يلعبون على الحبلين، ونحن الحبلان!

13/07/2013 عند 12:58 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

yal3aboun

.

كان من بعض تأملاتي حول أسلوب التغطية الإعلامية لثورات ما يسمى زوراً بالربيع العربي، وللثورة المصرية منها خصوصاً، ذلك الاختلاف الجذريُّ الذي بلغ حدَّ التناقض في تناول الأحداث الحاصلة، بين قناتيْ الجزيرة والعربية، وهو اختلافٌ تمخَّض عنه تناحرٌ شديدٌ في الآراء بين المتحيزين لإحدى القناتين، وصارت بذلك مقتلةٌ كلاميةٌ عظيمة!

ولعلَّه لا يخفى على أحدٍ أن التحيز لإحدى القناتين إبَّان تلك الثورة كان يعني، مباشرةً، إعلان الموقف من الثورة تأييداً أو معارضة، فالمتحيز لقناة الجزيرة مؤيدٌ للثورة بالضرورة، والمتحيز لقناة العربية معارضٌ لها بلا خلاف، ومما كان مثيراً للانتباه أن كلا الطرفين يخلصان في النهاية إلى تخوين الطرف الآخر، ورميه بأبشع الصفات، ويجد كل واحدٍ كل منهما وسيلةً سهلةً لإلحاق خصمه بالمعسكر الأمريكي أو الصهيوني، وبالتالي يصبح تبادل تهم الخيانة والعمالة أمراً سهلاً ومبرراً دون كثير عناء.

لم تدَّخر قناة الجزيرة جهداً في التشجيع على الثورة ودعمها، وتشويه صورة الرئيس المصري السابق حسني مبارك ورموز نظامه، الأمر الذي جعلها ذات قبولٍ واستحسانٍ لدى الثوريين الراغبين في إنجاح الحراك وإسقاط النظام المصري، وطبعاً كان على هؤلاء أن يصمُّوا آذانهم عن أي محاولةِ انتقادٍ لقناة الجزيرة، أو أسلوب تغطيتها للأحداث، أو حتى التذكير بأصلها ومنشئها وحقيقة ولاءاتها، وكيف تبْرَع هذه القناة المشبوهة، عند بعض القضايا المعروفة، في التعتيم الإعلامي وقلب الأوراق، واللعب على عواطف المشاهدين والمتاجرة بقضاياهم وهمومهم.

وفي المقابل، شاهدنا جميعاً كيف استماتت قناة العربية في الدفاع عن النظام المصري، وعن الرئيس مبارك، وكيف لم تأل جهداً في تلميع صورته أمام المشاهدين، ووصف الثورة المصرية بالعمل التخريبي، ووصف الثوار بالفوضويين الذين يستهدفون استقرار البلاد، الأمر الذي أسقطها تماماً من اعتبار الثوار والمتعاطفين مع الثورة، واستجلب لها منهم كل عبارات الشجب والاستنكار والتخوين والاتهام بالعمالة لإسرائيل!

ومن عجيب ما حصل أن كلا الطرفين، كان يجد لخصمه مساراً يُلحقه به إلى معسكر العدو، وبالتالي يسهل عليه أن يمطره بتهم الخيانة والعمالة، فأعداء الثورة كانوا يُلحقون قناة الجزيرة بدولة قطر، ودولة قطر كما يراها هؤلاء هي مستعمرةٌ إسرائيليةٌ في الاعتبار السياسي، وبالتالي فإن قناة الجزيرة التي تدين بالولاء لدولة قطر، وتخدم سياساتها، هي بالضرورة تابعةٌ للمعسكر الصهيوني وتخدم مخططاته وأهدافه! وبهذا يكون المسار كالتالي:

قناة الجزيرة > قطر > أمريكا > إسرائيل!

وهكذا تصير الثورة جزءاً من مخططٍ يهدف إلى زرع الفتنة وضرب الاستقرار، حتى يتسنى للأعداء الطامعين استغلال الوضع جيداً لإنزال برامجهم ومخططاتهم الاستعمارية، على المدى المتوسط والبعيد.

وعلى النقيض من ذلك، فإن قناة العربية التي أيدت نظام مبارك، وحاربت الثورة المصرية، هي في الواقع تابعةٌ للمملكة السعودية، وناطقةٌ رسميةٌ باسم سياستها، ولن ننسى أن الدولة السعودية قد حاربت الثورة المصرية ودعمت مبارك حتى آخر لحظة، والمملكة في اعتبار هؤلاء تابعةٌ للمعسكر الأمريكي، وتدعمه اقتصادياً وسياسياً وحتى عسكرياً، وبهذا يستطيع الثوري الخارج لإسقاط النظام، المتحمس لقناة الجزيرة، أن يتهم خصمه المؤيد لمبارك، والمتحمس لقناة العربية، بالعمالة للعدو، والخيانة العظمى للدين والوطن، وذلك عبر إلحاقه بالمسار التالي:

قناة العربية > المملكة السعودية > أمريكا > إسرائيل!

وخلاصة الأمر هي كالتالي:

كن مؤيداً للثورة أو معارضاً لها، ستجد دائماً من يتهمك بالعمالة، ويلحقك رغماً عنك بدعم إسرائيل، عمالةً أو جهلاً!

وهنا في ظل هذه الأوضاع الغامضة نتساءل؛ من المستفيد من كل هذا؟ أليسوا أعداءنا أنفسهم، أليست إسرائيل هي المستفيدة القصوى من حالة الانقسام الكئيبة هذه في الشعوب المسلمة؟ أليست أمريكا هي صاحبة شعار (الفوضى الخلاقة)؟

إن الذي يجب ألا يغيب عن وعي المسلم المهتم بأمر أمته؛ أن أعداء هذه الأمة جميعاً يلعبون على الحبلين، ونحن الحبلان!

وقبيحٌ بالرجل الغيور على دينه أن يجعل من نفسه مطيةً لأهواءٍ سياسيةٍ أو أطماعٍ حزبية، مهما يكن صاحبها، فإن الزمان اليوم هو زمان فتنة، ولا يسلم الواحد منها إلا إن حمل نفسه على تعلم دينه، ومعرفة حكمه في أمثال هذه النوازل العظيمة.

وأما الاندفاعات المتسرعة، والانجراف وراء التيارات الإعلامية جميعها، بكافة أطيافها وتناقضاتها، فلا يترك الواحد إلا وقد عمي بصره عن الحقيقة، وعميت بصيرته عن الحق.

وقديماً قال أحد حكماء السلف رحمه الله:

– “الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل.”

فهل سيكون علينا أن ننتظر وقوع الفأس في الرأس، حتى ندرك أنه ما من لغةٍ سارية المفعول في عصرنا الحالي غير لغة المصالح؟ وأنه ما من حكومةٍ عربيةٍ أو حزبٍ سياسيٍّ أو قناةٍ إعلامية، يستحق أن نفترض فيه نية الإصلاح وإرادة الخير للشعوب العربية والمسلمة، حتى تكون مستحقةً لتأييدها والتطبيل لها، والإسهام في الترويج لمراميها وأهدافها عن قصد أو عن غير قصد؟

01/05/2013

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: