وهم الشعب والديمقراطية ~

22/08/2013 عند 17:03 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

wahm

.

إنني أزداد اقتناعاً بذلك يوماً بعد يوم، وحدثاً بعد حدث؛ لا وجود لشيءٍ اسمه (الشعب)، ولا وجود لشيءٍ اسمه (الديمقراطية)!

كلمتان وهميتان مدلِّستان، الجميع يتحدث عنهما ويهجس بهما، ويدعو لهما ويستغلُّهما، لكنهما في واقع الأمر وهمٌ لا وجود له.

وسواء أكان المستغل للكلمتين، المتاجرُ بهما، قيادياً ثورياً أو نظاماً حاكماً مستبداً، فإن كليهما يرفع لفظتيْ (الشعب والديمقراطية) شعاراً لمطامعه وأغراضه. ولقد رأينا ما حدث منذ قليلِ زمانٍ في دولة مصر الشقيقة، من ذلك الانقسام المحزن بين الجيش المصري وأتباعه، وبين جماعة الإخوان وأتباعها، من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، ومما يلاحظ في كافة الشعارات المرفوعة أن الفئتين تتحدثان باسم الشعب، وباسم الشرعية الديمقراطية… يظهر على الشاشة متحدثون باسم الجيش المصري ليقولوا بأن عزل الرئيس كان حمايةً من الجيش لإرادة الشعب، الذي خرج في الثلاثين من يونيو مطالباً بإسقاط الرئيس المعزول، فهي إذاً (ديمقراطيةٌ وإرادة شعب).

ويخرج في المقابل المتظاهرون والمعتصمون من أنصار الإخوان والرئيس السابق، ليتحدثوا هم أيضاً باسم (الشعب والديمقراطية)، ويصرخون بأعلى أصواتهم قائلين بأن ما حدث هو انقلابٌ على إرادة (الشعب)، وعلى (الشرعية الديمقراطية) التي جاءت بالرئيس الإخواني المنتخَب.

ومما أذكره في هذا الصدد ما حدث عندنا في المغرب سنة 2011، عندما خرجت حركة العشرين من فبراير بقيادة مجموعةٍ من القوى السياسية المتنافرة إديولوجياً، وكنا دائماً نسمع منهم عبارة (الشعب كلُّه يخرج إلى ساحة التغيير)، أو عبارة (العشرون من فبراير ثورة الشعب المغربي كاملاً)، وكنتَ إذا سألتَ أحد المشاركين في ذلك الحراك:

– “من يخرج في مظاهرات الـ 20 من فبراير؟”

أجابك مباشرةً دون تردد، وبحماسةٍ منقطعة النظير:

– “كلُّ الشعب يخرج، كلُّ الشعب يثور!”

وكفى بالمرء كذباً وتدليساً أن يتكلم باسم الشعب…

نعم… الحديث باسم الشعب تدليس، وخرقٌ سافرٌ لقواعد النزاهة والأمانة، لأن الشعب في حقيقته أكثر تنوعاً وتركيباً من أن تحتكر قوةٌ سياسيةٌ ما الحديث باسمه، إلا أن تلك القوى السياسية تدرك جيداً مسألتين اثنتين، الأولى: كره كثيرٍ من الناس للحاكم وأعوانه، لمظالمهم ولسوء أوضاع البلد. والثانية: غباؤهم الشديد، وغلبة عواطفهم المندفعة، واستعدادهم للخروج مع أي شخصٍ يرفع رايةً ثوريةً يداعب بها تلك العواطف، فقط اصرخ ضد الحاكم، وسيتبعونك بعيونٍ مغمضة! وسيروْن فيك بطلاً ثورياً ليس له مثيلٌ ولا يشقُّ له غبار!

ثم ماذا يحدث بعد ذلك؟ ودعوني أستحضر من جديدٍ الحراك المغربي المسمى بالعشرين من فبراير، والذي كنتُ بفضل الله ومنَّته معارضاً له قبل انطلاقه وأثناءه وبعده، والآن أتساءل؛ ما الذي كان سيحدث لو استفحل أمر تلك الحركة؟ ومن كان يقودها؟ هي مجموعة من القوى السياسية، إضافة إلى جماعة العدل والإحسان الإسلامية، وبالطبع كانت هناك حشودٌ كبيرةٌ من المتظاهرين الذين لا ينتمون لأيٍّ من تلك القوى التي تقود الحراك، بل هم فقط حالمون بالتغيير، ويرون أن ذلك التغيير سيأتي على يد أولئك القادة، وجميعهم يصرخون باسم (الشعب)، ويهجسون بكلمة (الشعب)، ويحلم البسطاء من الناس بأن مجالاً سيُفتح لهم للمشاركة بآرائهم والإدلاء بدلائهم من أجل صناعة تغييرٍ حقيقيٍّ في البلد، وذلك باسم (الديمقراطية)… لكن ما الذي يحدث في الحقيقة؟

إن نجاح الثورات يعني، في جميع الأحوال، عودة المتظاهرين البسطاء إلى بيوتهم بعد سقوط النظام القائم، والاحتفال فرحاً بما يتوهمون أنه نجاحٌ عظيمٌ وإنجازٌ غير مسبوق، ثم من يبقى في مركز القرار؟ من يبقى في معاقل الحل والعقد؟ هم أولئك القادة الثوريون طبعاً! تلك النخب المتعالية، أولئك السياسيون وقادة الأحزاب والتيارات والجماعات، وهكذا لا يلبث أن تطفو الإديولوجيا على السطح بعد أن طُمست مؤقتاً بواسطة الزخم الثوري، وتنقلب القوى الثائرة بعضها على بعض، ويبدأ صراع السلطة، وترتسم في الأفق ملامح عصرٍ جديدٍ من الاستبداد ربما يكون أسوأ من سابقه!

وطبعاً ستُعقد انتخابات، وستنجح قوةٌ سياسيةٌ ما، ولن يعجب ذلك القوى الخاسرة، وسيتم الطعن في نزاهة الانتخابات، ويتم اعتبارها انتخاباتٍ مزوَّرة، ثم تستنفر كل قوةٍ أتباعها للنزول للشارع من جديد، وهكذا تحتقن الأجواء، ويتصاعد الغضب، وتنمو بذور التطرف، وتستفحل نزعات العنف، ويُستدرج الناس إلى الدماء، وتجلب الدماء دماءً أخرى، ويذهب الأمن، ويختفي الاستقرار، وتضعف مؤسسات الدولة، ويحصل التدخل الخارجي الأجنبي السافر.

إن هذا السيناريو المأساوي قد حصل فعلياً، بشكل عام، في الدول التي مرت بما يسمى زوراً بالربيع العربي، والذي أثبتت نتائجه حتى الآن أنه جحيمٌ نسأل الله أن يقينا شروره ومفاسده.

الأمة الإسلامية مازالت تعيش في سباتٍ عميق، ومازال كثيرٌ من الناس يؤمنون بالديمقراطية والثورات الشعبية، ومازالوا معتقدين أن ما يسمى بالربيع العربي هو ربيعٌ عربيٌّ حقاً، ولستُ أدري حقاً أي صدمةٍ ينتظرونها حتى يفيقوا من أوهامهم…

يتوهم البعض أن خروج الناس للمظاهرات الداعية لإسقاط الحكام استيقاظٌ للشعوب الإسلامية من غفوتها، واسمحوا لي أن أقول: بل إن ذلك دليلٌ على استغراقها أكثر وأكثر في تلك الغفوة! بل هي والله غيبوبةٌ ما بعدها غيبوبة!

إنني أصرخ بأعلى صوتي قائلاً: ليسقط هذا الربيع العربي!

ثائر اليوم هو دكتاتور الغد…

إنها قناعةٌ راسخةٌ وعقيدةٌ ثابتة؛ بأن القادة الثوريين هم أكثر فساداً وظلماً وعمالةً من الأنظمة التي يدعون لإسقاطها، ولذلك أقول لكل من يقف على منصةٍ ثورية ما، كيف ما كانت، إسلاميةً أو علمانية: من أنت حتى أتبعك؟!

عذراً، إن لي عقلاً أفكر به، ولستُ بهذه السذاجة حتى أصدق وأتبع كل من يقف على رأس طريقٍ ثوري، وينادي الناس قائلاً: أيها الناس اتبعوني، فإني أعرف طريق الجنة!

21/08/2013

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: