ثم وصلت التقانة إلى حكمة البساطة ~

20/09/2013 عند 22:53 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

ti9ana

.

(خواطر بين يدي نظام الـ iOS 7)

.

كانت مفاجأتي عظيمةً وصدمتي قوية، عندما رأيت لأول مرةٍ البيئة الرسومية لنظام الـ Windows 8، وأيضاً نظام الـ Windows phone الذي تعتمده هواتف نوكيا الذكية في أحدث إصداراتها، والذي فاجأني في هذين النظامين تلك التصاميم (المسطَّحة) الخالية من تعدد الألوان والظلال، والتجسيمات ثلاثية الأبعاد، وهو ما يسمى في عالم التقنية بالـ flat design. وأثار استغرابي كثيراً ما خطر لي أول مرةٍ من أن هذه التصاميم تمثل (تراجعاً) إلى الوراء، خاصةً بعد أن بلغت علوم التصاميم الفنية آفاقاً بعيدةً في تطورها عبر السنوات.

نفس الشعور انتابني وأنا أشاهد لأول مرة الرؤية الجديدة التي اعتمدتها شركة Apple في نظامها الجديد لأجهزتها المحمولة؛ الـ iOS 7، فقد تم إحداث تغييرٍ جذريٍّ على أيقونات النظام، وذلك ولأول مرةٍ منذ إنشائها عام 2007، وأيضاً على التطبيقات الأساسية المدمجة مع الأجهزة المحمولة للشركة الأمريكية، والعجيب أن الخاصية الرئيسية لهذه الرؤية الجديدة للأيقونات والبرامج هي كونها تعتمد على (تسطيح) هذه الكائنات الرقمية، وتجريدها من الخطوط والظلال والتجسيمات، والاكتفاء فقط بلونٍ واحدٍ مسطَّح، أو بتدرُّجٍ لونيٍّ بسيطٍ لا يكاد يُلحظ، الأمر الذي فاجأني كثيراً في البداية، وجعلني أتساءل عن سبب هذا (الرجوع إلى الوراء) في عصرٍ أَحكم فيه الإنسان قبضته على الشكل واللون والظل!

تعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة، إلى تلك الأيام الأولى أمام الحاسوب في عام 1998، إلى نظام الـ Windows 95، وإلى برنامج الرسام، وبرنامج الـ Word 95، وأتذكر كيف كنت أستمتع بإنشاء المربعات والدوائر والأشكال المختلفة، وتلوينها بمختلف الألوان المتاحة، ولم يكن ممكناً لي في تلك الأيام إضافة الظلال والتدرجات في الألوان إلا في حدودٍ ضيقةٍ جداً، وكان من أمنياتي التي أحلم بتحققها امتلاكُنا لحاسوبٍ أكثر تطوراً، ولبرامج تسمح لي بصناعة تصاميم تمتلئ بالألوان المتدرِّجة والأشكال ثلاثية الأبعاد، والتي كنت أتوق لصناعتها والاستمتاع باستخدامها في تصاميمي، تماماً كما كنت أراها في الإعلانات والمجلات، تلك التي كنت أغبط العاملين فيها غبطةً شديدة، وأتمنى أن أكون منهم، أو أزورهم على الأقل وأشاهد كيف يعملون، لا لشيءٍ سوى لأطلع على قدارتهم ومهاراتهم في التحكم بالأشكال والألوان، والظلال والتجسيمات، كل ذلك بحريةٍ تامةٍ كما يحلو لهم!

وأياً كان الأمر، فلم تكن علوم التصميم في ذلك الوقت متطورةً إلى حدٍّ كبير، وكانت تكثر في الأنظمة الإلكترونية تلك الأشكال البسيطة (المسطَّحة)، عجزاً من المبرمجين وليس اختياراً، وكنت أعتبره إنجازاً عظيماً أن أرى في لوحةٍ إعلانيةٍ أو مجلةٍ أو برنامجٍ حاسوبي، أشكالاً مجسمةً أو ألواناً متدرجةً مركبة، أو ظلالاً كثيرة، لقد كان الإغراق في تعقيد التصاميم استعراضاً من طرف الإنسان لتقدمه في عالم التكنولوجيا، فبعد أن كان مجبراً على تسطيح تصاميمه الرقمية عجزاً، فإنه أسرف في استخدام التجسيمات والألوان بعد أن قدر عليها وبدأ يمتلك زمامها، وهكذا صار تطور التصاميم، بل وحتى جمالها، يقاس بمدى تعقيدها في استخدام التقنيات الجديدة في التدرجات اللونية والتجسيمات ثلاثية الأبعاد.

والآن بعد أن مرت سنواتٌ طويلةٌ بلغ فيها التطور التكنولوجي حداً بعيداً، على مستوى التصاميم وأيضاً على مستوى وضوح الشاشات وقدرتها على التفاعل مع اللمس المتعدد، وبعد أن بلغ الإنسان في قدرته على صناعة التصاميم حداً يكاد يصل إلى المطلق، فإننا نجده الآن قد اختار أن يعود، طوعاً، إلى أكثر التصاميم بساطةً وتسطيحاً، هذه المرة ليس عجزاً منه، بل عن اختيارٍ واعٍ ومسؤولٍ، وذلك بعد أن أحكم سيطرته الكاملة على الشكل واللون والظل في ميدان الشاشات الرقمية.

إنها تلك العودة الطوعية إلى البساطة بعد الاقتدار التام على التعقيد.

الآن تحولت أيقونة نظام الـ Windows التي كانت متموجةً ثلاثية الأبعاد، إلى مربعاتٍ أربعةٍ بسيطةٍ أحادية اللون، والآن تحولت أيقونات الأجهزة المحمولة لشركة Apple من تلك المربعات المجسمة المخططة اللامعة، إلى أيقوناتٍ مسطحةٍ شديدة البساطة، والآن تحولت الكتابة بتلك الخطوط الثخينة المجسمة ثلاثية الأبعاد، إلى الكتابة بخطوطٍ رقيقةٍ أنيقةٍ دون أي تجسيمات أو توهُّجاتٍ أو ظلال، إلا في حدودٍ ضيقةٍ تخدم جمالية التصميم بحكمةٍ متناهية، ورؤيةٍ فنيةٍ ممعنةٍ في الإبداع البصري.

لقد وصلت التقانة أخيراً إلى حكمة البساطة، لقد عادت من جديد طائعةً مختارةً إلى هذه الحكمة المفقودة في حياتنا.

إن في هذا التوجه الجديد نحو التصميمات المسطحة دروساً يمكن أن نستنبطها في الحياة… إننا كثيراً ما نتوهم أن الجمال يكمن في تعقيد الأشياء، لكنه في الحقيقة يكمن في تبسيطها.

مما لا شك فيه أن مصممي الأيقونات السابقة لأجهزة Apple المحمولة قد بذلوا جهداً أكبر في صناعتها، لما تحتويه من تفاصيل كثيرةٍ متعلقةٍ بالتجسيم واللمعان والخطوط المائلة، وأن جهداً أقل قد بُذل في صناعة هذه الأيقونات الجديدة الخاصة بنظام الـ iOS 7، والمتميزة ببساطتها الشديدة، لكن الحقيقة أن الجديدة أجمل، أجمل ببساطتها ووضوحها.

فمتى إذاً نطبق هذه الحكمة في حيواتنا؟ متى ندرك أن سعادة الإنسان هي في صفاء النفس وبساطة العيش ونقاء التفكير؟ متى ندرك أن الإنسان يزداد ابتعاداً عن سعادته وهناء عيشه كلما أمعن في تعقيد أمورٍ كان بالإمكان تناولها ببساطةٍ ووضوح؟

لقد وصلت التقانة أخيراً إلى حكمة البساطة، فمتى إذاً يصل إليها الإنسان؟ متى؟…

20/09/2013

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: