لو أنَّ لنا أجنحةً ~

20/05/2012 عند 22:26 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 8 تعليقات

لو أن لنا أجنحة

.

وأنا طفل، أدهشت عينيَّ أجنحةُ النوارس، وجعلتُ أرقبها من بعيدٍ بعينين تشرفان على الحياة أوَّل مرة.

مددتُ ذراعيَّ يمنةً ويسرة، رفرفتُ بهما وركضتُ، حافياً على الرمال.

ركضتُ، وركضتُ، ثم قفزتُ محلِّقاً، ولم تمهلني الرمال.

ثم ركضتُ أخرى، وركضتُ، وقفزتُ محلِّقاً، ولكن…

لم أُخلق لأطير.

ولمَ؟ سؤالُ طفلٍ حيَّر عقليَ الصغير للحظة، ثم لم أرغب في التفكير به مرة أخرى، وفضَّلت التحليق ركضاً.

نحو النوارس ركضتُ، مسرعاً، وأنا أرفرف بذراعيَّ العاريتين من الريش، كم هو ممتعٌ ذلك التحليق وإن كان وهماً!

قفزتُ، ووقعتُ متعثراً فطارت النوارس، حلَّقتْ تحليق نورسٍ واحد، وأنا وقفتُ متحاملاً، رافعاً بصري، مقلِّباً وجهي في صفحة السماء، محدقاً بها وهي تعبر فوق عينيَّ إلى مكانٍ لا يبلغه غير بصري.

انتابني حزنٌ وليد، وتساءلتُ:

– “لو أنَّ لنا أجنحةً؟”

 
 

* * *
 
 

سنوات، ومازالت لوعة التحليق مدفونةً تحت أمانينا، تذكِّرنا بها أحياناً طائرة، أو عصفور، أو سرب حمام.

رحمك الله يا ابن فرناس

 
 

* * *

 
 

سنواتٌ أخرى، ولم يزل السؤال معششاً في خيالي:

– “ما يكون لو أنَّ لنا أجنحة؟!”

نطق رفيقي، وكأنه أُخبر بما دار في خلدي ونحن نطوي الطريق ذات سفر:

– “تأمل ذاك السرب هناك، يخيل إليَّ أنهم أصدقاء في رحلة!”

– “وهل هم إلا أممٌ أمثالنا؟!”

– “غير أنهم رُزقوا ما لم نُرزق! أجنحةً يحلِّقون بها أحراراً من جواذب الإسمنت، ومتاهات الجدران.”

– “أما كنا نحن أولى بها وقد حُمِّلنا الأمانة، وأُنيط بنا التكليف؟”

– “إذاً لخفَّ الحِمل وسهُلت الحياة، وأصبحت السعادة سهلةَ المنالِ غير مستصعَبةٍ ولا متمنِّعة!”

– “هيهات هيهات… وهل كان لنا أن نكون طيوراً نشقُّ أجواء الفضاء إلا إن أُبدلنا أنفساً غير تلك التي بين جنباتنا؟

لو أنَّ لنا أجنحةً لاستحوذ الأقوياء منا على مواقع السُّحب وحقول السماء، ولاقتتل الناس فيما بينهم قتالاً تمطر السماء على أعقابه دماً، ويمتلئ أديم الأرض جثثاً وأشلاءَ أجنحة!”
– “أقصر يا صاح فما أنصفت، وليس كل البشر وحوشاً ضواري، وليس في الفضاء مساحاتٌ تُحكم، وليس أصحاب الأجنحة بالذين يُجنَّدون!

لو أنَّ لنا أجنحةً لما تكلَّفنا عناء الطريق، ولما احتجنا لبناء المصانع وتشييد الأسوار، ولما كان لأحدنا عند الآخر حاجةٌ كي يقاتله أو يقتله.

لو أنَّ لنا أجنحةً لسعينا في طلب الرزق حثيثاً على الجذوع والأغصان، ولأكلنا مما تنبته الأرض من خيراتها، ثم نمتطي الغيوم إلى حيث تقودنا الرياح غير متشبِّثين بأرضٍ ولا متعلِّقين بوطن…”

– “كيف بك يا صديقي وقد عدتَ بنا إلى الفطرة الأولى، وكأنَّ الرجل منا حديث عهدٍ بالجنة ولما يضرب بعد في شعاب الأرض ووديانها، ولما تسل بعد دماء هابيل على تراب البسيطة، وهل رضينا نحن البشر يوماً بأكل القوت والضرب في الأرض والعيش على ما تقتضيه ضرورة الكفاف؟

أما علمت أنَّ ابن آدم لم يلبث أن قتل أخاه غلاً وحقداً، ثم لم يلبث أن سنَّ القتل فلم ينته البشر عنه إلى الساعة ولم يبق على نهاية الكون إلا قيد أصبعين أو أقل؟

أما رأيت أن البشر لم يتوقفوا يوماً عن إعمال عقولهم فيما تجود به الأرض والسماء، وما انتهوا قطُّ عن البطش بأيديهم حتى شيَّدوا علوماً ومبانيَ وحضاراتٍ يتباهون بها، ثم ما لبثوا أن أغاروا على بعضهم البعض طمعاً واستكباراً وجبروتاً؟”

– “وهل غير الأرض سببٌ في كلِّ ما أُريقَ من دماء؟ وهل انفكَّت مطامعُ الإنس عن أن تكون بقعةً من ترابٍ يبسط عليها نفوذه؟ ويأمر وينهى من كُتب عليهم السَّعي فيها؟”

– “بل إنَّ لمطامع الإنس مجالاتٍ هي أبعدُ غوراً، وأشرُّ نزعة، وما ترابُ الأرض سوى قيدٍ فُرض على الإنسان قهراً، فلم يجد غيره تجسيداً لما يكبُر في نفسه.

ولو أنَّ لنا أجنحةً لما صعُب على أحدنا أن يجد لنفسه عرَضاً آخر يحدُّ به سلطانه، ويتوسَّع فيه بجبروته، ويرمز بقوانينه لما تقتاتُ به نفسه من عظمةٍ يصنعها، أو يتوهمها، أو تُصنع له.

أما أخبرك التاريخ أن لا حدَّ لمطامع الطغاة إلا بالموت؟ أما رأيت أن الإنسان لا ينفكُّ طالباً بسط سلطانه على كل ما يقدر عليه، بل وعلى قلوب الآخرين وأسماعهم وأبصارهم وأوقات تفكيرهم؟ أما علمت أن أعجز العاجزين ليس يشفيه سوى أن يقف أمام المرآة متيَّماً برسمه، مزهواً بشكله، لاعناً الزمن الذي لم ينصفه، ولو أنصفه لكانت مقاليد الأرض ومعايش الناس بيده؟”

– “بربِّك فاصمت! فليس في الفضاء أماكن للاختباء إن تحركت نزعة، أو رُفع سيف، أو كاد حاقد.

حمداً لخالقنا! فما من تقويمٍ أحسنُ مما نحن عليه.

لو أنَّ لنا أجنحةً لكانت لعذابنا سبباً، ولشقائنا طريقاً، ولا مكان حينها لهروبٍ أو اختباء.

آهٍ… نعم!

يعلم الله ما نحن قادرون على فعله لذلك لم يخلق لنا أجنحةً! فسبحانه تعالى وله الحمد…

Advertisements

8 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. رأيتك صنعت لنفسك أجنحة فطرت بعيدا عن هذا المكان فترة طويلة..

    الحمد لله أنك عدت إلينا بعد غياب طويل.. فعودا حميدا عزيزي..

    كنت هنا..

    • ههههههههههههههههههههههه ما صنعتها وإنما صُنعت لي يا صديقي العزيز خالد 🙂

      سررت كثيراً بلقائك من جديد بعد هذا الغياب الطويل .. وجزاك الله خيراً على الترحيب الجميل 🙂

  2. الحمد كله لله….. و كان و لازال حلمي ايضا.. لا لغرض. في نفسي ولكن فقط لاجرب احساس طائر صغير لا حول له و لا قوة منحه الله تعالى نعمة التحليق……. تابع فكتاباتك بها العبر وعبق الذكريات و كل الامل و قليل من الالم…….

  3. الله !! 🙂

    رائـــع كعادتك .. ابدعـــت يا أنـس ..

    الحمـــد لله …

  4. 🙂

  5. ما احسن ما تأملته وكتبته

  6. على سلامتك :/

  7. جميل ما كتبته هنا .. مبدع حقا 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: