الـتـائـب

01/06/2013 عند 18:28 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 3 تعليقات

id010613

.

[هذه قصة قديمة كنت كتبتها ونشرتها بنفس العنوان في شهر مارس من سنة 2010، ولما بدأت في تنقيحها وتصحيحها في إطار مشروع أعمل عليه في الوقت الحالي، وجدت نفسي أعيد كتابتها من جديد بأسلوب مغاير تماماً، مما جعلني أقرر إعادة نشرها من جديد بعد حذف النسخة الأولى منها.

هذه بين أيديكم قصة (التائب)، بحلة أسلوبية جديدة تماماً، ومع إضافات وتغييرات طفيفة في بعض المواقف والأحداث.

تمنياتي أن تحوز على إعجاب الجميع.]
 
 
* * *
 
 
مقطباً حاجبيه وشرارة الغضب تنقدح من عينيه المحمرتين، وقف عند باب الغرفة ورفع سبابته متوعداً، هذه المرة كان يصرخ حتى بُحَّ صوته:

– “ومازلت نائماً حتى هذا الوقت! وأنا الذي سهرت بالأمس حتى أذان الفجر ولم تكن قد عدت إلى المنزل بعد! أين تظن أنك تعيش؟!

أفي غابةٍ نحن؟!

حسنٌ حسن! أصغ إلى كلامي جيداً أيها الطائش وعِ ما أقول، ولا تحسبنَّ أن سكوتي عنك وتجاهلي لأفعالك غفلةٌ مني أو ضعة، فإنك قد جاوزت الحد وتماديت وأسأت الأدب إذ حسبت أنك أمنت العقوبة، وبدأ يصلني عنك كلامٌ لم أرض يوماً أن أسمعه فيك! ومازلتُ حتى الآن أكذِّب كثيراً منه وأدافع شيطاني، لكن لا تأمن مني إن ثبت لي يوماً أن بعض ما يقال عنك صحيح…

نحن بنو الأشراف ولنا بين الناس سمعة وقدر، فلا تشوِّه سمعتنا بحماقتك والزم ما ربَّيتك عليه واسمع وأطع، واترك عنك ما يشينك ويشيننا ولك بين هذا وذاك رضاي أو سَخطي!”

أنهى كلماته هذه ومكث لحظةً يحد النظر في ولده وهو يمط جسده مستيقظاً للتو، زمَّ الأب شفتيه وهز رأسه مستيئساً، ثم خرج من الغرفة يمشي مسرعاً وأنفاسه شبه لهاث.

مط حاتم جسده وتثاءب، وفرك عينيه، وقطب حاجبيه منزعجاً من الضجيج الذي أفسد عليه نومه، كان قد اعتاد على هبات الغضب من والده بين الفينة والأخرى، وتلك كانت عادته، يأتي غرفته في منتصف اليوم فيجده لا يزال نائماً، فيصب عليه جام غضبه ويرحل، ثم لا يراه إلا في اليوم التالي، ولعلها تمضي أيامٌ دون أن يراه.

ليس زمن الشباب، نهاره وليله، مثل زمن الكهول.

– “مجدداً جاء؟!”

غمغم حاتم، واستلقى من جديدٍ على فراشه، وشرع يحدِّق في السقف برهة، يا لتعاسة ما كان يشعر به!

– “ماذا أريد؟!”

سؤالٌ كان يطرحه كل يوم بنفسه، في نفسه، وعلى نفسه، ثم يضيق ذرعاً، فيهرب إلى لهوه ومجونه.

استوى جالساً، ومسح وجهه بيديه، وانطلقت منه زفرةٌ طويلةٌ حرَّى، وقام متجهاً نحو باب غرفته خارجاً منها، وإذا بصوتٍ يقرع أذنيه فجأة.

كان ثمة شيءٌ جديد في غضبة والده لذلك اليوم، شيءٌ لم يسمعه من قبل، لسببٍ ما رنت عبارة والده الأخيرة في أذنيه:

– “واترك عنك ما يشينك ويشيننا ولك بين هذا وذاك رضاي أو سَخطي!”

توقف عن المشي، وعادت تطفو على ذاكرته معانٍ قديمةٌ استُحضرت بعد غياب.

دائماً، ومهما ابتعدنا، يظل لمسألة رضا الوالدين أو سخطهما نفس تلك الرهبة المزلزلة لأركان النفس.

وسرت في جسد حاتمٍ رعشةٌ باردة…
 
 
* * *
 
 
نشأ حاتم مترفاً، ولم يكن والده يحرمه منذ صباه من شيءٍ مما يرنو إليه أقرانه، حتى شبَّ وقوي عوده دون أن يعرف للجوع طعماً ولا للحرمان شكلاً، وكان والده يحسب أنه بذلك يحسن صنعاً، ولم يكن مع ذلك مغفلاً للجانب التربوي في رعايته لولده، بل إنه والحق يقال، داوم الاجتهاد على مراقبته وتوجيهه، ونقول إنه قد أفلح في ذلك إلى عمرٍ ما، كان فيه حاتم مثالاً للفتى المجد الخلوق، وكان دائم التفوق في دراسته، ألمعياً، يثير حسد الأقران وإعجاب الأساتذة.

غير أن في الحياة أمواجاً هي أقوى من أن تقتدر عليها سلطة الآباء، وأخفى من أن تطال إدراكهم، هم الذين يرتكبون دائماً خطأ الثقة المطلقة في أكثر أعمار أبنائهم حرجاً، هل يفعلون ذلك ليرضوا عن أنفسهم؟ هل يرفضون التصديق بأن كل ما كتبوه على الصفحات البيضاء لفلذات أكبادهم قابل لأن يمحى؟ وبجرة قلمٍ من رفقاء السوء الشباب؟

ربما! المهم أن والد حاتم كان لا يفتأ يكرر:

– “تربية يدي، وأنا أثق به ثقةً تامة.”

وهي نفس الجملة التي رد بها على صديقٍ له، كان قد نبهه إلى فساد المدرسة التي اعتزم حاتم الالتحاق بها بعد الثانوية العامة، وهي المعهد العالي الدولي للسياحة.

وكما كان متوقعاً، بل إن ذاك ما كان ينبغي حصوله أصلاً، انحرف حاتم!

انجرف شيئاً فشيئاً، وتماهى مع أخلاق أصدقائه، واصطنع أبرع الأساليب في التخفي عن والده والتمويه عنه، والظهور أمامه بما يرضيه، واطمأن والد حاتم، ونام قرير العين، وازداد انشغالاً بتجارته، وازداد غفلةً عن ولده، حتى ما عاد يلقي لملامح تغيره بالاً.

غير أن وضعاً كهذا ما كان ليدوم طويلاً، وما كان لحاتمٍ أن يستطيع العيش بشخصيتين، وأن يضع وجهاً بدل آخر، فقد انتُبه له من طرف أمه، وضُبط أكثر من مرةٍ في أماكن ما كان ينبغي أن يُضبط فيها، وكشفته أمه مرةً وهو يدخن، فانخلع قلبها رعباً! وتحينت من أوقاته فرصة جاءت لتحدثه فيها على انفراد، فغضب وصرخ وانصرف.

كان شديد العصبية…

ومضت الأيام، وتلتها الشهور، وعاد حاتم إلى منزله يترنح بين أعمدة الإنارة، ثملاً، ووُشي به إلى والده فلم يصدق، وقال:

– “حاسدون.”

وضُبط مرةً قرب باب حانةٍ على كورنيش طنجة ليلاً، ووُشي به مجدداً، فقال والده:

– “حاقدون.”

وتكررت الروايات عن مجون حاتم، وكثرت المقالات عن إسرافه، حتى أن قال والده أخيراً:

– “يجب أن أتأكد…”

والحق أنه ليس كل ما كان يُنسب إلى حاتمٍ صحيح، فقد استطاع مرةً أن ينقذ نفسه من جلسة عتابٍ حاصرته بها أمه، بأن بين لها تضارباً في وشايتين نُقلتا عنه، حيث شوهد في كلتيهما في الوقت نفسه في مكانين مختلفين، الأمر الذي جعل أمه تصمت، ودفع بحاتمٍ إلى أن يقول مغضباً:

– “ألم أقل لكم؟ لماذا تصدقون كلام كل من هب ودب من الرعاع الحاسدين؟ لقد سئمت من كل هذا! وضقت ذرعاً بهم وبكم!!”

قالها ونزل الدرج مسرعاً يركض، وتبعته أمه بنظراتٍ قلقة، ورصدته من زجاج النافذة وهو يخرج، ويركب سيارته الجديدة، وتأخر انطلاقه للحظات، فخُيِّل لها أنه يجري مكالمةً هاتفية.

وفي تلك اللحظة بالذات، رن هاتف عفراء.
 
 
* * *
 
 
كانوا يعرفون نوبات غضبه، لذلك تحاشوه في ذلك اليوم، كان يلقي من عينيه شرراً، ويجذب الدخان من سيجارته بعمق، وينفثه نحو السماء نفثاتٍ طويلةً يحاول بها أن يفرغ ما قد اعتمل في صدره من حنق.

إن أصدقاءه معتادون على أحوال طقسه، فهم يعرفون كم هو متقلب المزاج حاتم، وكم هو غضوبٌ عصبيٌّ قصير الفتيل، غير متوقَّع التصرفات وردود الأفعال، فقد يشعله أتفه الأسباب غضباً بنفس القدر الذي لن تحرك فيه شيئاً كل محاولاتك لإغضابه! لذلك لم يكونوا يفهمونه جيداً، فكانوا يتحاشونه فقط.

وحدهم، عفراء وياسر، وقلةٌ آخرون، من كانوا يجيدون التمايل مع عواصف الغضب لديه.

ووحدهما، حاتم وعفراء، كانا يتمشيان في ساحة المعهد بصمتٍ مطبق، وكانت عفراء تتساءل لم هو غاضب، حاولت أن تحزر سبباً لكنها لم تفلح، كانت فقط تعرف أنه من أولئك الشباب الذين يشتعلون غضباً أحياناً، من أجل لا شيء! ويتمردون دائماً، على لا شيء! ويثورون أبداً، لتحقيق لا شيء!

همت أن تهمس له بسؤالٍ عن سبب اشتعاله، لكنها لم تفعل، لأنها كانت على علمٍ بنوعية الجواب الذي ستتلقاه، كانت تعرف أنه سيقاطعها بمجرد أن تتكلم، ويصرخ في وجهها غير آبهٍ بزحام الطلاب من حوله، لقد سبق وفعل ذلك معها بضع مراتٍ من قبل، لكنها مع ذلك لا تزال متمسكةً به، ولذلك آثرت الصمت والانتظار حتى تنقشع عنه سحابة الغضب المزعجة تلك.

أما هو فكان في شأنٍ آخر، كان يفكر في تهديدات والده الثقيلة، وكان حاقداً على الجميع، لاعتقاده أن الجميع حاقدٌ عليه، ولعل في ظنه هذا كثيراً من الصحة فعلاً، إلا أن ذلك لا يغير شيئاً من حقيقة الأمر، لقد وُشي به كثيراً، ونُقلت أخباره إلى والده بشكلٍ متكررٍ أزعجه، حتى صارحه في إحدى نوبات عتابه بأنه يعتزم سحب مفاتيح السيارة منه، وحرمانه من كل موارده المالية المتدفقة عليه من خيره وإنعامه.

ما شعر به حاتم إزاء هذا التهديد لم يكن الغضب من الوشاة فقط، أو من عتاب والده، لكنه ذلك الشعور العميق بالإذلال وإهانة النفس، عندما يتم تذكيرك فجأةً بما لم تنتبه له من قبل، بأن كل ما تعيش فيه من خيرٍ وترفٍ إنما هو بيد إنسانٍ ينعم به عليك متفضلاً، وأن لذلك الإنسان عليك سلطةٌ واسعة النطاق، وأن بوسعه إن أراد أن يقطع عنك موارد متعتك وترفك، بل وعيشك ربما!

إن أسوأ ما في هذا الأمر ليس وقوعه، بل إفاقتك المريرة على وقع تلك الصدمة، تلك الصدمة بأنك لم تكن منتبهاً إلى الأمر من قبل، لا أحد ينتبه إلى الهواء الذي يتنفسه حتى يُحرم منه!

لهذا غضب حاتم، ولهذا صام عن الكلام مدة أطول، متحاشياً لقاء والده ما أمكنه ذلك، حتى قاطعه والده، وامتنع عن الكلام معه، بل وعنه، ومضت أيامٌ قلقةٌ أقضَّ التفكير فيها مضجع حاتم، فكان لا ينام إلا بعد أرق، وكان لا يصحو إلا على وقع كابوس.

ثم ازداد إغراقاً في مجونه وملذاته، أكان يتحدى والده بذلك؟ لعله ذاك! بل هو ذاك في واقع الأمر! غير أنه لم يجرؤ على أن يصارح نفسه بهذه الحقيقة، كان يتظاهر فيما بينه وبين نفسه بأنه يتصرف على نحوٍ تلقائيٍّ لا أكثر، كان يغمض عينيه على الصورة الحقيقية لنفسه، والتي كانت تستميت في محاولة الاستعادة لكرامتها المهدورة، وعبر طريقٍ خاطئةٍ ولا شك.

إن مثل هذه الأوضاع الحساسة تجعل الإنسان يكذب الكذبة على نفسه ويصدقها، كثيراً ما يقبل الإنسان أن يخدع نفسه ويلبسها وهماً يحملها على تصديقه…
 
 
* * *
 
 
وجاء أخيراً يومٌ أسود.

لم يكن حاتم قد انتبه إلى أن مقاطعة والده له لم تكن سوى مهلةٍ تنبيهية، الغرض منها جعله يرعوي ويعود إلى رشده، لكن العكس من ذلك تماماً هو ما حصل! حتى إذا انتهت المهلة ثار الأب، وأصدر قراراته الصارمة والقاسية التي أفاق على وقع صدمتها حاتمٌ ذات صباح.

كانت أمه هي التي أبلغته بما حصل، بصوتٍ لم يتمالك ارتعاشته أمام عينيه الجاحظتين ووجهه الذي أعادت رسم ملامحه شدةُ الصدمة.

تم سحب مفاتيح السيارة، وإيقاف المصروف المالي، ووجد حاتمٌ نفسه في مأزقٍ حقيقي.

صرخ، واهتاج، وضرب الأشياء بقوة، وكسر أغراضاً ثمينة، وراح يرفع صوته ملوِّحاً بأقسى عبارات السب والشتم، وأمه تشير إليه بكلتا يديها، المرتعشتين كصوتها، محاولةً تهدئته بكل ما أوتيت من رقة الأمومة:

– “أرجوك، اهدأ، اهدأ أرجوك، إنه قادم، اسمع صوت الباب…”

وكان كلامها صحيحاً، وعاد حاتم إلى غرفته وصفق الباب بقوة مدوية، ومن داخل غرفته سمع صراخ والده، وبعد لحظات ساد صمت، ثم سمع بكاء أمه.

كانت هذه القرارات تمثل بالنسبة لحاتم تقييداً خانقاً لحريته، ولأشياء أخرى أيضاً، وبات كسيفاً مشغول البال، تتزاحم الأفكار في رأسه وتتصارع، ممزوجةً ببركانٍ من الاختناق والغضب والخزي، ومشاعر كثيرةٌ لم يكن هو نفسه بقادرٍ على أن يعرفها أو يميز بينها.

وبدأت أيامٌ جديدةٌ تمضي، أيامٌ اختفت اختلافاً بيِّناً عن تلك التي سبقتها، أيامٌ فضل فيها حاتم الانزواء أكثر في كهفه الخاص، وصار متحاشياً لمخالطة معظم زملائه، في الدراسة أو غيرها، إلا للضرورة القصوى وفي أضيق الحدود، كان متوقعاً تغيرهم عليه بعد علمهم بتغير حاله، فكثيرٌ منهم، كما كان يدرك جيداً منذ البداية، قد صاحبوه فقط من أجل مصالحهم الخاصة، وللاستفادة منه بشكلٍ أو بآخر، والآن حان وقت انفضاضهم عنه، أو هكذا قدَّر حاتم، ومكث فعلاً يرقبهم في الظل ليرى هل سيصدق حدسه فيهم أم لا، ولقد تقرر لديه أنه صدق.

قلةٌ فقط هم الذين بقوا من حوله محافظين على عهد الصداقة، وأكثر الباقين تلاشوا وانسحبوا، غير أنه مع ذلك لا نستطيع أن نوافق حاتماً في كافة أحكامه القاسية التي عمَّمها على أصحابه المنفضين عنه، لأننا، وإن أردنا بدورنا إصدار حكمٍ عادل، فلا ينبغي أن نغفل ما قد غفل عنه حاتمٌ في فورة انفعاله، وهو أن قسماً كبيراً من المنفضين عنه لم يفعلوا ذلك لتغير أحواله المادية، ولا لانتهاء مصالحهم عنده، بل إنهم قد فضلوا الابتعاد عنه بسبب سلوكه المتغير، والحاد، والذي صار بالنسبة إليهم متعباً لا يطاق، وتحول حاتم في نظرهم إلى إنسانٍ غير قابلٍ للتعامل معه أكثر.

ولقد حاولت عفراء، عشيقته ومشروع زوجته، أن تستميله إلى جانبها وتعيده إلى سابق عهده، معها على الأقل، لكنه لم يكن يكاد يأبه لشيء، وباتت تلمح في عيونه نظرات شكٍّ وارتيابٍ موجهةً نحوها، أقلقتها للحظة، ثم ما لبثت أن ارتدت ثوب عجرفتها من جديد، وخاطبته بنبرةٍ لا تخلو من استعلاء، وهي تمضع اللبان باستخفاف مطَّرد:

– “مللتُ هذا الوضع!”

ولم يزد عن أن حدق بها متشككاً.

ولاحقاً قالت:

– “جد حلاً!”

فاكتفى بالنظر إلى السماء.

ولما صرخت:

– “أنت لا تهتم بما بيننا!”

جذب نفساً من سيجارته.

ثم كان أن قالت، أخيراً، وهي تتحاشى النظر إلى وجهه:

– “عذراً، لكن لا أستطيع الاستمرار هكذا أكثر…”

قالتها وانصرفت بخطىً ثابتةٍ واثقة، ولم يبد حاتم ردة فعل، بل جعل يتبعها ببصره، يرمق تبرجها الصارخ الذي لا يفتنه بها إلا بقدر ما يستفزه منها.

وفي اليوم التالي لم ير أثراً لعفراء من حوله.

وازدادت رقعة فراغه اتساعاً…
 
 
* * *
 
 
أمست أيام حاتم بطيئة، رتيبة، مملةً لا جديد فيها، كان كل شيءٍ في حياته يتناقص باستثناء التفكير الذي أمسى يجد سبيلاً إلى عقله، ولعل الفراغ الذي تركه انحسار مساحات اللهو والانطلاق في حياته أفسح المجال لاكتساحٍ واسعٍ للحظات التأمل والتفكير، فيم كان يفكر؟ لا أحد يدري! فقط كان يُرى شارد الذهن، وكان معلوماً لدى الجميع أن حاتماً إذا شرد، فالأفضل تجنبه والابتعاد عنه.

وحده ياسر، صديقه الأقدم والأقرب إلى نفسه، من كان لا يجد حرجاً في الاقتراب منه حتى عندما يكون في أسوأ حالاته، ولذلك عمد إلى الاستمرار في ملازمته والتخفيف عنه والمسح على أحزانه، غير أن حاتماً ظل متكتماً هذه المرة حتى عن ياسر نفسه، كان متخوفاً من أن يفسح المجال له فيعود لعمله القديم في استقطابه ودعوته إلى التوبة النصوح، وكان قد منعه من ذلك منعاً جازماً بعد أن ضاق ذرعاً بنصائحه، فقد كان ياسر متديناً يؤمن بأن لديه في الحياة رسالةً تقتضي منه أن يكون داعيةً إلى الله.

بسيطاً كان ياسر، وربما ساذجاً في بعض الأحيان، ضحل الثقافة نوعاً ما، لكنه مع ذلك كان نقي النفس طاهر السريرة، ولم يكن يخفي نظرات القلق عن صديقه العزيز حاتم في كل مرةٍ يراه فيها مقدماً على (معصية)، فكان يعظه متحمساً، مشفقاً عليه، وكان يستخرج من مخزونه اللغوي أقصى ما يقدر عليه من بيان، ونادراً ما كان لذلك مع الأسف جدوى، لأن حاتماً كان من ذلك النوع الذي يبغض النصيحة، ويضيق ذرعاً بالوعظ، ولذلك قلَّ أن انتهى لقاءٌ بينه وبين ياسر بغير الصراخ والمشاجرة.

أما ياسر فلم يكن ييأس، بل كان يصرِّح ويلمِّح، ويكنِّي ويستعير، ويستغل الفرص، ويتصيد لحظات الصفاء، ويرسل لصاحبه دروساً ومقاطع لدعاةٍ وشيوخ، عمرو خالد، الشيخ كشك، محمد حسان، محمد حسين يعقوب، الشعراوي، البوطي، راتب النابلسي، وغيرهم، لكنه في كل مرةٍ كان يتلقى من حاتم الجواب الصادم نفسه، بعد أن يسأله عن رأيه في ما أرسله له من مقاطع ودروس:

– “لم أستمع إليها، ولن أفعل!”

وكان يطرق خائب الأمل متحسراً، وفي مرةٍ قال حاتم:

– “الهداية من عند الله وليست من عندك أو من عند شيوخك هؤلاء، عندما أقرر الاهتداء فإني سأفعل ذلك بنفسي وعن اقتناعٍ شخصيٍّ خاصٍ دون مؤثراتٍ خارجية!”

ثم قال في مرةٍ لاحقةٍ بعد أن ضاق صدره ولم يعد يستطيع تحمل المزيد:

– “يكفي هذا! أنا أمنعك من إرسال أيِّ شيءٍ لي بعد الآن! حقاً هذا ما كان ينقصني! شيوخ القنوات التلفزية!”

وامتثل ياسر، وتوقف عن الإرسال له خشية تنفيره وإغضابه، لكنه ظل قلقاً، متوجساً، وشديد الاستغراب من نفرة حاتم هذه، لا سيما وأنه كان يلمس في أعماق روحه خيراً كامناً يحتاج إلى تحفيز واستخراج، الأمر الذي لم يحس به أحد غير ياسر، وحاوله مراراً، ولمدةٍ طويلةٍ لكن دون جدوى.

ولعل صفاء نفس ياسر، وطول عشرته لحاتم والتي تعود لأيام الطفولة، جعلته يعتقد طويلاً أن حاتماً بالنسبة له كائنٌ شفافٌ يسهل سبره، وأنه يستطيع ملامسة روحه بسهولةٍ بل والاطِّلاع على تعاريجها وخفاياها، وكان شديد الاستغراب عندما يتصرف حاتم بشكلٍ خارجٍ عن إطار توقعاته، وهو ما صار يتزايد باستمرار شيئاً فشيئاً مع مرور السنوات وتبلور شخصية كل منهما، دائماً تكون هناك تلك الافتراقات الكبيرة بين أرواح الأصدقاء الشباب.

ولأن ياسراً كان من القلائل المتبقين الذين عاشروا حاتماً في أيام صباه، ويذكرون عنه صفحاتٍ من سيرة صلاحه القديم، فإنه كان أقدر الناس فعلاً على رصد مكامن الخير المتبقية في نفسه، لقد كان يستطيع تلقفها، واصطياد شواهدها، لكنه لم يكن يستطيع فعل شيءٍ آخر غير ذلك، الأمر الذي كان يحز في نفسه كثيراً ويشعره بعجزٍ مضنٍ.

ونحن لو أردنا رسم صورةٍ مجملةٍ لهوية حاتم الإيمانية، فسوف نصفها دون ترددٍ بأنها (رواسب متبقية)، رواسب إيمانيةٌ قديمةٌ تقبع في قاع روحه، وقد تكاثفت عليها طبقاتٌ من دخان البعد والغفلة حجبتها، لكن بعض تلك الرواسب كان يطفح على السطح أحياناً، وهذا ما جعل ياسراً على يقينٍ تامٍ بأن صاحبه إنسانٌ نقي السريرة، لا يحمل في قلبه ضغينةً ولا حقداً، وأنه لم يطبع على غرار أولئك الذين يشمئزون من ذكر الله، وتنضح ألسنتهم بعباراتٍ تدل على بغضهم لأهم الإيمان، وحقدهم على أحكام الشرع والدين.

كان يرى جيداً أن حاتماً وإن كان لا يصلي، إلا أنه بالغ الاحترام للمصلين، وأنه كثيراً ما يقف متأملاً، وحزنٌ يقبع وراء عينيه، ركوع المصلين وسجودهم، وتكبيرهم وتحميدهم، وربما يهمس قائلاً، كالمتكلم بينه وبين نفسه:

– “هدانا الله…”

وكان يرى أيضاً أنه يفرط في اتخاذ العشيقات، وأنه يزداد خلاعةً ومجوناً بازدياد عشيقاته في الخلاعة والمجون، غير أنه كان مرئياً لياسر أيضاً أنه لا تزداد الفتاة احتشاماً إلا بقدر ما يزداد لها احتراماً، وعنها ابتعاداً، وأنه لم يكن يشارك بعض أصحابه معاكستهم للمحجبات، وأنه كان يصمت عنهن، ويتجنب قدر استطاعته تلك الأحاديث الرائجة بين شباب هذه الأيام، والتي يقوم أساسها على تخصيص المحجبات بأقبح الظنون، وقذفهن بالعظائم.

وكان مما يراه أيضاً، وكان ذلك مما يثلج صدره ويرفع منسوب أمله، أن حاتماً كان شديد البغض لتيارات الإلحاد التي ينشط بعض أفرادها في الجامعات ووسائل الإعلام، وأنه كان يثور منفجراً في وجه كل من تسول له نفسه الطعن في الذات الإلهية أو في أحكام الإسلام وشرائعه، وكان لا يتردد في أن يسب من يسب الدين، وهي عادةٌ سيئةٌ رائجةٌ، حيث يقول مزمجراً:

– “لا تسب الدين أيها الحيوان!”

شواهد كثيرةٌ كانت تجعل أصدقاء حاتم جميعاً مستغربين من أمره، فأصحاب مجونه يستغربون من نزعةٍ دينيةٍ كامنةٍ لديه، وياسر يستغرب من نزعة الانحراف التي طرأت عليه ولم يكن أحدٌ يتوقعها.
 
 
* * *
 
 
ومر من الوقت مزيد، ولم يبد أن عفراء كانت تفكر في العودة إلى معشوقها الذي طالما بنت معه في الخيال قصوراً من السعادة، لم يعد حاتم يراها إلا لماماً، وهو بطبعه لم يكن ليبادر، وهكذا انتهى إلى أن يجد نفسه وحيداً، وأن يطول زمن وحدته، ثم ألفى نفسه أخيراً وليس له صديقٌ إلا ياسر.

واتفق ذات يومٍ ربيعيٍّ أن انتهت بهما جولةٌ وديةٌ أوصلتهما إلى ساحة الأمم، وهناك، قبيل أذان المغرب بقليل، باح حاتم لصديقه وحكى له كل شيء، وكان لقاءً من تلك اللقاءات التي تصفو فيها النفوس ويُستدرُّ فيها البوح الصريح عن طيب خاطرٍ دون تكلفٍ أو مواربة.

حكى حاتم ما جرى بينه وبين والده، ثم ما انتهى إليه أمره مع عفراء، ولم يبلغ نهاية كلامه إلا وقد انطلق في أثنائه بخواطر وأشجانٍ تضمنتها عباراته، جعلت ياسراً يستنتج، وكان محقاً، بأن صاحبه يحمل حزناً عميقاً بعيد الغور.

نظر إليه بلطف، ثم أخفض بصره قليلاً، ثم رفعه وكان قد صبغ ملامحه بلون الجد، ثم قال وهو يتعمد أن يرسل بصره إلى جهةٍ أخرى، متحاشياً لقاء العينين:

– “أصلح حالك مع والدك، إن الأمر جدٌّ لا هزل فيه، أنت تعرف عاقبة العقوق، ومصير من كان أحد والديه ساخطاً عليه، إن رضاهما مقرونٌ برضا الله وسخطهما مقرونٌ بسخطه.”

وصمت برهةً وأردف:

– “إن سخط الوالدين والتوفيق ضدان لا يجتمعان، وانظر حالك فأنت خير دليل، رضا والدك أولاً قبل كل شيء، فأصلح حالك معه قبل أن يفوت الأوان.

تخيل أن تموت، أو يموت والدك لا سمح الله وهو ساخط عليك، أي موقفٍ سيكون لك؟ وكيف ستكمل حياتك وأنت تحمل على عاتقك ذكرى أبٍ رحل وهو غير راضٍ عنك؟

أصلح حالك مع والدك يا حاتم قبل فوات الأوان، أصلح حالك مع والدك يا حاتم…”

قال كلماته هذه وحسر بصره من جديد، وحاتم لا يحرك ساكناً، همس له بصوتٍ خفيض:

– “آسف، لم أقصد أن أقسو عليك…”

ولم يجب حاتم، بل ضرب كتف صديقه بيمناه، وشدَّ على ذراعه، وهزَّها بعنفٍ وهو يزمُّ شفتيه، ولم ينطق بغير كلمةٍ واحدةٍ يتيمة:

– “لا بأس عليك.”

وافترقا، ووجد حاتم نفسه وحيداً من جديد، وعادت فجأةً إلى ذهنه، كلمات والده القاسية:

– “واترك عنك ما يشينك ويشيننا ولك بين هذا وذاك رضاي أو سَخطي!”

عادت هذه الكلمات تقرع ذهنه من جديد، بحدة الصوت نفسها التي قيلت بها في ذلك اليوم، حتى لكأنها تقال له من جديد، كان صوتاً ينبع من داخله، من أعماق ضميره، وعادت إلى سطح عينيه صورة والده الغاضب، ودوَّت كلماته في رأسه وظل صداها يزعج طبلة أذنه، وسرت في جسد حاتمٍ قشعريرةٌ باردة.

كان قد قرر في ذلك اليوم أن يعود إلى المنزل سيراً على الأقدام، لسببٍ ما صار أكثر مشياً في الآونة الأخيرة، وهكذا أخذ سبيله في شارع محمد الخامس، وكان مزدحماً، وكانت الشمس قد اختفت وراء المغيب.

ظل يمشي شارد الذهن، يرى ولا ينظر، يسمع ولا يصغي، كان قد اكتفى بتلمس طريقه وتحاشي الاصطدام بالمارة، كان كل شيءٍ يبدو له غريباً، المطاعم، المقاهي، زحام الشباب في مقهى اليمامة وهم يرفعون عيونهم نحو الشاشة يتابعون مباراةً ما، أبواب الحانات، مجموعةٌ من المراهقين، فتياتٌ متبرجات، ثنائيات عشقٍ تتمشى، خروج المصلين من المسجد الصغير الذي يعلو ما يسمى بـ (الدرج الكهربائي) الذي لم يعد كهربائياً، فتيات ليلٍ خرجن لطلب الرزق في وقتٍ مبكرٍ قرب سور المعاجيز والدرب المؤدي لزنقة الشياطين.

سيارة شرطةٍ كبيرةٌ تقف في أعلى شارع الحرية، أصوات، وصخب، وضحكٌ وأغان، وشرودٌ طوَّح بفكر حاتم بعيداً عن كل هذا الضجيج.

تجنب شارع المكسيك لشدة ازدحامه، ومضى في الشارع الموازي له نحو ساحة إيبيريا، مطعم نارا، مئذنة مسجد محمد الخامس تطل شامخةً من بعيد.

وبينما هو كذلك إذ أخرجه من شروده شيءٌ رآه، كانت سيارةً فاخرةً وسط زحام السيارات، تلتمس لنفسها فكاكاً من زحمة السير التي تجعل الراجلين أسرع مشياً من الذين يقودون، كانت تلك السيارة الفاخرة هي أول ما وقعت عليه عيناه بعد أن رفعهما فجأة، وكانت دهشته عظيمةً وهو يرى عفراء تجلس إلى جوار السائق.

حدث كل شيءٍ في أقل من ثانيةٍ واحدة، كانت نظرةٌ خاطفةٌ منه تكفي لرؤية عفراء، وسائق السيارة، وتصنيفه اجتماعياً، واستنتاج نوع العلاقة، وتزامنت تلك اللحظة نفسها، وما أكثر ما يحدث ذلك، مع رفع عفراء لبصرها عن طريق الصدفة، ليقع على عيني حاتم مباشرة، وانتهى كل شيءٍ في لمح البصر، انتهت تلك الثانية الوحيدة التي وقع فيها كل شيء، وبعدها كانت عفراء تنظر إلى مكانٍ آخر متظاهرةً بأنها لم تر شيئاً، وكان حاتم ينظر إلى مكانٍ آخر، متظاهراً أيضاً بنفس الشيء.

وعصفت بالعاشقين السابقين رياحٌ مسمومة…
 
 
* * *
 
 
دخل حاتم إلى بيته، ألقى نظرةً عامة، تبادل كلماتٍ قليلة مع أمه وهو يقبل رأسها، وكان والده يجلس بوقارٍ يشاهد التلفاز وأمامه مائدة طعام، لم يحرك ساكناً، ولم ينبس ببنت شفة، لم يبد عليه أنه أحس بدخول ولده إلى البيت، غير أن وجومه وعبوس نظراته كانا يقولان الشيء الكثير.

خطا حاتم نحو والده، أمسك بيده، رفعها رفعاً إلى وجهه ولثمها، ثم انصرف إلى غرفته دون أن ينطق بحرف.

استلقى، وبعد لحظاتٍ كان قد نام، لقد هدَّه تعب المشي الطويل.

وحوالي منتصف الليل استيقظ، أفاق من نومه وفي وعيه طعمٌ مختلطٌ لكلماتٍ وأحلامٍ ووجوهٍ متداخلة، والده، عفراء، ياسر، السيارة، الزحام…

استغرق عدة دقائق كي يستعيد وعيه ويرتب الأشياء في ذهنه، وإذ بهاتفه يرن فجأة.

تناوله وألقى نظرةً ناعسةً عليه، كان المتصل هو عفراء نفسها!

ألقى بالهاتف قريباً منه على السرير، بعصبية، وتركه يرن حتى انتهت مهلة الرنين.

لحظة صمتٍ مضت، ورن الهاتف مرة ثانية، عفراء نفسها.

كان حانقاً، وكان يتوقع كل ما ستقوله، كان يعرف أنها ستحاول أن تشرح له حقيقة الأمر، وأن تخبره بأن الأمر ليس كما يظن، وأنه مجرد واحدٍ من أقاربها، وأنها مازالت على عهد الحب له رغم الخلاف، وأن سحب الخصومة لا بد تنقشع ليعود ذلك الحب الكبير متقداً ملتهباً كما كان دائماً.

كان يتوقع كل ذلك، بل كان يتخيل نبرة صوت عفراء وهي تلقي له بتبريراتها الضعيفة الكاذبة، وأقسم ألا يرد على الهاتف.

توقف الرنين، ومضت دقائق صمتٍ أخرى، ثم رن الهاتف مجدداً، وظل حاتم على إصراره.

دقائق صمتٍ أخرى، وارتفعت نغمة الرنين من جديد، أمسك الهاتف بيده، وجعل ينظر إلى شاشته المضيئة باسم عفراء، وصورتها، وخياران في أسفل الشاشة، أحدهما أخضر والآخر أحمر.

إسم عفراء، وصورتها…

صورتها…

كانت تبتسم في تلك الصورة وهي تنظر إليه بعيونٍ تخفي الكثير، كانت صورةً التقطها لها بنفسه داخل مغارة هرقل في زيارةٍ قاما بها إلى هناك يوم انتهاء الامتحانات في العام الماضي.

لسببٍ ما أعادت إليه تلك الصورة ذكرياتٍ جميلة، ملامح عفراء التي كانت أكثر براءةً ووداعةً في ذلك الوقت، نظراتها، ابتسامتها الجميلة، بدا له وكأن لتلك الصورة روحٌ تنظر بها إليه، وأن عفراء التي تتصل به في تلك اللحظة، هي نفسها تلك الجميلة المبتسمة في صورة هاتفه المحمول.

وتردد في فتح المكالمة، واستمر رنين الهاتف، وبدأت تنهال على حاتم أفكارٌ جديدة، أفكارٌ مختلفة، أفكارٌ توجهت به نحو التبرير لها، وتفهم موقفها، واحتمال أن يكون هو المخطئ على خلافها.

ولم لا؟ أليس هو السبب في ابتعادها؟ أليس جفاؤه هو ما جعلها تنفر منه وتتركه؟ لماذا يلومها إذاً مادام لم يبذل جهداً للاحتفاظ بها؟ ألم تبذل وسعها في التقرب منه ومحاولة الاحتفاظ به؟ ألم تكن هي المبادرة للحديث معه أكثر من مرة قبل أن يقابلها بالرفض المخيِّب والجفاء المهين؟

لماذا لا تكون هي المظلومة وهو الظالم؟ لماذا يسمح لنفسه بالتخلي عنها بشكلٍ نهائي؟ هل من الإنصاف أن يدع كل ما بينهما ينتهي عند أول عائق؟

وما المشكلة في أن يرد على مكالمتها؟ أليس عليه أن يستمع لما ستقول؟ أليس عليه أن يقيس مدى إخلاصها؟ ألم يكن هو أول من رسب في امتحان الوفاء؟

كل هذه أفكارٌ خطرت على باله وهو يحدق في صورتها التي تطفو على شاشة هاتفه، واقترب إبهامه الأيسر من الزر الأخضر، وكاد يلامسه، غير أن الشاشة انطفأت فجأة مع توقف الرنين، ثم عادت للظهور فوراً وعليها إشعارٌ بمكالمةٍ جديدةٍ لم يُردَّ عليها.

تنهد بعمق، ووضع الهاتف على السرير، وأسلم رأسه للوسادة، ولم يعرف متى أطبقت يد الكرى جفنيه، وراح في نومٍ عميق…
 
 
* * *
 
 
صحراء قاحلةٌ وجد نفسَه فيها حاتم، استيقظ وعيه على مشهدٍ مرعبٍ غريب، كان يحلم.

صحراء لا أول لها ولا آخر، كثبانٌ رمليةٌ عملاقةٌ وصخورٌ متناثرةٌ متفاوتة الأحجام، بدا له وكأن كل ما في تلك الصحراء ينظر إليه متوعداً، أحس أن الأشياء من حوله اكتسبت ذلك الطابع الآدمي الذي يجعلها تنظر إليه وتعرفه وتخاطبه.

ثقيلةً كانت خطواته، كان يحرك ساقيه بصعوبةٍ بالغةٍ وقد تضاعف وزنه مراتٍ ومرات، كان يحاول أن يعرف أين هو وماذا يفعل في مثل ذلك القفر، ومن بعيدٍ لمح على سطح الرمال أشياء متناثرة، همَّ بالاقتراب منها، أحس أنها هي التي تقترب منه، وعرف فيها أطرافاً آدميةً ملقاةً بإهمال.

رؤوسٌ مقطوعة، وأجسادٌ بلا رؤوس، ووجوهٌ بلا ملامح، وأذرعٌ وسيقان، أرعبه كثيراً ما رآه، أراد أن يصرخ لكن لم يكن له من صوت، أراد أن يركض لكن لم تكن له من طاقة، وهوى على الأرض جزعاً، وانتبه إلى أنه لم يكن يرتدي من شيءٍ إلا ثوباً ممزقاً بنفس لون الرمال، لا يستر منه سوى القليل، وجعل ينظر إلى ركبتيه العاريتين، وقدميه المليئتين بدماءٍ لم يعرف متى ولا من أين جاءت.

استسلم لقدره، وتكوَّم على نفسه مغمضاً عينيه، ثم وكأنه بإغماضته تلك قد نُقل إلى مكانٍ جديد.

رأى نفسه على خطٍّ مستقيمٍ لا بداية له ولا نهاية، ولم يكن من شيءٍ على جانبي الخط سوى السواد الفاحم، وأستارٌ حمراء قاتمةٌ معلقةٌ في الهواء، تعبث بها نسمات هواءٍ لطيفة.

دون شعورٍ منه أخذ يمشي، ولم يكن يحس أن لديه أرجلاً يمشي بها، بل كان كمن يُسحب سحباً، وأحس أنه يتعثر حتى يكاد يسقط على وجهه، ولم يكن يرى أي شيءٍ يتعثر فيه، وكان ينهض من عثرته حتى يستقيم ماشياً، ولم يكن يرى من الذي يقيله من عثرته، وفجأةً تحرك واحدٌ من السُّتُر القرمزية حركةً مريبة، بدا وكأن ريحاً أقوى تعصف بذلك الستار تحديداً، تسمَّر حاتم في مكانه خائفاً وجلاً، وإذا بيدٍ أنثويةٍ تنكشف من الستار.

يد، ثم مرفق، ثم ذراع، ثم كُشف المزيد من الستار عن وجهٍ يعرفه جيداً، وجه عفراء.

كانت تنظر إليه، وكان ينظر إليها، وأحس بالخوف من ملامحها ونظراتها، كانت نظراتٍ واجمة، جامدة، مفرغةً من المعنى، لا يرمش لها طرف، نظراتٍ قوية، مخترِقة، وخاف حاتم، واستقر في نفسه أن الناظرة إليه ليست عفراء التي عرفها، وأراد أن يواصل مشيه.

بضع خطوات، وكان موازياً للستار المنكشف عن عشيقته، وإذا بها تقبض على ذراعه، ولا تنطق بحرف.

حاول تجاهلها، وخطا خطوةً أخرى، فازدادت قبضتها على ذراعه شدة، ثم بدأت تضغط أكثر، وأكثر، كانت تعتصر ذراعه بقبضتها، وأحس لحظتها بشعورٍ غريب.

مزيجٌ من الخوف والقشعريرة، زلزالٌ باردٌ أصاب روحه، وأراد أن يهرب من جديد.

انحنى على ركبتيه، وتكوَّم على نفسه مرةً أخرى، وأغمض عينيه، وأحس بدورانٍ غريب، وإذا بصوتٍ غامض يدوِّي فجأة.

صوتٌ جهوري، قوي، له صدىً يصم الآذان، ولم يكن له مصدرٌ يخرج منه، بل كان قادماً من كل مكان، سمع حاتم ذلك الصوت وهو يخترق أذنيه، كان هاتفاً في المنام خاطبه قائلاً:

– {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيما}.

وفتح حاتم عينيه.

استيقظ من نومه وصدى الهاتف لا يزال يتردد في أذنيه مزلزلاً لكيانه، انتبه إلى أن جسده كان مقشعراً، وأن جبينه يقطر عرقاً، وأنه كان يلهث خائفاً من شيءٍ لا يعرفه، وانطلقت منه دون شعورٍ كلماتٌ لم ينطق بها منذ زمنٍ بعيد:

– “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا إله إلا الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.”

لم يذكر عن نفسه أنه قرأ تلك الآية من قبل، أو أنه حفظها في طفولته، كيف وهو الذي لم يستقبل قبلةً منذ أمدٍ بعيد، عدا ظهراً واحدةً صلَّاها في أول أيام شهر رمضان الماضي.

ظل مقشعراً يلهث ويجفف عرقه، ثم إنه أحس بشيءٍ يؤلم ذراعه، وانتبه إلى أنه انقلب أثناء نومه، بحيث ضغط بذراعه الأيمن على هاتفه الذي كان ملقىً بإهمال على سريره، فآلمه الهاتف وترك على ذراعه أثراً طفيفاً.

بقي حاتم على حاله عدة دقائق، حتى بدأ الاطمئنان يعود إليه من جديد، وكان يستمد اطمئنانه من كل شيءٍ يعرفه ويرى خياله في ظلام غرفته، لقد بدا له وكأن الخزانة والجدران والمنضدة وما وُضع عليها من أشياء، بدا له وكأنها جميعاً تربِّت على كتفه وتقول له:

– “اطمئن، أنت أنت، ونحن نحن، أنت حاتم، ونحن غرفتك، وأنت لا تزال على قيد الحياة!”

استوى واقفاً، واتجه نحو نافذته التي أزاح ستارها، وأطلق بصره في أفق طنجة وسمائها المزينة بالبدر والنجوم، واسترسل يتأمل في بحرها المظلم البعيد ومبانيها المتناثرة ومآذنها الشامخة.

وعلت أصواتٌ متباعدةٌ متداخلة، أصواتٌ تغلغلت في نفسه بسكينةٍ لم ينعم بمثلها منذ زمن.

كانت تلك أصواتاً يعرفها ويميزها، غير أن إحساساً غامضاً انتابه على نحوٍ جعله يتوهم بأنه يسمعها لأول مرةٍ في حياته.

كانت تلك الأصوات أذان الفجر الذي ينساح في سماء طنجة محمولاً على أجنحة الملائكة.

وانحدرت من عين حاتم دمعةٌ دافئة…
 
 
* * *
 
 
رفع الإمام (حجاج العلمي) صوته بالتسليم، معلناً انتهاءه من صلاة الجمعة.

وعند باب مسجد (بدر) ازدحم الخارجون من المصلين مع المتسولين الطالبين لإحسانهم، وفي الطريق المقابل للمسجد، والملاصق له، تناثر الباعة المتجولون كلٌّ ينادي على بضاعته.

باعة عصير، وفواكه، وتمر، وملابس تقليدية، وامتلأ الشارع عن آخره بلغط الناس وزحامهم وهم يتصافحون ويتعانقون، وبعضهم يمضي صامتاً في حال سبيله، وبعضهم يساوم بائعاً على ما يعتزم شراءه منه.

وكان من بين الخارجين من المسجد شابٌّ في مقتبل العمر، انتعل حذاءه، ومضى يشقُّ لنفسه في الزحام طريقاً للخروج، وشوهد وهو يدسُّ متخفياً في أيدي المتسولين قطعاً نقديةً دون أن ينظر في وجوههم، وبعد لحظاتٍ ومضت الأضواء البرتقالية الأربعة لسيارةٍ فاخرةٍ مركونةٍ على جنب الطريق، وبعد ثلاث ثوانٍ كان الشاب يفتح الباب ويتخذ مكانه في مقعد السائق.

أدار الشاب المفتاح وارتفع هدير المحرك، وامتد أصبعه إلى آلة التسجيل، وبعد ثوانٍ كانت السيارة تمضي، ومن داخلها ينبعث صوتٌ شجيٌّ للمقرئ (سعد الغامدي):

– {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّة، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ، وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

أدار الشاب المقود في شارعٍ قريبٍ من ولاية طنجة، وفاجأه أن شاباً يمشي بإهمالٍ وسط الطريق، تفاداه مسرعاً، أدار المقود إلى الناحية الأخرى بسرعة، ضغط الفرامل بكل قوته، سُمع صوت احتكاك العجلات بإسفلت الشارع، ثم صوت الاصطدام والزجاج الذي يتهشم.

اهتزَّ الشاب في مقعده، وانتبه إلى أنه اصطدم بسيارةٍ عتيقةٍ كانت مقابلةً له، وأغاظه أن سائق السيارة لم يخفض من سرعته ولم يفرمل.

فتح الباب ونزل ثائراً يحتج، كان عابساً، وعلى استعدادٍ للعب دور الصرامة الضرورية التي تتطلبها حوادث السير تلك، والتي قد تصل إلى حد الشجار أحياناً، ولحظتها نزل سائق السيارة المقابلة، وكان رجلاً في أواخر الأربعينات من عمره، أو هكذا يبدو.

ولم تحتج المحادثة بين السائق الشاب وعابر الشارع لوقتٍ حتى تحتدم، كانت أصواتهما قد شرعت في الارتفاع:

– “ما بك؟! ألا تنظر أمامك؟!”

– “الرصيف للراجلين والطريق للسائقين! هل تحتاج لمن يعيد تعليمك هذا؟!”

– “احترم نفسك أيها السيد! أنت من استدار مسرعاً دون انتباه! لو كنت أصبتني كنت ستندم!”

– “بل أنتم سبب الكوارث أيها الجهلة! تتركون الرصيف المخصص لكم وتتمشون على إسفلت الشارع دون اعتبارٍ للسيارات، ينقصكم الكثير لتتعلموا!”

– “بل الجهلة هم الذين علموك القيادة وأعطوك الرخصة!”

– “نعم هذا لأني تفاديتك وصدمت سيارتي! وكان علي أن أسحقك على ما يبدو حتى تتعلم قواعد المشي في الشارع!”

ثم التفت إلى الرجل الأربعيني بنفس النظرات الحادة، وخاطبته متوعداً:

– “وأنت يا سيدي لم تنتبه واستمررت متقدماً دون أن تحسب حساباً لما تراه! اسمح لي لكن الخطأ خطؤك! وإن شئت أن نصل بالأمر إلى الشرطة فلا مانع لدي!”

قهقه الرجل بلطفٍ وهو يهز رأسه يمنةً ويسرة، وربَّت على كتف الشاب وهو يقول مبتسماً وبنبرةٍ رزينة:

– “ولم كل هذا الغضب يا ولدي؟ لم يحصل شيءٌ بحمد الله، بسيطة! الأمر لا يستحق منك كل هذا الغضب.”

وخجل الشاب من نفسه، وأحنى رأسه، كانت قهقهة الرجل من النوع الذي يجعلك تحس بتفاهة غضبك، ثم يستبد بك ندمٌ عميقٌ على صراخك وانفعالك، تمالك الشاب خجله وقال بصوتٍ أكثر انخفاضاً وقد بدأ يهدأ:

– “لست غاضباً يا سيدي، لكن فقط…”

ثم صمت، وكان الرجل قد انصرف لمراضاة الشاب الآخر:

– “ولا بأس عليك أنت يا ولدي، سوء تفاهمٍ بسيط، لنحمد الله أن شيئاً لم يحصل.”

أما صاحبنا فكان قد انصرف لمعاينة الأضرار في كلتا السيارتين، كان يراقب قطع الزجاج المهشم على الأرض، ويمرر يده على الأجزاء المنبعجة من هيكل سيارته، وحانت منه التفاتةٌ إلى داخل سيارة الرجل، وإذا بشيءٍ رآه استوقفه.

كانت فتاةٌ تجلس في المقعد الأمامي إلى جانب السائق، قدَّر أنها تصغره بأعوامٍ قليلة، وكانت تجول بعينيها في المكان بقلقٍ وارتباك، ثم التقت عيناها مع عيني الشاب لحظة نظره إليها، فأطرقت خجلاً وحياءً، وحوَّل الشاب بصره عنها، وقد انقذف في قلبه انجذابٌ غريب.

كانت جميلة، بل فاتنة، وزادها تألقاً وجمالاً بياض وجهها وصفاء عينيها وبراءة نظراتها، كانت تتلألأ في حجابها الساتر الذي تشع منه ملامحها كقطعةٍ من الضوء أو كبدرٍ ينير ظلام الليل.

عاد الشاب إلى محادثة الكهل، وكانت الأجواء قد لُطِّفت بينهما تماماً، بل إنهما صارا يتبادلان أحاديث ودية:

– “الحمد لله، الحمد لله أن لم يصب بيننا أحد، أن يصاب حديد السيارات أمرٌ هينٌ بإذن الله، أليس كذلك يا ولدي، أليس كذلك يا… يا…؟”

– “حاتم، حاتم يا سيدي… وبلى، كلامك صحيح، نحمد الله على لطفه…”

ولم يجد المارة بذلك الشارع حافزاً للمكوث طويلاً قرب الحادث، فلا صراخ كان هنالك ولا شجار، بل رجلان يتحادثان بلطفٍ ويبدو أن حبلاً من الود يوشك أن يربط بينهما.

ومن يدري؟ لعله قد كان لحاتمٍ في تلك الحادثة سرٌّ ما، أو مفاجأةٌ تنتظره في طيات القدر، إن هنالك خيوطاً خفيةً تحركنا جميعاً، تجمع بيننا وتفرِّق، ولا أحد منا يعلم شيئاً عن تلك الأسرار التي تختبئ له خلف الحوادث الصغيرة ووجوه الناس الذين يلتقي بهم، وتلك الصدف التي تدهشنا أحياناً وتحملنا على أن نقول في وقتٍ لاحقٍ (سبحان الله).

حاتم نفسه، لم يكن يعرف ما الذي يختبئ له وراء أيامه القادمة، غير أنه بدا في تلك اللحظات مستبشراً، مشرق الوجه، وقد استقر في أعماق نفسه خاطرٌ متفائلٌ جميل، بأن أبواباً جديدةً توشك أن تُفتح في حياته…

Advertisements

3 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. “أمست أيام حاتم بطيئة، رتيبة، مملةً لا جديد فيها، كان كل شيءٍ في حياته يتناقص باستثناء التفكير الذي أمسى يجد سبيلاً إلى عقله، ولعل الفراغ الذي تركه انحسار مساحات اللهو والانطلاق في حياته أفسح المجال لاكتساحٍ واسعٍ للحظات التأمل والتفكير، فيم كان يفكر؟ لا أحد يدري!” تحتاج الى تأمل طويل

    ” كان عابساً، وعلى استعدادٍ للعب دور الصرامة الضرورية التي تتطلبها حوادث السير تلك” أبدعت في الكوميديا ^^

    تمالك الشاب خجله وقال بصوتٍ أكثر انخفاضاً وقد بدأ يهدأ:

    – “لست غاضباً يا سيدي، لكن فقط…”

    رائع رائع

  2. رائعة رغم بعض الملاحظات البسيطة..
    دمت مبدعا

  3. موضوع شيق .. جزاكم الله خيرا

    الصحيفه الصادقه مدير موقع


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: