مـوت الـحـاكـم ~

03/02/2013 عند 00:45 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 4 تعليقات

موت الحاكم ~

.

لم ير أحدٌ من عابري السبيل الذين جنَّ عليهم الليل بضواحي المدينة ذلك القادم الغريب، ليس لأنه كان متوارياً عن أنظارهم، وليس لأن رداء الليل كان يحجب مرآه عنهم، بل لأنه لم يكن من أولئك الذين يمكن رؤيتهم.

ولو قُدِّر لأحدٍ أن يرى ذلك الوافد ليلاً على المدينة، لما كان بمقدوره أن يتبين من ملامحه شيئاً، ولما استطاع أن يصفه بأكثر من كونه رداءً أسود غامضاً، فظيعاً لحدِّ الرعب.

كان يتقدم بخطىً وئيدة، ويقف على أعلى التل البعيد المطل على البلدة الواقعة بين جبلين، لقد بدا وكأنه قادمٌ من أجل مهمة.

كان يغطي رأسه، ولم يكن بالإمكان رؤية وجهه بحالٍ من الأحوال، ما الذي جاء من أجله هذا القادم من السماء؟

مدَّ الرداء الأسود ذراعيه، بدا وكأنه يحتضن المدينة والجبلين معاً، وهبت ريحٌ قويةٌ لها صفيرٌ مهول، كان كل ما في ذلك المشهد الرهيب ينذر بأن أمراً جللاً سوف يحصل.

ليلٌ دامس، وسماءٌ تلبدت بغيومٍ كثيفةٍ انساح فيها ما تناثر من ضوء القمر، كانت تلك السحب مصدر الضوء الوحيد، والذي نستطيع من خلاله رؤية الأبنية الكثيرة المتزاحمة والممتدة على مساحةٍ كبيرةٍ بين جبلين شاهقين، والرداء الأسود المجهول يقف بعيداً عنها، مشرفاً عليها، ماداً ذراعيه إلى الحد الأقصى، وفجأةً بدا وكأنه قفز.

لا، لم يكن انتحاراً، بل إنه قد حلق بانسيابٍ متجهاً نحو المدينة، وكان يتمايل ملايناً أمواج الرياح، ثم إن سرعته قد ازدادت شيئاً فشيئاً، وصار مقترباً من المدينة شيئاً فشيئاً، وغاب أخيراً في الظلام فلم نعد نستطيع رؤيته.

وفي صباح اليوم التالي، استيقظ أهل المدينة على خبر وفاة الحاكم.

 
 

* * *
 
 

كان يوماً لم تشرق فيه شمس، وأعلنت فيه السماء حدادها، وأبت الغيوم المحتشدة أن تنقشع، فخلعت على أجواء المدينة ومبانيها وطرقاتها ذلك الثوب المأتمي الكالح.

وعند المقابر المزدحمة بسكانها، احتشد جمعٌ من الناس عصراً، ليشهدوا حاكمهم وهو يوضع في حفرة، ويُحثى عليه التراب. لقد كان بالأمس حاكماً مُهاباً، وهو اليوم جثمانٌ مسجَّى، ممددٌ على نعشٍ خشبيٍّ، محمولٍ على أكتاف أناسٍ يشقُّ سيرُهم البطيء جموعاً من الرجال وقد انحسرت أبصارهم، وانخفضت رؤوسهم، وأظلم مرأى الحياة في عيونهم، فأظلمت في مرأى الحياة وجوههم.

وصل النعش إلى الحفرة الفاغرة فاها، وأُطعمت الأرض جسداً جديداً، وبرز من الجموع فتيانٌ عراة الأذرع مفتولو الأجسام، يحملون معاول شرعوا يغرسونها في كومة التراب، ثم يُفرغون ما حملوا منه داخل الحفرة يغلقونها.

في تلك الحفرة يرقد حاكم البلاد في مثواه الأخير، ولو أن الروح عادت إليه في لحظاته تلك، وقُدِّر له أن يسمع الأصوات من فوقه، لما سمع شيئاً غير صوتِ التراب وهو يُحثى على لحده، وضرباتِ الحديد وهي تنغرس في التراب، ممزوجةً بأنينِ بكاءٍ خافتٍ وشهقاتٍ لا تكاد تُسمع، وصوتِ رجلٍ يتلو برزانةٍ نصاً لن يسعه أن يتبين حروفه وكلماته.

انفضَّ زحام الناس عن القبر الجديد، وانقشعت الغيوم كاشفةً عن قرص الشمس وهو ينحدر نحو مغيبه وراء الأفق القاحل، وإن هي إلا لحظاتٌ حتى أطفأ الكون سراجه، وإن هي إلا لحظاتٌ حتى تلاشت أضواء الشفق، وغرقت المدينة، ومقابر المدينة في ظلامٍ دامس.

كان الصمت رهيباً، ولم تزده أصوات الرياح العاتية في تلك الليلة إلا رهبةً ورعباً، ومن بعيدٍ كانت تلوح أعلامٌ سوداء نُصبت فوق سطوح المباني في المدينة الحزينة، كان كل شيءٍ يبدو حدادياً، وكانت الرايات السوداء ترفرف بعنف.

وحوالي منتصف الليل، وأمام القبر الذي لم يزل مبللاً تعلوه قطوفٌ من سعفات النخيل، انبثق من الفراغ شعاعٌ ما.
 
 

* * *
 
 

كان ضوءً، كانت شرارةً قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

ما أسعدك يا مولاي بما صرتَ إليه، وما أعظم مصابنا بفقدك، لقد جئتُ أبكيك بدموع رعيتك رجالها ونسائها، صغارها وكبارها، وهل لأحدهم مصابٌ أعظم منك؟ وهل للبلد بعد رحيلك خلفٌ عنك؟ لا ورب السماء ليس بعد الكمال إلا النقصان، وليس بعدك إلا مقتبِسٌ من نورك، سائرٌ على هدي خطاك فمسدَّدٌ وضال.

ومن ذا قادرٌ على أن يحلَّ محلك؟ ويملأ مكانك؟ ويعتلي عرشك؟ ويدبر أمر البلد من بعدك؟

إنه من يقل يا مولاي بأنك قد أتعبت مَن بعدك فما عرفك حق معرفتك، وما قَدَرك حق قدْرِك، بل إنك يا سيدي قد أعجزت خلفاءك عن مجاراتك، وأرحتهم من بلوغ مقامك، فكان يأسهم من ذلك عذراً قبله الناس منهم، واقتداؤهم بك فضلاً يتنافس عليه العقلاء فيهم، ومن ذا قادرٌ منهم على أن يخلق من الأرض اليباب دولةً قويةَ البنيان ثابتةَ الجِنان شامخةَ العمران، يخطب ودَّها الأصحابُ ويهاب جنابَها الأعداء؟ وهل يسَعُ عابرَ السبيل إن اتفق له على أبناء رعيتك مرور، إلا أن تضطربَ عيناه ويحارَ عقله، ثم يفيضُ لسانه بما قد هاج في نفسه، فإن خيراً فمحبةٌ ودعاء، وإن شراً فأحقادٌ وعداء؟

إنك يا مولاي قد حملت همَّ البلد فرداً، ونهضت لخدمة رعيتك فرداً، فضبطتَ أسماءهم وأنسابهم، ووزَّعتَ بالعدل بينهم أرزاقهم، ثم درستَ طباعهم وأحوالهم، ولمستَ أفكارهم وأحلامهم، فكتبتَ لهم الدساتير وشققتَ لهم القوانين ودوَّنتَ لهم الدواوين، ثم جيَّشتَ لهم الجيوش وأقمتَ عليهم الشُّرَط تحفظ أمنهم، وشيَّدتَ لهم المباني والصروح تحفظ ثغورهم وحدودهم، وأقمتَ لهم المدارس والمعاهد، والمصانع والمعابد، ووظَّفتَ لهم من إخوانهم من يسهرون لهم على مصالح شؤونهم.

إنهم كانوا قبلك يا مولاي هملاً رعاعاً، هائمين على وجوههم متأبطين لشرورهم وأسلحتهم، متغايرين متحاسدين يقتل بعضهم بعضاً، ويغير القوي منهم على الضعيف فتسيل دماؤهم على الأرض أنهاراً، وتتناثر منهم الرؤوس والأشلاء تفترسها الوحوش الضواري والطيور الجوارح.

ثم جئتَ يا مولاي فوقفتَ على شأنهم وشددتَ أزرهم، وسوَّرتَ بلادهم وأقمتَ فيهم سلطان العدل فانضبطوا، وألزمتهم بدين الحق فصلُحتْ أحوالهم وعمَّ فيهم نظام العيش، وكان من رحمة الله بهم أن طال عمرك ومُدَّ في زمان حكمك خمسين عاماً ما رأت فيها رعيتك إلا خيراً، حتى مُتِّعتَ بمرأى أرضك وقد أمست جنةً يعلوها شامخ الصروح، وبرعيتك وهي تعرف لك فضلك وتدين بالولاء لك، حتى وُلد لهم اليوم أبناءٌ وأحفادٌ يرفلون في نعيم أفضالك عليهم، وليسوا يعرفون مما سبق من أيام آبائهم وأجدادهم إلا حكاياتٍ هي عندهم من أساطير الأولين، يسمعونها فيلهون بها، ثم سرعان ما يعرضون عنها، ويمضون ملتفتين إلى أعمالهم وألعابهم.

وها قد رحلتَ يا مولاي ومعك العزة والمجد، وتركتنا بعدك والله أيتاماً حيارى، فطبْ نفساً يا سيدي وارقد بسلام، فإن الذي مدَّ في عمرك حتى انصلحت أحوال البلد على يديك، لقادرٌ على أن يقيِّض للبلد من بنيك من يحفظ لك هيبة سلطانك وسؤدد عرشك أبداً ما طال الزمان.

طب نفساً يا سيدي، ونحن ندعو الله أن ينفعنا بحبك ويجمعنا بك غداً في جنات النعيم على سررٍ متقابلين، فلتشملك وإيانا رحمة الله ومغفرته.”
 
 

* * *
 
 

وما إن كاد ذلك المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه آخر مثله.

ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

لقد هلكتَ أخيراً أيها الغاشم الظالم لرعيته، ولم تهلك إلا بعد أن استطال بك زمانك واستدام عذابك، وإني أتساءل أين احتملك الآن زبانيتك، وفي أيِّ حفرةٍ من حفر الجحيم أنت الآن تهوي؟

سبحان مالك الملكوت إن لكل طاغيةٍ نهاية، وإن يد الموت أقوى من كل قوي، وها هو صاحبكم الآن وقد طغى وتجبر خمسين عاماً، كان يحسب نفسه فيها خالداً مخلَّداً تفرُّ منه الأقدار وتهابه أجنحة الموت، فإذا به الآن ملقىً في حفرة، مردوماً عليه التراب، وإن هي إلا ليلةٌ أو ضحاها حتى تجور عليه ديدان الأرض وهوامها فتهتك ستره وتفتك بجسمه، فأين الآن حُجَّابه وحُرَّاسه؟ وأين الآن عساكره وجنوده؟ ثم أين غلمانه وجواريه، وخدمه وحشمه؟

إنكم قد أفرطتم في إظهار الحب لصاحبكم حتى علا عليكم، وحسب نفسه إلهاً يصرِّف أقداركم ويقسِّم أرزاقكم، ولقد استكنتم له فاستمكن من أمركم، ثم لما طال زمان خنوعكم قبض على أزمَّتكم واقتادكم في هواه وجثم على صدوركم بشططه.

إن الطاغية ما كان ليجعل نفسه عليكم سيداً حتى جعلتم أنفسكم له عبيداً، وما ذاك إلا من مهانة أنفسكم وحقارة معادنكم، حتى إذا اطمأنَّ منكم الذل والخنوع ساسكم قطيع شياهٍ ترتع في مرعاه وتَرِدُ من واديه، وما طعامكم وشرابكم إلا من فضلةِ ما يمنُّ به عليكم.

إنه إن كان إظهاركم الولاء لجلَّادكم عن خوفٍ من سطوته فذلك من ذِلَّتكم وانحطاط هِمَّتكم، وإن كان عن عرفانٍ له منكم بأفضالٍ له عليكم، فذلك من صميم حمقكم وغباوتكم، وهل فعل صاحبكم ما فعل، إن كان قد فعل، إلا لنفسه؟

هل زرع الظالم أرضاً إلا أن تكون حديقةً لقصره؟ وهل استنبت زهراً إلا أن يكون زينةً لشُرَفه؟ وهل أجرى نهراً إلا لترتع فيه ماشيته؟ -وهل أنتم إلا من ماشيته؟!- وهل بنى سداً إلا ليحفظ جدران مبانيه؟ وهل أقام جنداً على التخوم إلا رعايةً لنفوذ حكمه وبسطاً لمساحة جبروته؟ وهل نشر الشُّرَط بينكم إلا ليتحسَّسوا من أخباركم ويحصوا عليكم أنفاسكم، ثم ليقطعوا لسان شجاعٍ منكم إن استيقظت فيه عزَّته، وسولت له مروءته أن يقول فيه كلمة حقٍّ ومقالة صدق؟

وهل كان حقنه لدمائكم إلا استكثاراً لعبيده منكم؟ وهل كان تعليمه لكم إلا لكي يعرِّفكم حقه عليكم؟ ثم لتمضوا أعماركم تسبِّحون بحمده وتقدِّسون لاسمه؟

لقد استخفَّكم صاحبكم فأطعتموه، وحنيتم له رؤوسكم فأعمل فيكم صوته يخادع به حمقكم، وسيفه يتسلَّط به على ضعفكم، ثم استأثر بالحكم عليكم، وعضَّ بنواجذه على عرشكم، وأبى أن يترك حكمكم حتى يهلك وعلى رأسه تاجكم، ولقد تم له مراده، وهلك وعلى رأسه بحقٍّ تاجكم، وهل كان لينزل عن عرشكم من ذاق حلاوة الجور على أمثالكم؟ وهل يصنع طاغيةٌ تسجد له رعيته إلا أن يتمادى في طغيانه على أرزاقكم وأعماركم؟

سيذكر التاريخ عاركم، وسيأتي في قابل الأجيال من يقرأ شناركم، وسيذهب الله بكم كما ذهب بمن كان قبلكم، وسيذهب بمن سيحكمكم كما ذهب بمن قد حكمكم، وغداً سيجلس على عرشكم من نسل الهالك طاغيةٌ جديد، ولسوف تَذِلُّون له كما ذللتم لأبيه من قبل، ولسوف يجور عليكم بأشنع مما جار به الأسبقون.

لكن لصوت الرعية، صوت الحق، كلمةٌ هي الفصل في ما سيأتي، ومن بين ظهرانيكم سيبرز من يكسر القيد ويحطِّم الغل، ويقذفها في وجه الطغيان صرخةً مدويةً يهتز لصداها عرش الظالم، وتتهدَّم من شدتها حصون القهر وأسوار الرهبة.

إن غداً لناظره قريب، وسترون منا ما ترتعد منه قلوب طغاتكم، ويرتجف له ضعاف الهمة منكم، وعلى الهالك المأفون لعائن الله تلحقه إلى يوم الدين.”
 
 

* * *
 
 

وما إن كاد المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه، مرةً أخرى، آخر مثله.

ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

ألا حقاً ما أغرب أمركم وما أعجب شأنكم، كيف يتطاول الواحد منكم على شدائد المسائل وعظائم الأمور، ويدَّعي في نفسه سبراً لمجاهل الحكم ومغاور السلطان! أيها الناس لا تكثروا النظر إلى الشمس فتعمى أبصاركم، ولا يحلِّق أحدكم قريباً منها فيحترق جناحاه ويهوي.

وما أدرى أحدكم أيها الأغرار بشؤون الحلِّ والعقد ودقائق السياسة والتدبير؟! وهل يحسب العاقل منكم أنه إن عاش من السنوات عشرين أو ثلاثين، أو قرأ من الكتب مئةً أو مئتين، بقادرٍ على أن يطيح بحاكمٍ باشر شؤون الخلق عمرَ جَدِّه، وينصِّب آخر على مثال أهوائه ومطامعه؟!

ألا سحقاً لكم ما أخبث نفوسكم وما أقبح سرائركم، كيف وما أطلق ألسنتكم على مولاكم إلا حِلمه عليكم ورأفته بكم؟! ولو شاء لأخذكم بسطوته أخذ عزيزٍ مقتدر، ولسلَّط عليكم من يسمل عيونكم ويبقر بطونكم ويقطِّع أطرافكم، ثم يصلِّب رؤوسكم على الأسوار والأبواب عبرةً لغيركم ممن رشُدَت عقولهم، وعلموا أن سلامة عيشهم في القناعة بما يتفضل عليهم به سيدهم وصاحب نعمتهم، له من الله العزيز القدير كل الرحمة والغفران، وجزاه عنا وعنكم وعن أهل هذا البلد جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالداً فيها أبداً ما امتدَّ بالوجود زمانٌ وما وَسِع بالخلائق مكان.

واعجباً لكم كيف تقابلون البِرَّ بالفجور، وتجازون الإحسان بالإساءة، وإن أحدكم قد وُلد هو وأبوه في هذا البلد تحت ظلال عرشه ينعم بسديد حكمه، آمناً على نفسه وماله، يحرث أرضه ويسعى في شأن بيته، ولقد كنتم صغاراً تأكلون وتشربون، وتنامون بين الجدران وتحت السُّقُف، وتتقلَّبون على الفُرُش تلفُّكم الأغطية، ثم تركضون مع أترابكم في الملاعب والساحات، وتغْدُون إلى المدارس تتعلمون العلم، وإلى المصانع تحترفون ما سوف ينفعكم.

ثم تشبُّون وتتفاخرون وتتبارزون، ثم تجدُّون وتكسبون، ثم تتزوجون وتنجبون، وكل هذا من خيره لكم وعظيم فضله عليكم، والجنود في تخوم البلد يحرسونكم، والعسس في طرقاتكم وعند أبواب منازلكم، وأنتم إذ تنامون ملء جفونكم فإنهم على الدوام مستيقظون، ولهجمات الأعداء مستعدون متأهبون.

حتى إذا اشتدَّت أعوادكم وتفتَّحت أبصاركم وبلغتم مبالغ الرجال، جحدتم سيدكم واغتبتموه وقلتم فيه مقالة السوء، ولو قدَرتم عليه لغدرتموه وفي ظهره لطعنتموه، وما ذلك إلا لحقدٍ يختلج في نفوسكم، وحسدٍ يعمي أبصاركم، وظلمةٍ تطمس قلوبكم.

إنكم إذ تعيبون على سيدكم طغيانه فما حملكم على ذلك إلا طغيانكم، وفي قلوبكم في الجبروت ما لو مُزجتْ قطرةٌ منه بسبعة أبحرٍ لامتزجت كلها، لولا أن الله برحمته قد أضعف شوكتكم وخيب آمالكم وخذلكم في أنفسكم، فأذلاء عشتم وأذلاء تموتون، وبحقدكم تحترقون وبحسدكم تختنقون.

وليتكم تعلمون وأنتم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، أنكم لم تقْدِموا إلى هذه الدنيا ولم تنعموا بالعيش في هذا البلد إلا بعد أن استقامت أموره وعمَّت خيراته، وشاع فيه المال وشُقَّت فيه المسالك وعُبِّدت فيه الطرقات، ونَعِمَ الناس فيه برغد العيش حتى كثُر فيهم الغِنى وظهر فيهم الترف، وما عدتَ تجد فيهم فقيراً معوزاً ولا معدماً سائلاً، ودونكم فانظروا إلى أحوال الناس وما صار لديهم من المآكل والمشارب والمراكب والملاهي، وإنْ تسألوا أجدادكم يؤتوكم بخبر ما كان، وبَوْنِ ما بينه وبين ما هو كائن، فهم يذكرون وأنتم لا تذكرون، وهم يعلمون وأنتم لا تعلمون، وكل ذلك مما عمَّ عليكم من خير سيدكم، فحريٌّ بكم أن تحمدوا الله على ما كان وتسألوه الرفق فيما سيكون، لكن القناعة أعوزتكم فتحركت مطامعكم، وخبُثت نفوسكم فساءت مقالاتكم.”
 
 

* * *
 
 

وما إن كاد المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه، مرةً أخرى، آخر مثله.

ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

يا ويحكم! هل معبودكم إلا بشرٌ مثلكم؟

وليس فخركم بطول زمانه فيكم إلا فخركم بامتداد عبوديتكم له وتألُّهه عليكم، فأين عقولكم وأين أفئدتكم ؟ أم أنكم قومٌ اعتادوا خفض رؤوسهم حتى إنهم ليشنِّعون على من حاول لرأسه رفعاً، ويعيبون على من حاول لنفسه رفعة، ويتقوَّلون عليه الأقاويل ويفترون عليه التُّهم، ثم لو فُتك به وأُطيح برأسه لكبَّروا ابتهاجاً ولهلَّلوا فرحاً، وما رفع القتيلُ رأسَه إلا لأجل صالحهم، وما أجهز عليه إلا عدوُّهم.

لقد رفعتم المخلوق إلى قدرٍ دونه مقام الإله العلي، فصارت أقداركم رهناً لإرادته وصارت إرادته من خفيِّ ألطافه عليكم، ثم جعلتم أحوالكم وأرزاقكم بين يديه يقلِّبها كيف يشاء ويوزِّعها كيف يريد، وما يجسُر الواحد منكم على سؤاله فضلاً عن تهمته، وإذا نطق منكم ناطقٌ كان الكفرُ حُكمَكم عليه ثم الطردُ فعلَكم به، ثم لعلكم تدفعونه إلى من يفتك به دون أن تختلج ضمائركم أو تترقرق بقيةٌ من إحسان في نفوسكم.

إن من يسمع مدائحكم للحاكم وهو حي، ثم يشهد مناحاتكم عليه وقد هلك، ليخيل إليه أن البلد في عهده قد أضحى قطعةً من جنان النعيم، لا جوع فيه ولا فقر ولا بؤس ولا ضياع، فهل يأتي أحدكم معي لأريه ما أرى؟ أم قد كفاكم شِبَع بطونكم حتى ماتت قلوبكم، وعميت أبصاركم، وانطمست بصائركم؟

إن الهالك لم يعْدُ أن يكون نصاباً استولى على أرضكم وسرق أموالكم، وتسعةُ أعشار ما في البلد من مالٍ له ولقومه وهم قليل، والعُشر المتبقي لكم وأنتم ألوف، ثم لا يجري وادٍ إلا حوَّله إليه، ولا تَنْبت أرضٌ إلا حُصِدت له، ولا تُثْمر شجرةٌ إلا جناها أصحابه، ثم يتوسع على نفسه فيستورد الملابس ويسرف في المطاعم، ويستكثر قصوراً وعبيداً، ويستأثر بكل طيبٍ من العيش يؤتى به ومحمودٍ من القول يُحمل إليه، ويترككم أنتم تتقاتلون على الفتات وتقتسمون العُشر المتبقي، فتَقتلون وتُقتلون، ويكدح أحدكم العمر كله ما يلحق أن يبني بيتاً أو يصطنع مركباً، ثم يمرض فلا يجد دواءً ولا يصل طبيباً، ثم يموت وأبناؤه جياعٌ وامرأته تبكي، ويجتمع أهله عند رأسه وقد أهمَّهم دفنه هل يشقُّ عليهم كما شقَّ على غيرهم.

ثم ما كفا الهالكَ ما عنده فالتفت إلى ما عندكم، وما يرضي نفسَه إلا أن يفقركم إليه فيضمن خضوعكم له، ففرض عليكم المكوس وحملكم على الإتاوات، وادَّعى أن ذلك مالُكم يعودُ إليكم، وأن ما يدفعه الفرد منكم اليوم مالاً يعود إلى الجميع غداً طريقاً أو جسراً أو مَرفِقاً، ولو كُشف لكم ما عنده من ثمين الجواهر وطائل الأموال، لعلمتم أن بمعشار معشاره يغتني البلد ويشيع الرخاء وما يعود في الأزقة سائلٌ أو فقير.

واحسرتاه على بلدٍ يغتني فيه الحاكم ويفتقر فيه المحكوم، ثم لا يزيدُ المحكومَ افتقارُه إلا اطِّراحاً على أعتاب حاكمه، طالباً لإحسانه متسوِّلاً لكرمه، فإن هو نقَده مالاً أو أجرى له رزقاً، أنفق عمره في حمده وشكره وتجديد الولاء له، إذ هو يرى ما أُعطي إحساناً وكرماً، بينما هو في واقع الحال نزرٌ يسيرٌ من حقه المسلوب منه عدواناً وظلماً.

فسحقاً سحقاً لحاكمٍ يمتصُّ دماء رعيته ويسلب أموالهم، وسحقاً سحقاً لرعيةٍ ارتضت لنفسها ذلَّ العيش على فتاتِ ما يفْضُل من مائدة الحاكم.

وعلى الطاغية الهالك من الله ما يستحق من عذابٍ يخلِّده فيه أبداً ما بقي الدهر.”
 
 

* * *
 
 

وما إن كاد المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه، مرةً أخرى، آخر مثله.

ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.
نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

إننا نحمد الله تعالى أن أسمعنا قبيح قولكم وعرَّفنا فساد رأيكم، فصرنا بذلك أقدر على اجتناب شرِّكم وما تدعون إليه من الفتنة والضلال، وأنتم لم تفتؤوا بكلامكم تُبينون عما خبُثَ من مقاصدكم، ولا يسَعُ من خَبِر أخلاقكم إلا أن يعرف لحاكمنا الجليل رحمه الله صنيعه في قهركم وقطع دابركم، ولو مُكِّن لكم لاقتدرتم على أن تهدموا في شهرٍ ما بناه سيدكم في خمسين عاماً لم يَغمض له فيها جفنٌ ولم يرتح له فيها جسم.

وما الذي هيَّج صدوركم وألسنتكم وأقلامكم؟! أرزقٌ قسمه الله بين حاكمٍ ومحكوم؟! وما شأنكم؟! أتعترضون على قضاء الله فيكم؟! ثم وإن جار الحاكم وحاشاه الجور، ألكم قوةٌ تستنقذون بها ما قد سلبه منكم؟!

كم بلغ بكم جحود مولاكم حتى تجترؤوا على مقامه؟! وتحاسبوه على ماله وطعامه ولباسه؟! أليس الإنسان مهما أكل فهو إلى شِبَع، ومهما شرب فهو إلى ارتواء، ومهما لبس فهو إلى سترٍ ودفء؟! وما ينقصكم من هذا كله؟!

ألستم تأكلون حتى تنتفخ بطونكم؟! وتشربون حتى تضيق أنفاسكم؟! ثم تجرُّون أثوابكم كبراً وزهواً؟! ألستم تبيتون وحولكم الجدران والسُّقُف فوق رؤوسكم؟!
إن زكاةً تدفعونها إلى فقيرٍ أو مسحةً حانيةً تجودون بها على رأسِ يتيم، لأفضل عند الله وأصلح للبلد من خمسين عاماً تحصون فيها أموال الحاكم وأملاكه، ثم تبكون ما لكم فيها وتنفقون أعماركم في لعن حاكمكم، وهو قد كُفي أمركم وقد شغله من العظائم ما لا قِبَل لأحدكم على عِلمه فضلاً عن فهمه فضلاً عن تدبيره وسياسته، أفلا تتقون الله في أنفسكم وفي بلدٍ هو موطنكم؟ وقد جُعل كل واحدٍ منكم على ثغرةٍ من ثغوره فلا نرى أحدكم قد أحسن سداد ثغرته، فكيف بكم لو مُكِّنتم؟

إن أهل هذا البلد ما عرفوا لأنفسهم حاكماً غير دفين هذا القبر، ولقد لُقِّنوا حبه وعاشوا على ولائه وعرفوا له فضله واعترفوا له بخيره، ولا يحسبنَّ أحدكم أن دعوةً يدعوها أو صيحةً يصيحها ستغيِّر قلوب الناس على مولاهم، وأنتم بعد أغرارٌ لما يَمِزْ أحدكم الخير من الشر فضلاً عن أن يميز خير الخيرين وشر الشرين، ولو كُشفت عنكم حجب الغيب لعلمتم أن السياسة بحرٌ شديد الغور متلاطم الموج لا شاطئ له ولا قعر، وأن البلد ليس جزيرةً نائيةً لا يحيط بها سوى البحر ولا يَبْصُر بها غير الطير.

إن من حولنا دولاً وجنداً، وشروراً ومطامع، ووحوشاً يغير القوي فيها على الضعيف، وحروباً توشك أن تستعر، وليس لها سوى ما حبا الله سيدنا من حكمةٍ وحسن تدبير، ولقد كان لها مذْ وَلِيَ أمرنا خير متصدٍّ ودافع، وما نزال آمنين في هذا البلد على أرواحنا وأحبابنا وأرزاقنا مادام فينا، أمَا وقد التحق ببارئه فله الرحمة والغفران، وفي بنيه من بعده خير خلفٍ لخير سلف.

لا يحسبن أحدكم أن ما يزخر به هذا البلد السعيد من خيراتٍ تنبتها الأرض ويجود بها البحر، كان ليكون خالصاً لنا من دون الناس لولا حصنٌ منيعٌ وفق الله حاكمنا إلى إقامته، ولولاه لزحف علينا الطامعون والأعداء زحفاً لا يبقي فينا حرثاً ولا نسلاً، ولنصَّبوا أنفسهم حكاماً علينا يأمرون فينا وينهون، ثم يُلزموننا بشرائعهم وأخلاقهم، ثم لا يمشي الواحد فينا إلا وهو ذليلٌ مطأطئ، يسبُّه الغريب فلا يستطيع ردها عليه، ويأخذ ماله ظلماً وهو ينظر إليه، ثم إذا اشتكاه إلى القاضي كان مع الظالم على المظلوم، ولربما عاقب المظلوم على صفاقته وافترائه.

أفهذا إذاً ما تريدون؟!

إن حاكمنا رحمه الله قد حفظ للبلد هيبته وللرعية كرامتها، ولقد سافر وارتحل ولقي الرجال وجنَّد الجند، ثم برم العقود وأوفى بالعهود ووثَّق المواثيق، ثم التزم بها وألزم غيره بالتزامه، فعاش الناس في عهده سالمين غانمين يولد فيهم المولود آمناً ويشبُّ آمناً، ثم يشيب آمناً ويموت آمناً دون أن يشهد في حياته حرباً أو يرى دماءً أو يضرب بسيفٍ أو يقذف بسهمٍ أو يرمي برمح.

فأين أنتم من إدراك هذا وعلمه؟ وما نطقتم إلا بعد أن أمنتم، وما طمَعتم إلا بعد أن طعِمتم ! فهلَّا يعرف الرجل منكم قدر نفسه فيقفَ عنده ؟ أم أنها الأطماع التي تعمي والأحقاد التي تحرق ؟! وليس بينكم وبين هلاككم إلا غضبةٌ يغضبها مولاكم، فارجعوا إني لكم ناصحٌ أمين، واحذروا إني لكم محذرٌ منذر.”
 
 

* * *
 
 

وما إن كاد المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه، مرةً أخرى، آخر مثله.

ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

إليكم عنا قد سئمنا منكم، إليكم عنا قد لطَّختم وجوهنا بعاركم!

وليس أقبح من الذنب إلا عذره! ولا نجد عندكم بقية استحياءٍ تدارون بها خزيكم، أنتم الذين رضيتم بالذل حتى تجذَّر الذل فيكم، فأصبحتم والذلُّ جزءً واحداً لا يتجزأ، وكياناً متحداً لا ينفصم.

وهذا على كلِّ حالٍ هو معتاد قولكم: الفخر بطول زمان الذل. فأنتم الذين تفاخرتم بطول مُقام الحاكم فيكم، وما ذاك إلا طول عبوديتكم له، ثم هأنتم الآن تتفاخرون بامتداد سلامتكم، وما ذاك إلا استخفافُ عدوكم بشأنكم.

أتكذبون الناس أم تكذبون أنفسكم؟ وكلا الأمرين مصيبة! وهل تحسبون أن غدوَّكم ورواحكم إنما هو في أمنٍ وأمان، وأن خيرات البلد هي لكم دون سائر الناس، وأن الذي يحكمكم هو حاكمكم، وأن شرائعَكم وأخلاقَكم هي شرائعُكم وأخلاقُكم؟

إن كل ما تخشونه هو منذ زمنٍ هو في الحقيقة واقعٌ بكم، وما تحمدون حاكمكم على دفعه عنكم، هو حالٌّ فيكم، نازلٌ في ساحتكم وأنتم لا تشعرون، ولو كان في بلدكم بقيةٌ من خيرٍ لم يسلبها عدوكم، لما قويتم أنتم ولا حاكمكم على أن تحولوا بينه وبين بداره إليها، لكنه لم يؤمِّنكم إلا وقد أمِنَكم، ولم يأمنكم إلا وقد أفقركم، فما عاد فيكم من خطرٍ يخشاه منكم، وأنتم لمَّا تعرفوا بعد ما لكم وما عليكم، وما هو حقكم وما قد سُلِب منكم.

إن حاكمكم قد رأى ضعفكم فاستعلى عليكم، ورأى قوة أعدائكم فاستكان إليهم، وما أنتم إلا ركَّعٌ لحكامكم، وما حكامكم إلا ركَّعٌ لأعدائكم، فأيُّ وهمٍ من الأوهام يصوركم أحراراً آمنين؟ وكيف ترضى أنفسكم وأنتم ترون معبودكم جاثياً عند أعدائكم؟ يتحاكم لطاغوتهم ويمتثل لأوامرهم وينتهي لنواهيهم، يرحل إلى بلدانهم ويشرب خمورهم ويأكل من أنجاسهم، ثم يصافحهم مصافحة الخليل الحميم، وينحطُّ في مدحهم وذكر محاسنهم، ويؤدِّي حمده لأفضالهم وشكره لمآتيهم، ثم يجدد الولاء لهم ويرفع سيفه على أعدائهم، ويعود إليكم وقد فتح لهم سبل بلادكم يرتعون فيها ويعربدون، ولربما أعانهم في الإغارة على جيرانكم وانتهاك محارم إخوانكم، فبأسلحتكم يَقتلون وعلى أرضكم يعسكرون.

إننا والله نوشك أن نعذر طاغيتكم ونمعن في تهمتكم، وما طغيانه إلا من ذِلَّتكم! وله في خيانته مصالح تتحقق له، وفي عمالته مآرب يقضيها، ثم إذا عاد إليكم استقبلتموه بالهتاف والورود، ولحقتم بموكبه تهلِّلون وتكبِّرون، وما يهمُّكم فتكه بأقرانكم، وما يثير إحسانَكم إخوةٌ لكم دُفنوا في غياهب السجون وقد قُطِّع من أطرافهم، وجُوِّعوا، وسِيمُوا من العذاب أسوأه، وما ذنبهم إلا كلمةُ حقٍّ جأروا بها، وظلمٍ نهضوا لإزالته، ودعوةُ صدقٍ نذروا حيواتهم لها، وعقيدةٍ جاهدوا فيها حقَّ جهادها، حتى تظهر على الناس أو يكون موتهم دونها.

أفما تسمعون أنينهم؟! أفما تحسُّون بعذابهم؟! أفما يبلغكم لفح آلامهم؟!

إنها القلوب فيكم إذاً وقد أضحت حجارةً بل أشدَّ مواتاً، وحاشا الحجارةَ أن تكون قلوبَكم! ومنها ما يتفجَّر منه الأنهار، ومنها ما يشَّقَّق فيخرج منه الماء، أفما من رحمةٍ تتفجَّر عنها قلوبكم؟!

بئس حاكمٌ هو أمام رعيته أسدٌ جسور، فإذا صار إلى عدوِّه استحال فأراً!

أقبح به حاكماً يشتري أمنه بذلِّ شعبه، ثم يبتاع أمن عدوِّه بعذاب رعيته.

وبئس رعيةٌ باعت عزة نفسها بسلامةٍ هي مِنْ مَنِّ عدوِّها، وعن صرخاتِ المعذَّبين من أبنائها صمَّت آذانها، فسحقاً لها وقد أحنى الخوف رقابها فما عادت تحسن إلا ركوعاً، وسحقاً لحاكمها وقد أخضعه الأعداء فما عاد يحسن إلا خنوعا.”
 
 

* * *
 
 

وما إن كاد المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه، مرةً أخرى، آخر مثله.

ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

لقد أسمعتمونا أيها الضُّلَّال كلاماً كثيراً، أفما تستحون يا أهل الكلام وليس عندكم غيره تتاجرون به؟ وأيُّ فرقٍ أبقيتموه بينكم وبين الذباب لا يقع إلا على جرحٍ أو قَذَر؟

إنكم ترمون أسيادكم بالخزي ولا خزي أعظم من خزيكم، وكفانا من عاركم قعودُكم إلا عن هذرٍ هو غثاءٌ كغثاء السَّيل وزبدٌ يذهب جُفاءً، وما صنيعكم للبلد حتى تتهموا أسيادكم بما تتهمونهم به؟

ألكم في ما سلف من أيامكم مفخرةٌ تتباهون بها أو فضلٌ تُذكرون به أو حسنةٌ تشكركم الأجيال عليها؟ أم هو مجرَّد الكلام يتردَّد في أفواهكم وما كثرتُه إلا من خواءِ أنفسكم؟ أفلا يستحيي اللبيب منكم ولا شغل يشغله إلا أن يتلقف مذمَّةً أو بذاءة، فيطلقُها ويحملُ الناس عليها، ويؤذي أسماعهم بها، ثم لا يفتأ ينفث في صدورهم ويغيرها على من كان وليَّ نعمتهم والضامن لاستقرارهم، ثم إن تلك صِنْعته حتى يمتدَّ به الزمان ويشيب منه الشَّعر، ولا عمل له إلا الكلام الباطل يفتن به الناس عن الانشغال بما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

إن جهداً تبذلونه في مذمَّة حاكمكم، لكفيلٌ ربعُه بأن يستجلب إلى هذا البلد خيراً كثيراً هو على أيديكم وإليكم نِسْبته وأصله، لكنْ علِم الله خبث نواياكم فشغلكم بما لا يعنيكم، حتى ضاعت أعماركم وما يُحسن أحدكم شيئاً ينفع به نفسه وعياله إلا أن يفتنهم عن دينهم فتفتنهم دنياهم، ثم تسوء خاتمتهم فلا يبقى لهم دينٌ ولا الدنيا تُجمع لهم، فإلى أين بالله وجهتكم وما يكون بالله مرادكم ومبتغاكم؟!

إننا ومنذ قديمٍ نسمع لغوكم، وما رأينا لكم نجاحاً ولا علمنا لكم توفيقاً، حتى دام حكم مولاكم خمسين عاماً لم ترتجَّ فيها قائمةٌ من عرشه، وما أفلح من الرعية إلا من سمع وأطاع في مَنْشَطه ومَكْرَهه وفيما أحبَّ وكره، ودونكم فانظروا سِيَر البلدان وهل أفلح غيركم في المساس بوليِّهم، إلا وكان مساسُهم به وبالاً سُلِّط عليهم ودماءً حملتها أعناقهم، حتى نُزعت من قلوب عدوِّهم المهابة منهم وفشا فيهم الوهن، فبغوا عليهم وأثخنوا فيهم وانتهكوا حرماتهم وسلبوا منهم خيرهم.

أبعد هذا إذاً تصرُّون على ضلالكم؟ وتعينون العدو عليكم وأنتم ترون وتسمعون؟ هو الحزم إذاً رادعكم والسيف إذاً كافيكم، ولا كرامة لكم وكيدكم مردودٌ في نحوركم، أنتم وكل من سول له شيطانه أن يريد بهذا البلد السعيد ضرراً وسوءً.

ثم فلتعلموا أن الإنصاف قد جانب منطقكم والتهافت قد طغى على منهجكم، وأنتم لا تتركون مفسدةً ترونها أو تصدر منكم إلا وتهرعون لنسبتها إلى حاكمكم، ولا تدَعون مصلحةً هي من فضل حاكمكم عليكم إلا وتسرعون بنسبتها إلى أنفسكم، ثم تقذفون وتفترون وقد نعمتم بالسلامة، وكُفيتم أمانة البلد وقد حملها عنكم سيدكم، فكان لها نعم الحامل ونعم المؤدِّي.

وهل كان الأمثل فيكم بقادرٍ على أن يحل مكان مولاكم؟ حاشاه! ولا حتى حاجباً عند بابه، وليس الذي ينظر للموج العاصف من بعيدٍ كالذي يصارعه وهو في إبَّانه، وإنَّ أحدكم ليتكئ على أريكته وأمامه الفاكهة والحلوى، ثم يشرع يتكلم ويفسر، ويخطط ويدبر، ويحكم مكان الحاكم ويقضي مكان القاضي، ثم يبكي على نفسه وعلى ظلم الزمان له، ولو أنصفه الزمان لكان على عرش البلد لا ينازعه فيه غيره، ثم يجْرَح ويعدِّل، ويُخطِّئ ويصوِّب، ويعزل وينصِّب، ويعفو ويقتِّل، حتى إذا تم له ذلك خلُصَ إلى غيبة حاكمه يرميه بسوء السياسة وفساد التدبير، ولا ينتهي حتى يصير عنده خائناً عميلاً ابتاع أمنه بذلِّ شعبه، وأمن عدوِّه بعذاب رعيته.

وليس وحدَه الجهلُ من أضلَّكم وأعمى أبصاركم، ولو علمتم بدقائق التدبير وفنون الملاينة وتقديم الأهمِّ على المهم، لبان لكم أن الخير هو فيما يراه حاكمكم حتى وإن بدا شراً لكم، وأن الشر هو في ما بدا خيراً لكم وقد علم شرَّهُ حاكمُكم، بل إنها أمراض نفوسكم، وأحقاد قلوبكم تتحرك فيكم فتحرككم، ولو أن الأفضل فيكم قد صار مكان حاكمه لما بات ليلته ورأسه فوق عنقه، ولو بات لما صدر منه حكمٌ يُعمل به، ولو مُدَّ في زمانه لأرانا منه من سوء السياسة وفساد التدبير ومداهنة العدو وخيانة الأمانة مِثل ما كان يتهم به سلفه، بل لأرانا منه بشاعاتٍ وفظائع ما تلبث أن تسرع بالبلد إلى هاويةٍ لا قرار لها وليلٍ لا صباح بعده إلا أن يشاء الله.

فلله الحمد وله المنة أن رزقنا حاكماً تولَّاه بحفظه حتى أظهره عليكم، وكفا الناس بحسن تدبيره شرَّكم وضلالكم، ولا سلام عليكم حتى تثوبوا إلى رشدكم وتطيعوا حاكمكم، أو تُكسر شوكتكم ويُهدم أساسكم فلا تقوم لكم قائمةٌ بعد ذلك أبداً.”
 
 

* * *
 
 

وما إن كاد المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه، مرةً أخرى، آخر مثله.

ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.

لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.

ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟

وأين السامع؟ وأنتم استمرأتم ذلَّكم حتى صار عندكم عزًّا!

آهٍ ما أعجب أمركم وما أكبر جحودكم، وهل أحمقُ من رجلٍ يُعرض عن منقذه ويلوذ بجلَّاده، وعصفورٍ يُكسر باب قفصه فيعود إليه، وعبدٍ يُشار إليه أن اذهب أنت حر، فيأبي إلا أن يقيم على سخرة سيده؟! كل هؤلاء أنتم وقد اختلَّت موازينكم وعميت قلوبكم وماتت ضمائركم، حتى ما عدتم تعرفون غير خنوعكم لا ترضون عنه بديلاً، فإذا امتدت إليكم أيادينا لتحرركم سعيتم في قطعها بأيديكم وأيدي طاغيتكم، وما أنتم عند طاغيتكم إلا رقيقٌ مستعبد، وقطيعٌ يهشُّ عليه فيذهب حيث يريد.

لقد أنفقنا زمناً طويلاً في خدمة هذا البلد وما نبغي غير نهضتِه، وما نهضتُه إلا بإزالة ما فيه من الظلم والجور والاحتكار والأثَرة، ولقد سعينا طويلاً في إيقاظكم من سباتكم وتحريركم من أصفادكم، وبذلنا كثيراً في تنوير طريقكم وإضاءة مصابيح فكركم وبيان الحق لكم، فأبيتم إلا أن تغمضوا أبصاركم وتمعنوا في عنادكم، وما ذلك إلا لبخلٍ فيكم أن يبذل أحدكم من نفسه وماله، ولخوفٍ جذَّرته في نفوسكم آلة الطغيان وقد أُعملت فيكم، حتى صار الجنين فيكم يولد خائفاً ويشبُّ خائفاً ويشيب خائفاً، ثم يموت خائفاً مرتاعاً لا يدري ما يُفعل به، غير عالمٍ بأن حياته وإن طالت فإنها كانت موتاً أو أقرب إلى الموت.

لقد قدَّستم أساطيركم وصدَّقتم أوهامكم وعبدتم أصنامكم، ثم استهجنتم منوريكم واحتقرتم محرريكم، وأبيتم الاستماع لصوتٍ أنتم لم تألفوه لمجرد أنكم لم تألفوه، وعجزتم أن تروا فيه نور الحق وبهاء العدل وسبيل التقدم التي ندعوكم إليها وأنتم عنها معرضون.

لسنا نريد هلاككم، ولا طمع لنا في أموالكم ولا دمائكم، لكن أنتم منا ونحن منكم، دمنا دمكم، بلدنا بلدكم ومصيرنا مصيركم، ولا نريد سوى أن نستردَّ حريةً سلبها منا البغْيُ وكرامةً استنزفها منا الطغيان، أفلا نجاهد من أجل عزة أنفسنا ومستقبل حياتنا؟

إن ما نريده لكم أن تحكموا أنتم أنفسكم لا أن يحكمكم عميل عدوكم، أن تقرروا مصائركم لا أن تقرَّر لكم، وأن تشرِّعوا لأنفسكم لا أن يشرَّع لكم، وأن تقسِّموا أرزاقكم لا أن تقسَّم لكم، وأن تقيموا عدلاً ينبع من أعماق ضمائركم لا أن يقام فيكم جورٌ يُخدَم به عدوُّكم وينفذ به إليكم.

نريد منكم صحوةً لا ينهض بها إلا شجعان القلوب منكم، من لا يبالي موتاً في سبيل حقٍّ هو يؤمن به، وليس أثبت رسوخاً في وعي الضمير من حقِّ ضعيفٍ سلبه منه قويٌّ مستعلٍ أو طاغيةٌ متجبِّر.

فانهض أيها الشعب البائس واسْعَ في مصير مستقبلك، واطلب حقك في حريتك، ثم حريتك في حقك، وإن أبيت إلا استمرارك في العجز والخنوع فليس لك إلا سلامةُ ساعةٍ لعلها لا تدوم، ثم بعدها عار الدهر وخزي الأبد.

إننا ندعوكم إلى تاريخِ عزٍّ ندخله معاً، فإن أبيتم فلستم لنا بمخذِّلين، بل إنا داخلوه بإذن الله من أعلى أبوابه رِفعة، وسنطهِّر هذا البلد الكريم من ظلمٍ جثم عليه أكثر من خمسين عاماً فُتح عليه فيها باب الجحيم. إن ثمة دائماً رجالاً شجعاناً سينهضون في وجه الظالم ويصرخون في وجه الطاغية، رجالاً يستعذبون الموت كما تستعذبون أنتم الحياة، ويرتمون في أحضان المجد كما ترتمون أنتم عند أعتاب سيدكم.

إننا صرخة الضمير والضمير صرخة الحق، والحق مطلوبٌ لذاته وإن أبى المتخاذلون.

لقد كانت للهالك جولةٌ دامت خمسين عاماً حُمل بعدها إلى الجحيم، ولكم الآن جولةٌ لا تعدو أن تكون بقدر أعماركم، أما نحن فلنا الضياء كله، والمستقبل كله، ولا يموت أحدنا إلا ليحيا، كما لا يحيا أحدكم إلا ليموت، فشتان شتان بين من سيكون موتهم حياةً وبين من كانت حياتهم موتاً.”
 
 

* * *
 
 

أنهى المخلوق الغامض كلامه، وساد صمتٌ رهيب.

لا شيء سوى الليل والقبر، وأشباحٌ مشتعلةٌ تحيط به وتحدِّق فيه بعيونٍ ذات لهيبٍ يتعذر عن الوصف.

ولم تمض سوى لحظاتٌ حتى أضاءت السماء بنورٍ كالبرق في سطوعه وسرعة اختفائه، ولم يختف ذلك النور إلا وشبحٌ آخر يتكوَّن فجأة.

لم يكن ذلك المخلوق الشبحي كثيرَ الاختلاف عن الذين سبق وصفهم، حزمٌ من الألوان المشتعلة المضيئة التي لا تكف عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة، غير أنه كان هذه المرة أكبر حجماً، وأكثر وهجاً وإضاءة، وكانت ألوانه أكثر تراوحاً بين الأحمر والأبيض بما لهما من تدرجاتٍ يقتضيها ذلك التداخل البخاريُّ بين اللون واللهيب.

اكتمل نشوء الشبح الجديد، وبدا وكأنه يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولو أن أحداً سمع ذلك الصوت لخُيِّل إليه أن جماعةً لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، يتكلمون جميعاً بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.

نطق الشبح فقال:

– “آهٍ منكم، يا لضيعة البلد في عقولكم!

آهٍ منكم، ما أبعدكم عن الحق وما أقرب الحق منكم! وهل أشقاكم إلا شتات الحق فيكم؟

جميعكم جئتم، جميعكم تكلمتم، جميعكم نطقتم بما قد اعتمل في صدوركم، وجميعكم، أيضاً، يزعم أنه صوت الرعية، صوت الحق، فأين الرعية منكم؟ وأين صوت الرعية من صوتكم؟ أم أن الرعية هي أنتم كلكم؟! فإن كان كذلك فما اختلاف كلمتكم؟! وما اقتتالكم فيما بينكم؟!

ليس طغيان الحاكم عليكم ولا خضوع بعضكم له أو ثورة بعضكم عليه بأشدَّ ضرراً على البلد من تشتُّتِ شملكم واختلاف كلمتكم، وأنتم أقوياء ما اتحدتم وكان الحق دينكم، ضعفاء ما اختلفتم وإن التهبت أشلاء الحق في ضمائركم، وها أنتم أولاء تنفقون زمانكم في تناحرٍ بينكم، وجدالٍ يحرق أعصابكم، وبكاءٍ على حاكمٍ راح أو مسبَّةِ حاكمٍ قَدِم، ثم تمتدُّ بكم السنون وتكبرون، وما تكبرون إلا ومعكم أهواؤكم وأحقادكم، وما تكبرون إلا ويخبو نور الحق فيكم حتى يصير ذبالةً يطمِسها ضباب التعصب للرأي ودخان التطرف في العداوة.

إنه ما من أحدٍ يزعم أن الحق كل الحق مع طائفةٍ منكم، وأن الباطل كل الباطل مع طائفةٍ أخرى، بل إن للحق نوراً يشع من بعض كلامكم، وللباطل ظلمةٌ تلتفُّ بها بعض نبراتكم، ولجميعكم أهواءٌ يسعى فيها، في ولاء الحاكم أو في عداوته، فيسخِّر لها من الحق البيِّن ما يمزجه بباطله فيروج في عقول الناس، وما راج باطلٌ محضٌ قط، إلا أن يكون مشوباً بحقٍّ يلبسه فيتدلَّسُ به، وهذا والله فِعْلكم، وبه كان شتات شملكم وذهاب ريحكم وهوانكم على الناس.

إن في كلامكم حقاً كثيراً تستعينون به على باطلكم وأهوائكم، والحق كلٌّ لا يتجزأ، فإذا تجزأ أسرع إليه الباطل ليلبسه ويمتزج به، وليس أخطر من الباطل المحض إلا حقٌّ مشوبٌ غير مكتمل، وتلك كانت آفتكم، وبها مات الإنسان فيكم.

أين كمال الحق عند رجلٍ يعدِّد أفضال حاكمه، ويسرف في ثنائها، ويذكِّر الناس بها، ويلمِّع صورته في خيالهم، ويزرع حبه في قلوبهم، ثم إذا بدر منه ظلمٌ سكت عليه، وكتمه عنه، وأخفاه عن رعيته، بل وربما انحطَّ في الاعتذار له وتبرير جوره؟

وأين كمال الحق عند رجلٍ رأى من حاكمه ظلماً وجوراً، وأموراً أنكرها، فألهبته إنسانيته، وجاهد لإزالتها خدمةً للحق والعدل، ثم تمادى به الغضب حتى أمسى حقداً أعمى، فعاد لا يترك نقيصةً أو تهمةً أو فريةً إلا رمى الحاكم بها حقاً كانت أم باطلاً، ولا يدع خبر سوءٍ عنه إلا أسرع بتصديقه دون تبيُّنٍ لصحَّته أو تدقيقٍ لروايته، ولا يدع خبر خيرٍ عنه إلا محَّصه ودقَّقه وسعى في تكذيبه، ثم إذا ما ثبت عنده سلَك إلى نواياه ومقاصده فاتهمها وطعن فيها، حتى لكأنه شقَّ على قلبه واطَّلع على غوره وتبيَّن حقيقة ما فيه.

كل هؤلاء أنتم، وبئس رعيةٌ هؤلاء رجالها، يشغلهم الجدال في حاكمهم عن السعي لنهضة بلادهم، ولو أنصفوا لاجتمعت كلمتهم ولما تشتت الحق فيهم، والحق واحدٌ يعلو ولا يعلى عليه، وما اختلَّت فيكم فضيلة الإنصاف إلا لخللٍ في ضمائركم وأهواءٍ تُكِنُّها نفوسكم.

فمتى إذاً يأتي أوانكم، ويصحو الإنسان فيكم؟

متى تتيقظ ضمائركم، وتبصروا سبيل النور لصلاح دنياكم وأخراكم؟

إنكم ستُعملون عقولكم لتلين في أيديكم عناصر الأرض، ثم عندما تصلون إلى الإنسان تُمتحن قلوبكم، وعند امتحان القلوب تُصهر معادنكم ويتجرَّد كمُّ الحق فيكم.

لقد أكثرتم في هذا الحاكم جدالكم، وكلكم يدعي لنفسه فخراً ويزكِّي مقاصده، وما أفلح فيكم إلا رجلٌ كان خيرُ الإنسان مقصداً لكل أفعاله، لا يُضمر في نفسه غيرَه، ولا يُخلص لغير الله فِعْله، فإذا كان هذا الرجل سعى إليه الحق واجتمع عنده واكتمل فيه وجرى على لسانه وتحركت به جوارحه، وكان عند الله مرضياً، ومن كان رضا الله حليفه فحاشا أن يُخذل في حياةٍ أو مماتٍ أو نشور.

إننا الآن نقف أمام قبر رجلٍ وَلِيَ أمر البلاد خمسين عاماً، ولقد مضى الآن إلى ربه وأفضى إلى عمله، وحسابه عند بارئه، فما وقوفنا الآن هنا نحاسبه ونجادله؟

إنه الآن وحده، لا ينفعه من أحبه ولا يضره من كرهه، وما معه من شيءٍ إلا عمله، ولقد كان أولى بكم أن تتَّعظوا بحاله وأنتم تقفون على قبره، وأولى بكم الآن أن تذكروا أن منتهاكم إلى حفرةٍ مثل هذه يُحثى عليها التراب، يستوي في ذلك منكم الحاكم والمحكوم، والضعيف والقوي، والفقير والغني.

وهنا، أسفل هذه الحفرة، داخل هذا القبر، تُكشف الحجب عن حقائق الأرواح وخفايا المقاصد ومستور النوايا، ثم إذا صرتم إلى ما صار إليه حاكمكم فعندها فاطلبوه، وعن مصيره فاسألوه، وبما تريدون منه فأخبروه.

هنا أيتها الرعية، تحت قدميك، تسقط كل الأقنعة وتمحى كل الكلمات، ولا يبقى غير الروح يرقى بها الحق، أو يهوي بها الهوى.”
 
 

* * *
 
 

ولما أنهى الكائن الغامض آخر كلماته، كانت أضواء السَّحَر الأولى تُبعث من الأفق الشرقيِّ للمدينة.

لحظاتٌ أخرى، وكانت شمس الصباح تطلُّ برأسها طاردةً آخر ما تبقى من أردية الليل، حاملةً معها إلى المدينة يوماً جديداً هو ليس كباقي الأيام.

لم يكن ثمة من أحدٍ يقف حول قبر الحاكم الذي دُفن نهار أمس، ولم يلمح ذلك الشيخ الجليل الذي كان ماضياً في سبيله قرب ضواحي المدينة، ولعله كان متجهاً نحوها حاملاً صُرَّته، أيَّ شيءٍ غريبٍ يلفت الانتباه.

غير أنه توقف لحظة، والتفت ناحية المدينة التي ترسم سطوح مبانيها أشكالاً تضطرب بانبساط الأفق بين الجبلين، لقد رأى مدينةً بعيدة، ومساحاتٍ ممتدةً تحيط بها، وقد رسم ضياء الشمس من ثنايا تضاريسها ظلالاً تفتن الأبصار.

ومضى الشيخ يمشي بخطواتٍ وئيدة، وصار يقترب من المقبرة الكبيرة التي ازدحمت بأمواتها، وإن هي إلا برهةٌ حتى مرَّ بقبرٍ جديدٍ لم يُبْنَ عليه بعدُ بناء، ولو أنه كان قد جاء أبكر قليلاً، لراعه ذلك المشهد الذي كان سيراه هناك عند ذلك القبر، مشهد الأشباح المحتشدة التي تتبادل فيما بينها كلماتٍ حتماً لم يكن سيفهم منها حرفاً.

إن أحداً من الناس لم يكن هناك في تلك الليلة، ولم ينظر أحدٌ إلى ذلك المشهد الرائع، ولم يسمع إنسانٌ تلك الكلمات التي ترددت هناك، ولو قد رأى عابر السبيل العجوز ذاك شيئاً من ذلك المشهد، وسمع شيئاً من تلك الكلمات، ثم مضى ليرويه على مسامع أهل المدينة لما صدَّقه أحدٌ منهم، ولاتهموه من فورهم بالخبال والجنون.

كانت الشمس قد شقَّت طريقها نحو كبد السماء، ولم تكن أيٌّ من تلك الأعلام السوداء مرفرفةً على سطوح المباني في المدينة الكبيرة، بل إن أعلاماً أخرى زاهية الألوان كانت قد حلَّت محلَّها، وكان أهل المدينة قد بدؤوا بالتجمُّع على طرفي شارعها الأكبر الفسيح.

وهناك، كان شيخٌ كبير، يمشي حاملاً صُرَّته على ظهره، يبدو عليه الذهول، ويبدو أنه عابر سبيل، كان يقلِّب بصره في الأعلام والبنايات ووجوه الأشخاص المشرئبِّين بأعناقهم، والمتطلِّعين لشيءٍ ينبغي أن يكون قادماً من أقصى الطريق ولما يظهر بعد. مال الشيخ برأسه نحو شابٍّ اتفق أن رآه أمامه، وسأله ما الخطب، ثم واصل الشيخ مسيره وقد علم أن أهل المدينة قد أعلنوا مظاهر الفرح والابتهاج، وأعدُّوا العدة لاحتفالٍ ضخمٍ من أجل مناسبةٍ هي ليست مثل بقية المناسبات.

كانوا يستعدون للاحتفال الكبير بتنصيب الحاكم الجديد.

Advertisements

4 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. تغيب وتغيب.. وتأتينا بالجديد.. بارك الله فيك عزيزي أنس على هاته الرائعة

    كنت هنا..

  2. حديث شيق و وصف دقيق لمآل الاحوال….. يبقي القارئ في ذهول ايرثي هذا اويحزن على ذاك ام يشرد لساعات يتسائل ما يكون خطابه و هل ستسعفه الكلمات فيدعو ويقول سبحانك ربي ليس لي سواك و يالني من مقصر في زمن يكاد لا يحسب لا بالساعات و لا بالدقائق انما بثوان سريعة و اجزاء هنيهات تخطفنا و يوما ما سيحين موعدنا فنلقى بدورنا في حفرة و يوارى علينا التراب فيا رب انا نسالك حسن الختام.

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سبحان الله الذي وهبك الحكمة، وحسن الكلام، وروعة البيان !
    هذا النص من أفضل نصوصك وأجملها، فهو على قدر كبير من بلاغة القرون الأولى، وهو يحمل في كل حرف فائدة، ودعوة للتفكير، وإعادة النظر.
    أعجبني كثيرًا قيامك بعرض وجهات نظر كل من المادحين والناقمين والمحايدين. فالمادح والناقم كلاهما يجادل بمنطق قد يبدو للحظة صحيحًا ولا غبار عليه، فيأتي في النهاية المحايد، وندرك حقيقة معظم ما قيل في ولاء الحاكم ومعاداته. وليس لدي ما أزيده على فكرتك تلك فقد كتبت، وعبرت، وصدقت، وأوفيتها حقها وما يزيد عليه حتى، فبارك الله فيك وفي قلمك.

    ولكن عندي ملاحظتان، الأولى تتعلق بما ابتدأت به نصك هذا ؛ إذ لم يرق لي تصويرك لملك الموت على طريقة الأفلام والمسلسلات الأجنبية، فتجعله مرتديًا عباءة سوداء، قادرًا على الطيران، حاملًا في يد عظمية منجلًا هلاليًا استعدادًا لحصد الأرواح.
    وما كتبته رغم ما فيه من خيال أدبي، ورموز خفية، واستخدام للكائن الذي نصفه الأول إنسان ونصفه الآخر شبح، لا يشفع لك تصوير ملك الموت بذلك الشكل، فالهيئة التي ذكرتها هي الهيئة التي يعتقد بها المسيحيون على حد علمي، فلا يليق أن تستخدمها وأنت مسلم، فحاول أن تبحث وتستزيد أكثر حول هذا الموضوع ^_^

    أما الملاحظة الثانية فهي تتعلق بالجزئية التي كررتها قبيل ابتداء كل شبح بقول ما عنده. قرأتها بشكل عادي في المرة الأولى التي ذُكرت فيها، ثم قرأتها ببعض الاستغراب في المرة الثانية، وفي المرة الثالثة بكثير من الملل، وفي المرات الباقية قفزت عنها دون قراءتها. وليس في صالح نصك أن يقفز القارئ عن بعض أجزائه !
    فيا ليتك غيّرت تلك الجزئية، ولو بتغيير حرف واحد، فتكرارك لها بذلك الشكل أفقد النص بعض حيويته، وأورثني مزيجًا من الانزعاج والملل تمنيت ألا أشعر به مع نص بمثل هذه الروعة.

    وهناك بعض الأخطاء الإملائية والنحوية التي لا يتسع المقام لقولها، ولكنها قليلة ولا تحتاج أكثر من قراءة أخرى للنص حتى تميزها 😉

    متشوقة لقراءة جديدك، وأرجو لك التوفيق ^_^

    تحياتي

  4. حوار غريب، مع مجموعه لديها خبر الحاكم، وحياته وأمره ومسالكه في البلد وصنيعه بها، يتاحورون ويتخاصمون امام قبره!.

    ملاحظه
    لا يصح قول يرقد الحاكم في مثواه الأخير، فهذا قول من ينفي اليوم الآخر كما يقول العلماء.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: