شعرٌ طويل، ولحية ~

13/04/2013 عند 14:09 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

cha3r tawil

.

ابتُليت مجتمعاتنا المكلومة بكثيرٍ من الكيل بمكيالين، والتناقضات المريبة، وإصدار الأحكام الجائرة، وتصنيف الناس وفق قوالب معدَّةٍ سلفاً. وأسوأ ما في ذلك ابتعاد هؤلاء المصنِّفين عن التزام العدل والإنصاف في أحكامهم التي يصدرونها، وأسوأ منه عدم انتباههم لأنفسهم، وعدم انتباه الناس لهم، حتى كان لهذه الاختلالات أثرها المسموم في عمق الوعي الجمعي عند المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها…

إننا مازلنا نشاهد ونسمع من ينتقد بعض مظاهر الالتزام الشكلي والهدي الظاهر التي تنتشر بين الشباب، فيما يتعلق بالاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشكل والمظهر، ونجد من يعتمد في تصنيفاته وانتقاداته على قوالب جاهزةٍ معلَّبةٍ يفرِّق بها بين ما هو (معاصرٌ) وما هو (قديم)، وبين ما هو (منفتحٌ) وما هو (منغلق)، وبين ما هو (عاديٌّ) وما هو (رجعي)، وبين ما هو (معتدلٌ) وما هو (متطرِّف).

وإنه لمن العجيب حقاً، والمثير للحزن والحسرة، أن نسمع من المسلمين، بل من بعض متديِّنيهم والمحسوبين على حركاتهم الإسلامية من يقول:

– “وهل تريدونها سلفيةً رجعيةً متخلِّفة؟ هل تريدون اللحية والثوب القصير والشعر الطويل؟ واكبوا العصر قليلاً! سيروا في ركاب التطور!”

نعم… إن مواكبة العصر واجبة، والسير في ركاب التطور فرض، لكن بعض التجريد للأمر يقودنا نحو ملاحظاتٍ تجعلنا نتساءل عن أصل ذلك التناقض ومنبعه، فاللحية ليس حكراً على المسلمين وحدهم، بل نجد من أصحاب التيارات المعادية للإسلام من يطيلون لحاهم أيضاً، ونجد من الشباب المعاصر من يخترعون لشعر وجوههم قصَّاتٍ وتقليعاتٍ يقتبسونها من قواعد الموضة والأناقة الغربية، والغريب أن ذلك يُقبل منهم في داخل المجتمع المسلم، على اعتبار أنهم – ببساطةٍ – شباب، وأن من حقهم أن يتباهوا بأنفسهم قليلاً، ومن حقهم أيضاً أن يبلغوا ما تشتهيه أنفسهم من الظهور بمظهرِ من يحبُّونهم من الفنانين والمشاهير، في الغناء والتمثيل وكرة القدم، وغير ذلك من الرياضات والفنون المعاصرة!

ونحن نشاهد صوراً لـ (كارل ماركس) و(تيودور هرتزل) بلحىً طويلة، ونرى كثيراً من الرسامين والفنانين، والممثلين والمخرجين السينمائيين، يلتحون أيضاً، وجميع هؤلاء ليسوا مسلمين بالضرورة، بل قد يكون فيهم من يحارب الإسلام بشراسةِ من حُشي قلبه ظلمةً وحقداً!

ألا يشير هذا إلى شيء معين؟ ألا يشير هذا إلى أن اللحية ليست مرفوضةً في حدِّ ذاتها بوصفها رمزاً ذكورياً أو تقليعة من تقليعات الموضة؟ لكنها مرفوضة فقط، وأضع ألف خطٍّ على كلمة فقط، عندما تكون لدوافع دينية، بل وإسلاميةٍ على وجه الخصوص، وعندما تكون بالذات اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة لحيته.

نفس هذا ينطبق أيضاً، وحرفياً، على لمة الشعر والثوب القصير، فإننا نرى شباب الموضة يطيلون شعورهم، وفي الصيف يرتدون بنطلوناتٍ قصيرة إلى منتصف الساق، ويُقبل منهم ذلك ما عُلم أن نيَّتهم منه اتباع الموضة والالتزام بزيٍّ معاصر، لكن نفس الشيء، أعني لمة الشعر والثوب القصير، يُرفض منهم رفضاً تاماً إذا تبين أنه كان منهم لدوافع دينية، بل إسلاميةٍ على وجه الخصوص، واقتناعاً منهم بما ورد في هذه الأمور من أحاديث تحثُّ على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه الظاهر.

وفي الشتاء يُقبل من الرجال أن يرتدوا بنطلوناتٍ تصل لأسفل من الكعبين، وفي الصيف يُقبل منهم الاصطياف في البحر بسراويل قصيرةٍ أعلى من الركبة، لكن نظراتٍ من الازدراء وهمساتٍ من السخرية تُسلَّط على من اختار السباحة بسروالٍ يتجاوز في طوله الركبة ليصل إلى منتصف الساق!

ومثل هذا غرابة، أن نسمع من يقول، وبحماسةٍ شديدة، مجيباً أيَّ شخصٍ ينتقد المتبرجات من الفتيات:

– “لا تحكموا عليهنَّ من مظهرهن، الله أعلم بما في دواخلهنَّ من صلاح.”

ثم يكون هذا المتحمس هو نفسه من يحكم على الملتزمات المحجبات من مظهرهن، ويقول بحماسةٍ مماثلة:

– “لا تحكموا عليهنَّ من مظهرهن، الله أعلم بما في دواخلهنَّ من فساد.”

وفي نهاية المطاف، نجد أن أيَّ لاعب كرة سلةٍ كان سيبدو أنيقاً ومعاصراً جداً وهو يضع لحيةً ويطيل شعر رأسه إلى الكتف، ويرتدي (تي شرت) وسروالاً رياضياً قصيراً إلى منتصف الساق، غير أن هذا اللاعب نفسه سيتحول إلى سلفيٍّ رجعيٍّ متخلِّف، فقط لو خلعنا عليه ثوباً إسلامياً أبيض اللون، يصل في طوله إلى نفس ما يصل إليه سرواله الرياضي الأنيق!

ألا ترون معي إذاً، أيها السادة الكرام، أن جملةً من الأحكام التي نصدرها، والبدهيات التي نسلِّم بها، بل وحتى ما يقع في أنفسنا من انطباعاتٍ وأحاسيس تنبع مما تشبَّعنا به من مفاهيمنا لما هو مقبولٌ وما هو مرفوض، وبين ما هو تقدميٌّ وما هو رجعي، تحتاج منا إلى مراجعةٍ جذريةٍ وتمحيصٍ مبدئي؟!

13/04/2013

Advertisements

2 تعليقان »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. احسنت القول بالرجعيه (اساطيرالأولين) هو قول قديم ايضا قال تعالى ( حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ).

  2. التصنيف حسب النية !..
    فمن كانت نيته اتباع الموضة الغربية قُبلت منه ، ومن كانت نيته اتباع السنة النبوية رُفض !

    انهزام وتقليد .. البعض يظن ان الغرب بلغ الحضارة بما يلبسه حثالة مجتمعهم !

    وسيحدثونك كيف يكرهون ان يعمم عليهم “المتدينون” من مظاهرهم ، رغم انهم لا يتوقفون عن التعميم على “المتدينين”لمجرد مظهرهم .

    اجمل الكتابات ما يكون ارتجالا .. شكرا انس


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: