٍ تعصف بنفوسهم عصفاً، وتدفعهم دفعاً إلى الاعتقاد أنهم بعقلانيتهم تلك أفضل وأحسن، وأكثر تفوقاً بكثيرٍ على العاطفيين الذين يسخرون منهم ومن عاطفيتهم، ويرمونهم بالسذاجة والسطحية وضيق الأفق وانعدام الحكمة.

إنها تلك الرغبة العاطفية في الظهور على حقٍّ دائماً، ذلك البريق اللامع المصاحب للتجليات العقلانية الساطعة، كل هذه أمورٌ تبهر العقلانيين، أو المتظاهرين بالعقلانية، فنجدهم يرتمون ارتماءً في أحضانها، ويتفاخرون بعقولهم أيما فخر، ويتمدَّحون ببعدهم عن العواطف التي يزدرونها ويستخفُّون بها، وهذا الموقف هو في حدِّ ذاته عندما نتعمق في تحليله؛ نجد أنه نابعٌ عن نزعةٍ عاطفيةٍ شديدة التوهج! وهنا تكمن المفارقة…

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن العاطفيين كثيراً ما يضربون بجمود العقلانيين عرض الحائط، ويجعلونه دَبْر آذانهم، ويتصرَّفون بناءً على ما تمليه عليهم أحاسيسهم الخاصة ومشاعرهم المتقلِّبة، وهم بذلك يهدفون لشيءٍ واحدٍ في نهاية الأمر؛ البحث عن سعادة أنفسهم وراحتها، وينساقون وراء هدفهم هذا بعفوية تامة حيثما انساق، دون أن يبالوا بشيء، أو أن يسمحوا لأي قيدٍ عقلانيٍّ مكبِّلٍ أن يقف في طريقهم.

إنها تلك السعادة التي لا يجدونها في شيءٍ من تلك المناهج العقلية القاسية، والقوالب المحايدة الجامدة في التفكير والتصرف، بل إنهم يستطيعون رؤيتها بوضوحٍ حيث يعمى عنها العقلانيون، ويبصرونها هم بجلاءٍ في ذلك الانطلاق العفويِّ وراء عواطف نفوسهم، ولعلهم بذلك أكثر صراحةً وصدقاً مع ذواتهم التوَّاقة، لأن لهم هدفاً واحداً صريحاً يسعون لأجله بعفويةٍ تامة؛ ألا وهو تحقيق سعادتهم.

ونحن بهذا، ومن وجهة نظرٍ عقلانيةٍ صِرفة، لا نستطيع أن نلومهم بإطلاقٍ لمجرد عاطفيتهم، لأن سعادة الإنسان هي هدفٌ في حدِّ ذاته، بل هي الهدف الأسمى على الإطلاق، والمؤكد أن العقلانيين والعاطفيين معاً لا يسعون لشيءٍ غير تحقيق تلك السعادة، فالهدف واحدٌ إذاً، وسعي الإنسان لتحقيق سعادته بدافعٍ من عاطفته الجياشة، هو بلا شكٍّ عين العقل!

وهنا تكمن المفارقة الثانية، إذ يمكن اعتبار العاطفيين في حقيقة الأمر أرجح الناس عقلاً، لأنهم يبصرون ما يعمى عنه العقلانيون، ويختصرون مسافاتٍ لا يسلكها العقل إلا بالإجهاد والعنت، ولولا العاطفة لصار العقل شريراً لا يرحم، ولانتهت به أعماله إلى خراب العمران وهلاك الحرث والنسل، وفناء الإنسان على شرِّ حالاته وأسوئها، وهو الواقع كما نراه ماثلاً مجسماً أمام أعيننا، في بقاعٍ كثيرةٍ من هذا الكوكب الذي استُخلفنا فيه.

إن أولئك الذين يظهرون لنا بمظهر العقلانيين هم في حقيقة الأمر أشدُّ الناس عاطفية، وأولئك الذين يبدون لنا عاطفيين هم في كثيرٍ من الأحيان أرجح الناس عقلاً! وعلى العموم، فإن القوتين متكاملتين ينبغي أن يجمع بينهما التفاهم والتعاون، لا التباغض والتنافر، وسعادة الإنسان المنشودة من طرفيهما معاً، لا تحتكر فهمَها ومعرفةَ السبل إليها إحدى الملَكتين؛ العقل أو العاطفة، بل إن سوء التوظيف لهاتين القوتين الجبارتين قد يؤدي بالإنسان إلى نتائج وخيمةٍ مدمرة، تنتهي إلى أن تفقده في الختام سعادته المنشودة التي أضاع طريقها بتغليب جمود العقل على دفء العاطفة وحنانها، أو بتغليب تيار العاطفة على نور العقل الساطع…

03/10/2013

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: