شـمـوعُ الحنيــن ~

15/12/2010 عند 20:29 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 10 تعليقات

Nostalgia

.

(1)

وِلادَة .. ومِيلاد
 

الثالث والعشرون من سبتمبر، برزخٌ آخر.

وخزات الشتاء الأولى، غيومٌ تعيد حشد نفسها من جديد، وزخَّاتٌ تصافح الأرض بحرارة، بعد طول غياب.

عاد الدفء طارداً حرارة الصيف المفرطة، وممهِّداً الطريق لشتاءٍ جديد.

في يومٍ كهذا قبل أربعةٍ وعشرين عاماً، صرختُ صرختي الأولى، خرجتُ إلى الوجود مولوداً أوَّل لزوجٍ شاب، ومشروع طفلٍ تُرجى نباهته، وشابٍّ يُرجى صلاحه، لم يكن في البيت ليلتئذٍ غير أبي وأمي، وجدتي الثالثة، وسريرٍ دافئٍ شهِد مسقط رأسي.
 
 
* * *
 
 
الثالث والعشرون من سبتمبر، معظم المسافرين كانوا نياماً، بما فيهم زميل رحلتي الذي هدَّه التعب.

حرمني الليل البهيم من تأمل المساحات الخضراء عبر نافذة القطار العائد إلى طنجة، لكنه لم يحرمني من سماع هديره الصاخب، وذلك الإيقاع الموسيقيِّ الجميل لعجلاته النهمة وهي تعزف بانتظامٍ مقطوعتها الجميلة على السكة الحديدية، أتمشى قليلاً على ممر المقصورة وألقي نظراتٍ خاطفةً على وجوهِ الركاب وأوضاعهم المختلفة، بعضهم نائمٌ وقد سقط ذقنه على صدره، تلك تطعم صغيرها، ذاك يدفن رأسه بين دفَّتي جريدة، تلك تتكلم عبر الهاتف، ذاك منهمكٌ مع أزرار حاسوبه المحمول.

أعود إلى مكاني حيث لازال زميلي غارقاً في نومه وقد أراح رأسه على المسند، مؤكدٌ أنني لن أتوصل مهما حاولتُ لحلِّ اللغزين المتبقيين في شبكةِ الكلمات المتقاطعةِ لجريدة المساء، أتساءل من أين يأتون بتلك الأسئلة الصعبة! ينتابني بعض الفضول لمعرفة الحل مع يقيني بأني لن أعرفه أبداً، لا لشيء، سوى لأني لا أبتاع الصحف مطلقاً إلا في محطة القطار.

مللت من المحاولة، وعمدت إلى طيِّ الصحيفة ولملمة شتاتها، التعامل مع الصحف فنٌّ لا أجيده، دائماً أجد تلك الصعوبة في بسطها وتقليب صفحاتها بين يدي، ثم إعادة طيها من جديد، وكثيراً ما ينتهي الأمر وقد تبعثرت أوراق الصحيفة وأمست خرقاً بالية، وربما تمزق بعضها أيضاً.

أتناول هاتف زميلي الموضوعَ بإهمالٍ على الطاولة الصغيرة، لم أتعود بعد على الهواتف التي تعمل بنظام البصمات، ويزعجني أن أمرر سبابتي على الشاشة لتمرير صفحة ما لأجد نفسي وقد ضغطت على أحد الأزرار عن غير قصد.

سأجرِّب مرة أخرى، أطبع حروف بريدي الإلكتروني وكلمة مروري، أخيراً أنجح في الاتصال بشبكة الانترنت!

كان متوقعاً أن تستقبل صناديقي الافتراضية عدداً من الرسائل أكبر من المعتاد، ففي ذلك اليوم أدرجَتْ قواعدُ البيانات اسمي بين قوائم الأسماء التي ازداد عمرها عاما، كثيرٌ من رسائل التهنئة إذاً.

((مبروكٌ عامك الجديد، صرت عجوزاً يا فتى! كل عام وأنت بخير، أطيبَ المتمنيات، مزيداً من التوفيق…))

أبتسم بهدوءٍ وأنا أقرأ رسائل التهنئة تلك، وأعود مجدداً للتفكير في مفارقة الفرح بيوم الميلاد، تلك التي تدهشني دائماً، وأتساءل من جديد، أتساءل ما المفرح ليت شعري، في يومٍ يقرِّبك نحو الموت أكثر؟! يومٍ يقف شاهداً على رُكامٍ من الإحباطات المتكرِّرة، والتجارب الفاشلة، والنجاحات التافهة، ثم يقف ساخراً، ويمرُّ حاسراً، ويمضي مقدِّماً لمثلها أو أكثر منها.

إننا بحق نحتاج إلى الكثير من لحظات التفكُّر والصراحة مع النفس، لا سيما في أيام ميلادنا، غير أنها لحظاتٌ يندر أن نعرِّض أنفسنا لها، لأنها دائماً تنتهي بنا إلى تلك الحقيقة المؤلمة، حقيقة أنْ ليس بِوُسع يومِ الميلاد أن يكون، عقلاً، وبأي شكلٍ من الأشكال، مناسبةً تستحق أن نفرح لأجلها.

غير أني مع ذلك أعذر عادة المهنئين، أَسعدُ لحسنِ نواياهم، ويفرحني فرحهم بي، ثم أضغط على كثيرٍ من أزرار الإعجاب، وبي شوقٌ يستعجل رحلة القطار كي أرد على تهانيهم التي أبهجت صدري، وكان لها مفعول البساط الأبيض الذي يلقى على قلبٍ انحشرت فيه كثيرٌ من الأشجان الغامضة، والتي تخْلُص إلى أن يكون لها ذلك الطابع الحزين في نهاية الأمر.

عامٌ آخر مضى، وازداد عمري رقماً، وتمثَّل لي قول الشاعر:

“يسرُّ المرءَ ما ذهب الليالي … وكان ذهابهنَّ له ذهابــا”

كم تُراه ذهب مني الآن مع كل تلك الليالي؟ نصفُ عمري، ثلاثةُ أرباع؟ أكثرُ من ذلك بكثير، أقلّ؟ لا أدري، ولا يمكن أن أدري، ولا أريد أن أدري.

غايتي الآن أن أنحو نحو جبران في دمعته وابتسامته، وأمضي في جولةٍ إلى مدينة الماضي، أن أوقف للحظةٍ هديرَ العقل الذي بات يزعجني، أن أدع كل شيء، وأغلق ورائي باب العُزلة.

جئتُ اليوم لأشعل بعضاً من شموع الحنين، أستدفئ بها من برودةِ الحاضر، وأتزوَّد بدفئِها لعوادي الأيام.

ليس معي عود ثقابٍ غير قلمي، لذلك سأستعين بالكتابة كما جرت بذلك عادة البوح، وأبني بذلك القلم أسْيِجةً جديدةً تحرس الذَّاكرة من اجتياح النّسيان، وأرتِّب أوراقاً ما كان ليستطيع ترتيبها غير خطِّ القلم.
وأيُّ شيءٍ غير الكتابة يملك مثل ذلك السحر؟ وأي شيءٍ غير البوح يمكن أن يصير ملاذاً؟
بالكتابة وحدها نعيد التعريف بأنفسنا كما نريد، ونقدِّم أنفسنا للعالم ببطاقة هويةٍ جديدةٍ لا تعبأ بالحدود ولا تعترف بالمسافات.

بالكتابة نستعرض أخطاءنا السابقة ونتلو دفاتر الضمير، ثم نبرِّرها بالوهم كيف نشاء، ونكسوها اعتزازاً يليق بجرأة البوح.

بالكتابة نعترف بجرائمنا ونُلبسها ثوب البراءة، ثم نبوح بمحاسننا، ونُسيء بها الظن، وفي تلك الزوايا البعيدة من النفس نخوض ونخوض.

بالكتابة نعيد سيناريوهات الماضي، ونمنح لحظاتنا الخاصة، حتى البسيطةَ منها، بُعدها الدرامي المميز.

بالكتابة نحكي ونحكي، نسرد خيباتنا السابقة وإخفاقاتنا التي خلت، ونعرضها للعالم بسينمائيةٍ صاخبةٍ تجلِّلها وتكسوها.

إن القلم ريشة الروح…

إن الكتابةَ عمليَّة تجميلٍ للذَّاكرة.
 
 
* * *
 
 
طرق بابَنا عيدَ الفطرِ ذاك، ضيفٌ ما.

تناهى إلى مسامعي ذلك الصوت المتصاعدُ لحفاوةِ والدي وهو يرحِّب به أحرَّ ترحيب، مصطحباً إياه نحو مجلسنا، بدا لي من كلامه أنه يعرفه منذ مدةٍ طويلة، أقبل الضيف وألقى السلام مبتسماً وهو يجيل بصره باهتمامٍ في أرجاء البيت، وفوجئتُ بأنه كان امرأةً مسنَّةً بيضاء الوجه والثياب لا أذكر أني رأيتها من قبل، وفوجئتُ أكثرَ بأنها تعرفني وأختيَّ جيداً، ولقد خاطبتنا بأسمائنا التي تعرفها أيضاً حق المعرفة.

سلمتُ عليها بدهشةِ من قابل شخصاً عرَفهُ وهو له منكِر، تأملت في ملامحها جيداً لعلي أجد بين ثنايا وجهها ما يذكِّرني بها، لكن دون جدوى.

لم تستطع السيِّدة إخفاء دهشتها العارمة وهي تُجيلُ بصرها بيننا نحن الثلاثة، وتتمتم بعباراتٍ تخلَّلت ما كانت فيه من ذِكرٍ مستمر:

– “ما شاء الله، تبارك الله، ما أسرع ما كبرتم، ما شاء الله، تبارك الله، حفظكم الله، رعاكم الله، وفقكم الله.”

وإن هي إلا لحظاتٌ حتى كانت قد استغرقَتْ مع والديَّ في الحديث حول أيام الماضي البعيد، ونحن جلوسٌ بينهم نرقب ما أشعلوه من شموع حنينٍ تسبق زمان وجودنا، كانوا يتحدثون بسعادةٍ تخللها الحزن، وحزنٍ أذكاه الشوق، عن جدتي رحمها الله، وعن أعمامي، وعن بيتنا القديم، وعن أفراد من العائلة لا أعرفهم، وعن أفراد وافتهم المنيَّة رحمهم الله، وأنا أتأمل بوقارٍ ذلك البياضَ الذي يشعُّ نوراً من جبين السيِّدة العجوز، والنَّظرات التي تفيضُ حناناً وعطفاً، والشفتين اللتين لم تفترا ثانيةً واحدةً عن التهليل والتحميد والتكبير.

لم يكن لسانُها يتوقف لحظةً عن الحركة، كانت تتكلم، فإذا انتهى كلامها وبدأ أحد والديَّ بالردِّ لم تكن شفتاها تمسكان عن اللَّهج بالذِّكر والصَّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مازلنا نجد لحسن الحظ هذا النوع من العجائز الذين أنهوا كل شيء، وبقيت لهم حكمةٌ ينطقون بها، ونظراتٌ تلامس بصفائها شغاف القلوب، وأذكار لا يفترون عن تعاهدها، فلا تفتر هي عن تنويرهم.

إن حركة الشفاه تلك تلائمها تماماً، وتجمِّلها، وتجعلني أعرف أخيراً سرَّ بهاء طلعتها، والنور المشعِّ من وجهها وعينيها.

يوماً ما سنفتقد كثيراً تلك البقية الباقية من عجائز البركة.

سألني والدي بعد أن ذهبَتْ، ولسانها لا يفتُرُ عن الذِّكر كعادته:

– “أعرفتَ من تكون هذه؟”

أجبته وبي حيرةُ من يحاول تذكر شيءٍ غائبٍ بعيد:

– “كلا، لا أذكر أني رأيتها من قبل، لعلَّها من أفرادِ العائلة الذين لا أعرفهم.”

مستغرباً قال:

– “أحقاً لم تذكرها؟! طالما زارتنا في بيتنا القديم عندما كنتم صغاراً، أليست هذه هي مَنْ كنتم تسمُّونها (جدَّتي الثالثة)؟!”

وتلتمع الذكرى أخيراً.

نعم والله إنها هي! جدَّتي الثالثة التي لم نرها مذ كنا صغاراً، إنها القابلة التي أشرفت على ولادتنا أنا وأختي، ولادةً طبيعيةً بعيداً عن أيِّ مستشفى، لهذا إذاً تصرَّفت على أنها تعرفنا منذ زمنٍ بعيد، لهذا لمستُ في نظراتها شعلة الأمومة الدافئة تلك، وكيف لا؟ وهي الشَّخص الوحيد الذي شهِدَ اللحظة الأولى لخروجي إلى الحياة، ولعلَّ يديها هما أول يديْنِ حُملتُ بهما وأنا لا أزال مغموساً في صرخاتي الأولى.

أشعر بأسىً عميقٍ كلما لقيتُ مُسنّاً على مثال جدَّتي الثالثة، بعضُ المسنِّين ربَّانيون على قلة علمهم، وبعض الشباب لم ينفعهم علمهم إلا زيادةً في الغي!

أشعر بأسىً عميقٍ كلما تيقَّنت أنَّ إيمان العجائزِ مازال يُقبض بقبضِ العجائز.
 
 

* * *
 
 

(2)

عُـمْر
 
الثالث والعشرون من سبتمبر، بعد أربعةٍ وعشرين عاماً تلتْ ليلة ميلادي تلك، ما كنتُ لأعرف سبباً يجعل هذا الرقم بالذات موضع كتابتي، لا شيء مميزٌ فيه غير كونه عددَ ساعات اليوم، إنه ليس محطةً عمريةً من تلك المحطَّات اللاَّفتة للانتباه، والدَّاعية للتّأمل، والطَّارحة للأسئلة، والموقفة للإنسان على مُفترق طريق، وفي العمر عددٌ قليلٌ محدودٌ من مثل هذه المحطات.

ليس بالثامنة عشرة، ذلك العمر الذي تبلغ فيه أوهام المراهقين قمَّتها، لتبدأ بالانحدار بعد ذلك تدريجياً، نحو رؤيةٍ أكثر واقعيةً واتِّزاناً.

وليس بالعشرين، وذاك عمرٌ يُطالَب المرء فيه بإثبات كفاءته في أن يستمرَّ على قيد الوجود، وفي ادِّعاء قراراتٍ دراسيةٍ أو وظيفيةٍ ملزمةٍ ومسؤولة.

أيضاً، ليس بالخامسة والعشرين، حين تصير مطالباً بأن تتلو تقريراً عن النتائج، وحين تبدأ خطوط التأسيس الأولى لشكل الحياة النِّهائي، وحين يرمقك الجميع بنظراتٍ ذات معنى، يختبئُ خلفها ألْفُ سؤال، وحين تكتشف بأن ما كانوا يقولونه قديماً صحيح، من أن الحياة صعبة، وأن المجتمع لا يرحم، وأنك إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب.

ليس ما أكتب عنه الآن سوى رقمٍ مُهملٍ في سلسلة الأرقام الدالة على الأعمار، رقمٌ محشورٌ في وسط الطريق بين محطَّاتٍ عمريةٍ سابقةٍ ولاحقة، دون أن ينتبه إليه أحد، ودون أن يرمُز عند الناس لشيءٍ يتميز به.

ربما كان الوقوف هنا بعض الشيء مفيداً بشكلٍ أو بآخر، وربما كان ضرباً من الهُراء والعبث أن أخوض بتفكيري وتأملي في مثل هذه المقاربات المتاهية! لأنه وببساطة، وبعد أعوامٍ قليلةٍ ستتساوى لديَّ كلُّ الأعمار السابقة.

يمضي بنا قطار الحياة وهماً بعد وهم، ويحدُثُ ألاَّ نُفيق من أوهامنا إلا بعد أن تنزِع تلك الأوهام من أيَّامِنا أظافرَها المخدِّرة، فإذا بنا نرى كلَّ شيءٍ وقد فات الأوان، وكان من أمر الله ما كان.

ويبقى قبسٌ من ضمير، نحاول استعانةً به أن نوقظ من قد سبقناهم، وجاؤوا بعدنا، ونحن نُطلُّ على أوهامهم من جيبٍ زمنيٍّ خفيّ، نراهم من حيث لا يروننا، نكلِّمهم وهم لا يسمعون، نلوِّح لهم وهم غير منتبهون، ونتأمَّل من علٍ أوهامَهم، تلك التي كانت أوهامنا، فنُشفقُ عليهم، ونتمنَّى لهم إفاقةً أسرع، ولعلنا لا نكون مدركين أن حالتنا تلك، هي أيضاً، وهمٌ جديد، وأنَّ هناك من ينظرُ إلينا، ويكلمنا، ويلوِّح لنا، ويطلُّ على أوهامنا، من وراءِ جيبٍ زمنيٍّ آخر.

جيوبٌ زمنية نُطِلُّ من خلالها على بعضِنا البعض، وندوِّن من خلالها حكمة الحياة، كما يراها كلُّ واحدٍ منَّا، أو كما يتوهمها، أو كما كذبتها عليه اختبارات الأيام السالفة.

متاهةٌ من الأوهام، تلك هي حقيقة الحياة كما تخبرنا بها وجوه العجائز، وأسرَّة المرضى، وممرَّاتُ المقابر، وكتبُ التّاريخ.

ثم في النهاية يأتي الموت، ونغيب، ونصير إلى تلاشٍ محزن، ثم بعد ذلك نصحو، ويا للصحو بعد غيبة الموت…

وإلا فأين أنتَ الآن يا قيس، وأين أنتِ يا ليلى؟

وأين أنتَ يا روميو، وأين أنتِ يا جولييت؟

وأين أنتَ يا أبا مسلم، وأين أنتَ يا أبا جعفر؟

وأين نحن الآن… يا نحن!
 
 

* * *
 
 

أمام المرآة، حتماً هناك خللٌ ما!

أتساءل متى تنحِتُ الحياة على وجوهنا تلك التفاصيل الدقيقة التي لا نلحظها إلا في وقفات الاستراحة ومحطَّات التأمل، وبعضُ الوقفات أمام المرآة محطَّات! حتماً ليس هذا هو الشخص الذي مثُل أمامي في المحطَّة السابقة، وحتماً ليس أولئك الذين صرتُ ألتقي بهم الآن صدفةً في الأزقَّة والشّوارع، هم أنفسهم زملائي الأعزَّاء على مقاعد المدرسة الثانوية.

ريشةُ العمرِ قد بدأت تُحكِم خطوطها على وجوهنا وأجسامنا، تلك التي فقدت، أو تكاد، كلَّ السَّوائل المساعدةِ لها على التشكُّل والتغيُّر، لتُصبح كما نراها الآن جافَّةً جامدة، مائلةً نحو تكسُّرٍ وانكماشٍ بطيئيْن، يفعل الزَّمن بنا فعلَه بقطعِ الفخَّار، أليس كلانا قد صُنع من طين؟

لم نعد الآن أولئك الصِّغار الحالمين من طُلاَّب المدارس الثانوية، أعمارنا تحوم حول منتصف العشرينيات، لقاءاتنا القليلة أصبحت تداخلها كثيرٌ من العبارات الرسمية وقواعد اللَّباقة في الحديث والمزاح وتناول المواضيع، تلك القيود التي لم نكن نعير لها بالاً في أيام الدراسة، بل لقد كنا نُكثر السخرية من أولئك (الكبار) الذين يراعون في أحاديثهم ومزحاتهم قواعد الأدب ومفردات اللباقة، والآن أجدنا وقد أصبحنا نتحدَّث مثلهم، ونجامل مثلهم، ونمزح مثلهم، ونقف حيث يقفون، ذلك لأننا قد صرنا منهم، وبلغنا بعض أعمارهم.

تخلَّصنا من أوهامنا القديمة، وصرنا نعيش الآن أوهاماً راهنة، إنها أوهام بداية الطَّريق.

ملاحَظٌ عندي أن أحوالنا الآن، أو أوهامنا بتعبيرٍ أصح، هي أوهامُ بداية، منتصف العشرينيات مرحلةٌ مليئةٌ بالبدايات المتخمة بارتباكاتها، ومخاوفها وتوتُّراتها، معظم أحاديثنا الآن تحوم حول بداياتٍ حياتيةٍ مصيرية، سنوات الدراسة الأخيرة، سنواتُ الوظيفة الأولى، مشاريع الخطوبة والزَّواج، وأفكارٌ ضبابيةٌ حول مشروع منزل، أو سيَّارةٍ جديدة.

لا بأس إذاً، فكلُّ الأوهام مؤقّتة! إنْ هي إلا سنواتٌ قليلةٌ حتى تصطبغ لقاءاتُنا وأحاديثنا بلونٍ مختلف، وسنعيش عندها أوهاماً أخرى، أوهاماً جديدة، أوهام منتصف الطريق، مواضيع أكبر قليلاً وأكثر جدية، مشاكل عمليةٌ من النوع الحرج، مشاكل الراتب والمال ومتطلبات العيش وإعالة الأسر، مشاكل التصريحات الحكومية المستفزة وأرباب العمل الذين لا يفقهون شيئاً، مشاكل مع أبناء الجيل القادم وقضاياهم التربوية التي سيثيرونها في وجوهنا، وتجعلنا نترحم على أيامنا كما يترحم آباؤنا الآن على أيامهم، وانعطافاتٌ شتى قد تغيِّر شكل الحياة جذرياً، نحو الأحسن ربما أو نحو الأسوأ، ويبقى القاسمُ المشترك لكل ما كان، وما هو كائن، وما قد يكون، هو أن كلَّ ذلك سينتهي به المطاف إلى أن يصير حديثاً نلوكه وتتخلَّله الضحكات، ونتطارحه باستخفافٍ في المجالس والمقاهي والمكالمات الهاتفية.

سيصبح ماضياً يُفهم ويُطوى.

سيصبح حنيناً، وأيُّ حنينٍ لمن غفل عن شبابه حتى أدركه الكِبَر؟ فلا شباب ساعتها إذاً ولا كِبَر!

ألتقي بهم، تدهشني أحياناً أشكال وجوههم التي تغيّرت وما قدّرتُ يوماً بأنها ستتغير، وما حسبتُ من قبل بأن عواملَ التّعرية، وأعراضَ الصّلع قد تصل إلى رؤوس بعضهم! وأن فراغ الشعر ذاك الذي يجتاح الرّأس من أعلى مؤخرته، أو من أعلى جانبيْ مقدّمته فوق الجبين، سيعطيهم ذلك الانطباع الكهوليّ المبكّر.

يعود بي الحنين إلى أيام دراسيةٍ قديمةٍ أمضيتُها في ثانوية (ابن الخطيب)، حين كنا، أنا وصديقي الحميم آنذاك، نُدمن الحديث عن المستقبل بتوجُّسٍ وريبة، ونرسم معاً الخرائط والمخطَّطات، ونفكِّر ونقدِّر، ونحسب الاحتمالات، ونَلهى بذلك عن مذاكرة دروسنا التي اجتمعنا أساساً لأجل مذاكرتها! ثم نُفاجئ في النهاية بأنَّ ساعاتٍ عديدةً مضت لم نُذاكر فيها حرفاً، وأنَّ الامتحانات قد باتت قريبةً أكثرَ فأكثر، وأنَّ حديثنا الوحيد طيلة اللِّقاء كان متراوحاً بين زملاء الدراسة وزميلاتها، وبين الآفاق الضَّبابية لمستقبلنا الهلاميِّ الذي كنا ننظر إليه بتشاؤميةٍ مفرطة.

كان مجرَّد التفكير في الموضوع يدخلنا في نوبةٍ من الضَّحكِ اليائس، ونتحدَّث عن الفكرة آنذاك وكأننا نتحدَّث عن أعجوبةٍ من عجائبِ الزمان، وهل يُعقل أن يحدث ذلك حقاً؟! أن نرتدي بافتخار، يوماً ما في المستقبل، بذلةً رسميةً وربطةَ عنق، وأن نجتاز مباراة توظيفٍ نضطرُّ خلالها أن نتحدَّث بلغةٍ فرنسيةٍ خالصة، تلك التي نكاد ننهي سنواتنا الدراسية كلها ونحن بالكاد نستطيع نطق عباراتٍ متكسرةٍ منها، والأعجب من هذا كلِّه أن ننجح ونُقبل، ونتوجَّه بعد ذلك كلَّ صباحٍ إلى مكتبنا الخاص، تماماً كأولئك (الكبار) الذين نخفي عنهم سخريتنا منهم، ونشاهدهم كلَّ يومٍ حولنا في الشوارع والمكاتب، وفي المسلسلات التلفزيونية التي طالما سلونا بمشاهدتها عن نكد الدراسة، في كلِّ مساء على الساعة التاسعة أو نحوها.

كنَّا نفكر في أشياء كهذه فنتشاءم، ثم نضحك، ثم نعودُ إلى واقعنا فنجدُ أنفسنا أمام طاولةٍ متخمةٍ بالكتب التي لم تُفتح، والتمارين التي لم تُنجز، وأننا لا نكاد نفهم درساً واحداً من دروس الاقتصاد أو تمريناً من تمارين المحاسبة، ثم سرعان ما نغرق في دوَّامةٍ مشتركةٍ من الإحباط الذي لا شاطئ له ولا قعر، ويخلُص بنا المطاف إلى وضع توقُّعاتٍ أخرى لمستقبلنا، كنا نراها آنذاك الأكثر واقعيةً وإمكانيةً للتحقق، كأن نُصبح على سبيل المثال تاجريْن في السُّوق العامة، بائعين متجولين، عامليْن، أو سائقيْن لسيارات الأجرة!

أحلامٌ بسيطةٌ ورؤيةٌ محدودة، كنت أبرهن على صحَّتها آنذاك بالحُجج والبراهين والأمثلة الحية والأدلة الملموسة من أخبار السَّابقين، وإحصاءات البطالة، وتقارير الفساد الإداري، ثم مضى بنا العمرُ وتفرَّقت بنا سبل الحياة، حتى كان أن وُضعنا ذات يومٍ وعلى سبيل الصدفة، وبعد غيابٍ دام سنوات، في موقفٍ ضحكنا فيه تلك الضحكة عينها، والتي طالما أثارت نقمة الأساتذةِ علينا، وتسبَّبت بطردنا من الحصص الدراسية.

قُدِّر لي أن أعمل محاسباً، وقُدِّر له أن يعمل موظفاً في بنك، وحصل أن قادني بعض شأن العمل إلى أن أدخل مقرَّ وظيفته ذات يوم، كان منهمكاً في عدِّ رزمةٍ من الأوراق النّقدية وأمامه طابورُ زبائن، ومن حوله بعض زملائه من الموظَّفينَ البنكيين، والذين أجبرتهم وظيفتهم على ارتداء ربطة العنق طوال مدة دوامهم حتى ضاقوا بها ذرعاً، وصاروا يتحرون ترك الثياب الرسمية، على سبيل التغيير، في المناسبات وحفلات الزفاف، تماماً كما يتحرى الآخرون ارتداءها في ذات المناسبات، وعلى سبيل التغيير كذلك.

التقت عينانا، وارتفع الحاجبان اندهاشاً، وتبادلنا نظراتٍ ذات معنى.

كثيراً ما يقال بأن الصديق الحقيقي هو الذي مهما غيَّبتك عنه الأيام، فإن لقاءك به يظل محتفظاً بنفس الدرجة من حميمية الصداقة، ويبدو أنه كان صديقاً حقيقياً لو صدقت تلك المقولة! فما إن التقت عينانا حتى دخلنا في نوبةٍ هستيريةٍ من الضَّحك المكتوم عبثاً، على طريقة تلك الضحكات التي كنا نحاول، عبثاً، إخفاءها عن أعين الأساتذة في المدرسة الثانوية، غير أنه لم يعد الآن تلميذاً يقاسمني طاولة الدراسة، وينتظر معي أن يعلو صوت جرس انتهاء الحصة، بل إنه الآن صار موظفاً بنكياً، ولا يحسن به أن يُرى وهو يغرق في ضحكٍ مجنونٍ يعجز عن إيقافه.

حاول، وحاولتُ، وفشلنا!

لم ينجح أيُّ واحدٍ منا في إخفاء ضحكته الكبيرة وراء كفِّه أو معطفه، أو تظاهره بالسُّعال! خشيتُ أن يظنَّ مسؤول الأمن الجالسُ أمام الباب أن بي مسّاً من جنون، أو أنني معتوهٌ يتعمَّد إثارة الشَّغب داخل مؤسَّسةٍ بنكية، وخشي هو أن تهتزَّ تلك الصورة الرسمية الوقورة التي طالما اجتهد لينصبها حاجزاً بينه وبين زملائه الموظفين، فما كان مني إلا أن عُدت أدراجي خارجاً، وانتظرته عند باب البنك حتى خرج إليَّ هو بنفسه.

وعدنا صغاراً فجأة!

– “وغدٌ أحمق كعادتك! لو أنك لم تسارع بالخروج لكانت كارثة!”

– “اخرس! وأنت الموظف المحترم تضحك مثل مهرج! لقد كبرت وصرت عجوزاً وصارت لك كرشٌ تتدلى أمامك! ومازلت منذ ذلك الحين، ورغم كل هذه السنوات، لم تصلح فرامل الضحك المعطلة عندك يا صاحبي! أليس عندك ما تشتري به واحدةً لمثل هذه المواقف؟!”

ونضحك.

ثم نضحك، كثيراً، وأكثر، وأكثر…

ومشينا، إلى المقهى؟ لا! بل إلى عتبة باب البيت التي كنا نمضي عليها أمسياتٍ وليالي كاملة، لا نقوم منها إلا إذا فتح الباب خارجٌ من المنزل، أو إذا لمحنا أحد قاطنيه مقبلاً من بعيد.

لم تغيِّرنا السنوات الستُّ التي تفصلنا عن الثانوية العامة إلا قليلاً، ومضى الوقت بسرعةٍ خاطفة، كعادة الأوقات السعيدة دائماً.

كانت أمسية سمرٍ رائقةٍ سافرنا فيها إلى مدينة الماضي، وأخذنا جولة حنينٍ في أزقَّتها وشوارعها المزدحمةِ بالأحلام الابتدائية، والدَّهشات الإعدادية، والنَّزوات الثانوية.

ابتسمنا، ضحكنا، تأمَّلنا، تذكَّرنا، اِستفسرنا، اِستخبرنا، تحدَّثنا عن كلِّ من خطر ببالنا المشترك من زملاء وزميلاتٍ وأساتذة.

بعضهم لا يزال يجدِّفُ سنواته الجامعية، والبعض الآخر قد افتتح بيته الخاص متزوجاً على عجل، مستشرفاً بذلك إلى مصافِّ الرجال.

معظمُ زميلات الدِّراسة قد صرن متزوِّجات، وكثيرٌ منهنَّ انتقلن رُفقة أزواجهنَّ للإقامة في بعض البلدان الأوروبية، تتناهى إلى مسامعنا بين الفينة والأخرى أن زفاف فلانةٍ قد اقترب، أو حان، وأن فلانةً قد أنجبت طفلها الثاني، أو الأول.

يا لهذه الأعمار التي تنقلنا جبراً من حالٍ إلى حال، دون أن نحسَّ بانتقالنا، تماماً كما يغشى الليل النهار ويغشى النهار الليل، بتدريجٍ بطيءٍ لا نكاد ندركه، ولا نملك له دفعاً، أو عليه تأثيراً.

عزمتُ مرَّةً وأنا طفلٌ أن أحاول رصد الحدود الفاصلة بين مراحل الحياة، متى أنتقل بالضَّبط والتحديد من الطفولة إلى المراهقة، ثم من المراهقة إلى الشباب، ثم من الشباب إلى الرجولة لأصبح مثل أساتذتي! عزمتُ أيضاً أن أرصد لحية والدي متى ستبيضّ، ووجه أمي متى سيبدو أكبر عمراً مما هو عليه.

تساءلتُ أيضاً وأنا أشاهد على كرَّاستي رسمةً للكرة الأرضية، عن ذلك الخط الدَّقيق الذي يقسمها إلى ليلٍ ونهار، أين يوجدُ ذلك الخط؟ ولماذا هناك فترةُ غسقٍ وفترةُ شفق، مادام ذلك الخط دقيقاً إلى هذا الحد؟ هل بإمكاني لو نُقلت إلى ذلك الخط أن أضع قدماً في الليل وقدماً في النهار؟ وأن أمدَّ يمنايَ في النور ويُسرايَ في الظَّلام؟!

مرَّت الأيام والشهور والسنوات، جاوَزتُ الطُّفولةَ وبعضَ المراهقة، وأراني الآن أحبو نحو الخامسةِ والعشرين، اِبيضَّت لحيةُ والدي دون أن أشعر بها، وتغيَّرت ملامح أمي دون أن أنتبه، وجاوزتُ سنواتٍ ومراحل عمريةً حاسمةً دون أن أتفطَّن إلى نموِّي، أو أحسَّ بتغيُّر ملامحي أمام المرآة!

متى حصل كل هذا ولم أنتبه؟ أمسيَّراً كنت أم مخيَّراً؟ أمسيَّرٌ أنا أم مخيَّر؟ أمسيَّراً سأكون أم مخيَّراً؟ أكلُّ ما مضى كان وهماً؟ أكلُّ ما أعيشه الآن وهم؟ أكلُّ ما سأعيشه في قابل الأيام سيكون وهماً؟

أياً يكن، وأياً ما حدث، ففي النهاية تأتي لحظة الموت تلك، لتضع النقطة الخاتمة على عمرك، لتخبرك أنك قد عشت ما قُدِّر لك أن تعيشه، ولا مزيد بعد.

لحظةُ الموت تلك، وحدها تنقل الإنسان من حالة الوهم إلى حالة الحقيقة، وتُريه بعين البصر ما كانت عميت عن رؤيته عين البصيرة، لحظة الموت فقط هي ما سوف يعلِّمنا بدقةٍ متناهية أولويات الحياة، وينزع عن وجوهنا كلَّ أقنعتها، ويوقفنا حفاةً عراةً، أذلَّاء صاغرين، أمام الحقيقة الكونية الكاملة.
 
 
* * *
 
 

(3)

صُـوَر
 
حروفٌ تُقرأ، أنغامٌ تُعزف، صورٌ تُرى، إنها الأحلام تتحقق، إنها المشاعر تتجسد، إنها المحسوسُ يتحوَّل إلى ملموس.

إنها ذكرياتٌ اعتقلتها آلةُ حبسِ الظِّل، فأمست جوازات عبورٍ إلى روضة الحنين.

ما أبشع جناية الرَّقميات على مقدَّساتنا الشعورية!

منذ سنواتٍ توقَّف نموُّ ألبومات صورنا العائلية، واحتلَّت تلك الالتقاطاتُ القديمةُ ركناً مهملاً من أركان المكتبة لا يزوره أحدنا إلا نادراً، حُرمنا لذة انتظار الصُّور أياماً وربما أسابيع، قبل أن يأتي بها والدي من محلِّ التحميض، ثم نتحلَّقُ حولها، جلوساً على الأرض في اجتماعٍ أسريٍّ رائقٍ نتبادل فيه التعليقات والضحكات، ونحرص جميعاً على ألَّا يلوِّث أحدنا الصورة بآثار بصماته إن كانت حديثة العهد بطعامٍ أو لُزُوجة، بل نُمسكها بأطراف أصابعنا، ومن أقصى طرفيْها ونتأمَّلها، ونضحكُ على أحدنا إن ظهر في إحداها مُغْمَض العينين بعد أن اجتهد في إصلاح هندامه، واختيار المكان الأنسب لوقوفه أو جلوسه، أو تموضعه أياً كان نسبةً إلى إطار التصوير، وزاوية الالتقاط، والمناظر أو الأشياء الموجودة من خلفه.

تنتهي الصور وتنقضي معها تعليقاتنا، ونتمنى لو أنَّ هناك المزيد منها، يقوم أحدنا بإحضار ألبوماتنا السابقة من رف المكتبة، لكي نضيف إليها الصور الجديدة حفاظاً عليها وطلباً لترتيبها، لكن ذلك لا يتم إلا وقد أخذتنا دوخة تلك الصور القديمة، والتي لا تُملُّ أبداً، في رحلة حنينٍ جديدةٍ تجعل جلستنا العائلية تطول أكثر وأكثر…

أما الآن فنحن نعيش في عصر التصوير الرقمي، عصرٌ أمسى التقاط الصور فيه مجانياً، عشوائياً، غير محدودٍ وقليل الحرص، ولم تعد تلك الألبومات الملموسة أكثر من مجلَّداتٍ رقميةٍ مهملةٍ في ركنٍ ما من أركان القرصِ الصلب، باردةً كالمعدن، خاليةً من الإحساس.

تمرُّ أمامي بملل، أكبِّرها، أصغِّرها، أقتطع أجزاء منها، أضيف عليها ما لا حصر له من التأثيرات الضوئية واللونية، أنشئ عالمي الخاص من الصور الوهمية التي تجتهد لإرضائي، وأجتهد لإرضائها، أصنع منها أكاذيب صادقة، وحقائق كاذبة، ثم أعيد تسميتها بحروفٍ تختصر مُرادي منها، لأحتفظ بها لنفسي، أو لأعلِّقها على جدارٍ من جدران تلك الشبكات الافتراضية للتواصل الاجتماعي.

ليس محلَّ شكٍّ أن ثورة التقنيات هذه قد أدمجتنا مع الصورة بشكلٍ كامل، ومنحتنا مطلق الصلاحية في أن نصنع بها ما نشاء، دون أن تحرمنا في الوقت نفسه من تحميضها وطباعتها والاحتفاظ بها في ألبوم الخزانة كما كان الدَّأب في تلك الأيام الخالية، لكنها تظل إشكاليةً رمزيةً بالدرجة الأولى.

الأمر هو كما فعل البريد الإلكتروني بساعي البريد، وبتلك الأظرفة المتنبرة الصفراء منها والبيضاء، المزيَّن بعضُها بشريطٍ أزرق وأحمر يمرُّ عبر جوانبها، والأهم، احتواؤُها على رسالةٍ بخطِّ اليد، عفوية الأسلوب، مذيَّلةٍ بتاريخ كتابتها مع عبارةٍ عاطفيةٍ جميلة، تَليها رسمةٌ ساذجةٌ لوردةٍ أو قلبٍ أصابته رمية (كيوبيد).

رسائلُ حيَّةٌ تعيش وتنمو، تنكمش خجلاً بين أصابعِ يدك، تتأثَّر بعوامل الزَّمن، تُصيبها أعراض الشيخوخة.

تعثر عليها صدفةً بعد سنواتٍ فتجدها وقد أصابها الشحوب، ومالت نحو الاصفرار، وامَّحت منها بضعةُ أحرف، وانطبعت عليها آثار الطيّ، لكنها مع ذلك تُوقف الزَّمن من حولك بتأثيرٍ هو السِّحر أو يشبهه، وتعود بك إلى يومها الأول بين يديك بيضاء ناصعة، حتى لكأنَّك تعيش ذلك الزمن بكيانك كله، وبتفاصيله كلها.

وتبقى حواسك الخمس ذاهلة من استفزاز الذاكرة الذي استخرج من أرشيفها أوراقاً قديمة.
 
 

* * *
 
 

كنتُ في وقتٍ مضى أندهش من صوري، والآن صرت أندهش من صور والدي!

كيف كان شكل الحياة في زمنهم ذاك؟ كيف أَحَسَّ آباؤنا بالتغيُّر الجذري الذي عرفه المغرب بين جيلهم وجيلنا، والجيل الثَّالث هذا الذي نعيش فيه؟!

أتناول صورةً كئيبةً بالأبيضِ والأسود، تتخلَّلُ مزيجَ ألوانها درجةٌ من اللون البني الباهت، تظهر فيها امرأةٌ منتقبةٌ تركب سيارةً ذات طرازٍ ضاربٍ في القِدَم، واضحٌ أن ركوبها خلف المِقود كان من أجل التصوير فقط وليس من أجل القيادة! وأمام السيارة يقف شابٌّ ضاحكٌ بأناقته العائدة لحقبة الستينات، على رأسه قبعةٌ مستديرة الحواف يذكِّرك شكلها الأمريكي بأفلام (التكساس) القديمة، وأمامه رجلٌ آخر يرتدي ثياباً مشابهة، وصبيٌّ صغيرٌ ينظر نحو العدسة عابساً ببراءة!

خلف الصورة كُتب عددٌ بحبرٍ جاف: 1967، هو تاريخ التقاطها.

قال والدي وهو يشاركني تأمل الصورة مستلطفاً:

– “هذه عمتك كما ترى، وذاك زوج عمتك، أما الطفل الصغير فهو أنا! كنتُ في السابعة من عمري آنذاك، ألست تميز ملامحي؟”

يا للهول! أحقاً ذلك الشاب الضاحك، العصريُّ والأنيق بمقاييس الستينات، هو نفسه زوج عمتي رحمه الله؟ أهُوَ هُوَ؟ ذلك الشيخ الذي لم أكن أراه إلا في العيدين متدثِّراً بجلبابه، وقد برزت بطنه وتهدَّلت أوداجه، يحكي لنا قصصاً عن بطولاته القديمة وعلى مائدته ما لذَّ وطاب من الطعام والحلوى وأكواب العصير والشاي والقهوة، ونحن جلوسٌ حوله نصغي بخشوعٍ وانبهار.

هذا الألبوم خاصٌّ بصور والدي.

لقد عاش أيام شبابه هو أيضاً والتقط لنفسه صوراً، وكان له أصدقاء، وسافر لعدة مدنٍ مغربية! يُخيَّل إلي عندما أشاهد صوره القديمة بألوانها الباهتة جداً، أو الأقدم منها تلك التي بالأبيض والأسود، بأن الحياة الحقيقية لأبناء ذلك الجيل كانت فعلاً بتلك الدَّرجة اللونية الكئيبة، وأتخيَّل أني لو نُقلت عبر الزمن إلى إحدى صورهم تلك، وعشت معهم تلك اللحظة بعينها، فإن العالم كلَّه من حولي سيتَّخذُ ذلك اللون البنيَّ الباهت، أو الرمادي المتراوح بين الأبيض والأسود!

يصعب عليَّ أن أتخيل أنهم عاشوا حياتهم بنفس الألوان التي نعيش بها حياتنا نحن الآن، اللحظةُ الحاليةُ فقط هي الأنصعُ ألواناً لأنها الأحدث، وكل ما مضى بنيٌّ باهت، أو رماديٌّ متدرج.

يبدون رائعين بطابعهم العتيق، وكل شيءٍ عتيقٍ ينتهي به الأمر إلى أن يصبح جميلاً وفخماً بعد بضع سنوات، شعورهم شعثاء ومجعدةٌ تتشعب عمداً في كل اتجاه، على طريقة (الهيبِّيزم) التي كان لها انتشارٌ كاسحٌ في فترة السبعينات، أما ملابسهم فكانت قمصاناً ضيِّقةً مفتوحة الأزرار، وياقاتُها واسعة كبيرة تمتد على الجانبين، حتى لتكاد تغطِّي الكتف مثل أجنحةٍ تحيط بالرقبة، بنطلوناتهم الجينز ضيقةٌ من الأعلى وتتسع باطِّرادٍ نحو الأسفل على طريقة (قوائم الفيل – pattes d’éléphant)، الموضة التي عشنا لنشهد عودتها لاكتساح الأسواق في أيام مراهقتنا أيضاً، والتي عشناها مع أولى سنوات هذا القرن الجديد.

الاهتمام بادٍ على وجوههم وهم متحلِّقون حول اثنين منهم يلعبان الورق على إحدى الطاولات، كانت صورةً لهم وهم في غرفتهم المشتركة التابعة للسكن الجامعي، أرى والدي بينهم أيضاً، ملابسهم الرياضية من نوع (آديداس – Adidas) ذات طرازٍ قديمٍ جداً، وكنتُ لبست ذات مرةٍ بذلةً رياضيةً حمراء اللون تعود لوالدي، وكانت لا تزال في حالةٍ جيدةٍ وكأنها جديدةٌ لم تُلبس، غير أني لم أسلم من تعليقات زملاء الثانوية الذين طاب لبعضهم أن يلقبني، على قلة مهارتي في كرة القدم:

“لاعب المنتخب الوطني لسنة 1986!”

أمرِّر صوراً أخرى لوالدي وأصدقائه، أعرف بعضهم ولا أعرف آخرين، ويخبرني هو بما آلت إليه مصائرهم، يبدون الآن وهم يحومون حول الخمسين رجالاً وقورين، وأرباب أسرٍ منشغلين تماماً بالإشراف على دراسة أولادهم، ويتحدَّثون معاً عند التقائهم بأسلوبٍ راشدٍ متَّزن، يناقض تماماً ذلك الجموح الشبابيَّ النَّافر من بعض صورهم القديمة أيام كانوا طلاباً في كلِّية فاس، شعبة التربية البدنية.

ألمح في هذه الصورة وجهاً أعرفه جيداً، إنه زوج ابنة عمتي وقد كان معهم أيضاً في نفس الجامعة زميلاً لوالدي، أبتسم وأنا أراه في الصورة جالساً مع جموع الطلاب في المطعم الجامعي يتناولون طعام الغداء، مرتدياً سُترة (جينز) أنيقة، لم يكن يعلم، لا هو ولا أصدقاؤه في ذلك الوقت أنه سيصبح زوجاً لابنة عمتي، وأنه سيشتغل إطاراً مالياً في نفس الكلية التي كان يدرس فيها في ذلك الوقت، وأن مسار حياته الأسرية سيشهد تغيراً لافتاً بعد قرار الالتزام الذي اتخذاه معاً، هو وزوجته التي انشغلت بتقنيات التواصل الحديثة عبر منتديات الشبكة، لتفضي بها إلى أن تصبح داعيةً سلفية العقيدة والفكر والسلوك.

تعرضت هي لحربٍ نفسيةٍ شُنَّت عليها بسبب ارتدائها للنِّقاب، وتعرض هو لاستفزازاتٍ متلاحقةٍ سمعتُ بعضها وغاب عنِّي معظمها، سبَّبتها له لحيته التي صارت طويلة!
 
 

* * *
 
 

أفضِّل عادةً أن أتفرَّج على الصور لوحدي، متلافياً تعليقات الآخرين الذين ينزعجون من بطئي الشديد في تمريرها على الحاسوب، وأنا من جهتي أستغرب كيف يمررها البعضُ بعجالةٍ سريعةٍ فلا يقف فيها على تفصيل، ولا يكون لها عنده أيُّ حظٍّ من التأمل والتدقيق في خفايا ما تنطوي عليه من أشكالٍ وألوان.

لإيماني بأن كل صورةٍ تُلتقط هي عالمٌ قائمٌ بذاته، أحب عند مشاهدتي للصور أن أتوقف طويلاً عند كل صورة، عند كل عالَم.

أمسحها بعينيَّ بدقةٍ وبطء، ألقي عليها نظرةً شاملة، أتأمل كيف تبدو، ثم أبدأ بفحصها قطعةً قطعة، وجهاً وجهاً، عيناً عيناً، ابتسامةً ابتسامة، جسماً جسماً، شيئاً شيئاً حتى تتشرَّبها عيناي بالكامل، أكتشفُ أنَّ أقل عناصر الصورة وأشيائها استحقاقاً للاهتمام والإعجاب، هي نفسها العناصر والأشياء التي تعمَّد المصور التقاطها لحظة التصوير، وحرص على أن يضبط أبعادها وأوزانها داخل إطاره، في حين أنَّ أروع ما في الصورة وأجمل ما فيها، هو تلك التفاصيل الصغيرة التي لم ينتبه لها المصور، ولم يقصد التقاطها، بل ولم يعلم بوجودها أصلاً إلا بعد استخراج الصورة.

إنها تلك الظلال المنعكسة على الوجوه والأشياء عن غير قصد، تلك الأخلاط اللونية البديعة التي تنشأ عن تمازج الألوان والظلال، وتتأثر إيجاباً أو سلباً بجودة آلةِ التصوير، كثيراً ما يخطر لي بأن الأمزجة اللونية التي تصنعها آلات التصوير القديمة، هي أفضل وأجمل بكثيرٍ من تلك التي تصنعها بعض الآلات الرقمية الحديثة، ولعل ذلك يفسر ما نراه اليوم من لجوء البعض إلى التلاعب بصورهم الجديدة، عبر تجريدها من ألوانها تماماً بغية إظهارها أكثر رونقاً وسحراً بالأبيض والأسود، أو عبر تحويلها إلى درجاتٍ من اللون البني الباهت، لتوهم الناظر إليها بأنها التُقطت في عصرٍ سابقٍ لاختراع أنظمة الدقة العالية.

يحصل معي أحياناً وأنا أطيل التأمل في بعض صوري القديمة، أن تعود حواسِّي الخمسُ كلُّها إلى زمنِ الصورة، فأعيش جوَّها، وأشمُّ رائحة مكانها، بل وربما أسمع أصوات المتواجدين فيها، وأتذكر ما كان خاطراً ببالي في تلك المرحلة العمرية، وذلك اليوم، بل في تلك اللَّحظة بالذات.

أستطيع أن أشعر بملمسِ مِيمِي، وأنا واضعٌ كفِّي على ظهرها في إحدى الصور، وهي جالسةٌ على حِجري بدلال.

أستطيع أيضاً أن أسمع تلاطم الأمواج الممتزجة مع لغط أصدقائي في المدرسة الإعدادية، ونحن في إحدى الصور منهمكون في تناول (الطَّاجين) الذي قمنا بإعداده في منطقة (آكْلا)، أسفل غابة (الرميلات).

أسمع كذلك خشخشة لِحاء الشجرة تحت كفِّي، ممزوجةً بحفيف الأوراق التي تداعبها الرياح، وأنا أحاول الظهور بمظهر المتسلق لها في إحدى الصور.

يرنُّ في أذني، كذلك، صوت جدَّتي رحمها الله، ونحن، أنا وأختاي، متحلِّقون حولها ذات ليلة، نصغي إليها وهي تحكي لنا حكاية (لونجة بنت الغول)، أتأمل أثر السُّجود المنطبع على جبينها، والشعرات البيضاء والبرتقالية التي تطلّ من ثنايا حجابها.

ومزيدٌ من الصور بين يدي، المزيد منها، المزيد من تذاكر السفر عبر الزمن، المزيد من جوازات العبور إلى روضة الحنين…
 
 

* * *
 
 

قالوا:

“نحن نحب الماضي لأنه ذهب، ولو عاد لكرهناه.”

عبارةٌ جعلتني أتأملها طويلاً، جعلتني أتساءل، لماذا تبدو الأشياء كلُّها جميلةً في الصور، حتى لو ارتبطتْ معنا بذكرى حزينة؟ قرأتُ يوماً بأن الموسيقى وحدها تجعلنا حزينين بشكلٍ أفضل، لكني أقول، بأن الموسيقى وصور الماضي معاً، يجعلاننا سعداء بشكلٍ أسوأ!

بيتنا القديم أصغر مساحةً من بيتنا الحالي، لماذا يبدو لي رحب الأرجاء جداً عندما أشاهده في صورة؟ ولماذا تبدو تلك الأشياء البسيطة القديمة الموزَّعة على أرجائه جميلةً للغاية؟ ولماذا أحسّ بأنَّ ذلك الشُّحوب اللَّوني الطبيعي الذي يعتري الصور القديمة هو أفضلُ وأجمل، وأكثر أناقةً ودفئاً بكثيرٍ من أحدث ما تلتقطه آلات اليوم من صورٍ عالية الدِّقة؟

حقاً إن التغيرات المتعاقبة التي تمرُّ على أشكالنا وصورنا وأساليب حياتنا، هي مما لا ننتبه له إلا عندما نبدأ بالحديث اعتماداً على سلَّم السنوات، أو عندما نتناول صوراً أرَّخت لتاريخٍ ما، فنلمح فيها ما ننتبه فجأةً بأننا فقدناه دون أن نشعر.

حُقّ لي أن لا أعرف كم مرَّ من الوقت وأنا أقلِّب بين عينيَّ تلك الصور، عندما نركب كبسولة الزمن نفقد الإحساس بالمقاييس الطبيعية التي تجري على الحياة في نظامها الكونيِّ المعتاد، كانت رحلةً جميلةً أن أشاهد نفسي عن كثبٍ وأنا طفل، وأن أشاهد كيف كان أبواي وإخوتي، وأعمامي وأخوالي، وأصدقاءُ دراستي قبل سنواتٍ عدة.

تستوقفني أكثر تلك الصور الجماعية التي كانوا يلتقطونها لنا في مدرسة (يوسف بن تاشفين) الابتدائية، حيث كنا نصطفُّ واقفين على الطاولات التي تم إخراجها من الفصول الدراسية إلى ساحة المؤسسة، ويقف على جانب المجموعة المعلِّم، أو المعلِّمة، وعلى الجانب الآخر مدير المؤسسة إن كان موجوداً، وأسفل المجموعة يوضع لوحٌ أسود بارزٌ كُتب عليه بالطباشير الأبيض:

(يوسف بن تاشفين – السنة الأولى – 1992).

نحن نحب الماضي لأنه ذهب، ولو عاد لكرهناه.

نعم، أحب الماضي لأنه مضى، أحبه كما يبدو في الصور، وكما ترسمه لي ذاكرتي.

لا أريد له أن يعود لأنه إن عاد سيفقد صفته المميِّزة، صفة كونه (الماضي)، وسيكون عندئذٍ حاضراً يشبه تماماً لحظتي هذه التي أعيشها وأسْطُر فيها هذه الحروف، لا شيء مميزاً من حولي، ولا شيء سيكون مميزاً في مشهدي هذا إلا إذا التُقطت لي الآن صورةٌ سوف أشاهدها لاحقاً، أو إذا عدتُ بذاكرتي إلى هذه اللحظة، بعد زمنٍ تكون قد اكتملت فيه دورة الحنين.

وكم كان ذلك مرهقاً صعباً، عندما حاولتُ ذات مرةٍ أن أجعل الحنين صفةً لازمةً لأوقاتي كلِّها حاضرها وماضيها، وأن أعيش كلَّ لحظةٍ في حياتي، مهما بدت اعتيادية لا مميز فيها، على أنها مشروع ماضٍ جميل.

ليس هنالك ألمٌ أشدُّ على النفس من جريان الوقت بأعمارنا، عندما نتأمله مكبَّلين بضعفنا، وعجزنا عن تحقيق كثيرٍ مما نحلم به ونتمناه.

نعيش، نلتقط صوراً،

نستنشق حنيناً،

ثم نموت، ويشاهدون الصور،

يستنشقون حنيناً،

ثم يموتون، وتبقى الصور.

وتمضي الحياة…
 
 

* * *
 
 

(4)

طـفولـة
 
قالت، وهي تجيل بصرها في أرجاء المكان:

– “المرور بهذا الحيِّ يذكرني بأيام طفولتي، هناك في (جْنان قَبطان) وُلدت ونشأت، وهناك في (أمراح)، وقرب (السَّقَّاية)، وهنا أيضاً في (قصبة مرشان) كنا نركض ونلعب، هذه المناطق تسمى (المدينة القديمة)، أترى تلك الطفلة التي تلعب هناك جانب السُّور العتيق؟ مثلها تماماً كنا نلعب، لكن لشدَّ ما تغير المكان، لم يعد كما كان في الماضي مع الأسف.”

– “وما الذي تغيّر فيه يا أمي؟”

– “كان في الماضي أكثر ازدحاماً مما هو عليه الآن، وكانت الساحة تعجُّ بالقُصَّاص ورُواة الأحاجي ومروِّضي الأفاعي، وكنا نتفرَّج عليهم وهم يعزفون بمزاميرهم ويتمايلون يمنةً ويسرة، حتى تخرج الأفعى من الكيس رافعةً رأسها متمايلةً هي الأخرى على أنغام عزفهم.”

– “وأين هم الآن؟ لماذا لم يعودوا موجودين في هذا المكان؟”

– “لست أدري، فقد مرت سنواتٌ طويلةٌ منذ ذلك الوقت.”

– “لكن المكان هنا جميل جداً، وكأنه أثرٌ تاريخي!”

– “نعم، هذه طنجة القديمة، ولو دخلنا عبر هذه البوابة الكبيرة فسوف نطلُّ على شاطئ (بو قنادل)، وسيظهر لنا ميناء طنجة البحري كاملاً.”

خُيّل إليَّ ساعتها، في ذلك اليوم وأنا طفلٌ صغير، أني لن أجد ما أحكيه لأطفالي في لاحق الزمان من حنينٍ يشاكل حنينهم هذا أصالةً وجمالاً، أنا الذي وُلدت ونشأت في حيٍّ شعبيٍّ من أحياء الطبقة المتوسطة، وفكرت في أنه لن يكون مشهداً رومانسياً جميلاً أن أتحدث بفخر عن منزلٍ من واجهتين إحداهما تطل على الشارع في حي (الحسنية) قرب قنطرة (بنديبان)، وملتصقٍ بصفٍّ من المنازل في تشكيلةٍ حضريةٍ نوعاً ما، لكن تبين لي فيما بعد أن تفكيري ذاك كان وهماً سبَبُه كون إقامتنا في ذلك المنزل كانت حاضراً، لم يحظَ بعد بشرف التحول إلى (ماضٍ) يُروى، بعد أن تكون ريشة الحنين قد صبغته بأروع ألوان الجمال.

إنها طنجة، المدينة اللغز.

أغبط والدي على ذاكرة صباه، ونحن نمرُّ على (فندق الشجرة)، أو ننحدر نحو (سوق الدَّاخل)، ونجتاز تلك الأزقَّة القديمة جداً، الضيقة جداً، والتي أجاد في وصفها (باولو كويلو) في روايته الشهيرة (الخيميائي).

تمرُّ بي لفحاتٌ محمَّلةٌ بروائح الخبز الساخن التي تَشِي بها نوافذ البيوت المنخفضة، ممزوجةً بدخان وجبات الغداء الجاري إعدادها، الروائح التي نشمُّها تختلف عند كل زقاق، بل كلَّ بضع خطوات، ما إن نمرَّ أمام بيتٍ من البيوت القديمة حتى تهبَّ علينا رائحة الطعام الجاري إعداده في ذلك البيت، وما إن نمرَّ أمام محلٍّ تقليديٍّ قديمٍ حتى يلفحَ وجوهَنا مزاج الأصالة.

سُتَرٌ وأحذيةٌ جلديةٌ بنِّيةٌ وسوداء، قطع أثاثٍ تبدو وكأنها استُخرجت من مسلسلٍ تاريخي، مرايا ضخمة الحجم تحيط بها إطاراتٌ خشبيةٌ زخرفتها أيادٍ ماهرة، أجهزةُ هواتف تعود لعشرات السنين، وأجهزةُ مذياعٍ ضخمة الحجم طالما صدحت عبرها أصواتُ الطّرب الأصيل.

آلاتٌ موسيقيةٌ نفخيةٌ ووتريةٌ تزيد المكان رونقاً، وربما عزف على إحداها عازفٌ ماهرٌ تجمهر حوله أصدقاؤه.

خليطٌ من روائح الخشب والجلد المعتَّقة يداعب حاسة الحنين عند كل من يمرُّ بأماكن من هذا النوع، ويتوطَّد لديَّ ذلك الاعتقاد بأن حاسة الشمِّ هي الأكثر ارتباطاً بحاسة الحنين! ثم إن حاسة السمع ليست أقل ارتباطاً، إذ يبدو المشهد أكثر تناغماً عندما تلتقط أذناك ألحاناً من الطرب الأندلسيِّ البديع ممزوجةً مع صفير الطَّناجر، ولغط المارة الذي اختلطت فيه جميع لغات العالم، أو عندما يصدح (حسين السلاوي) برائعته (الساقية والبير)، تليها نسخٌ أصليةٌ لـ (آبنت بلادي، عجبوني عينيك)، أو (يا الرايح وين مسافر).

يشير والدي إلى بيتٍ كبيرٍ مزخرفٍ على الطِّراز القديم جُعل أسفله مقهى، وتقابله ساحةٌ امتلأت جوانبُها بالباعة وأصحاب المطاعم الشعبية التي تزدحم عندها الطاولات والكراسي والأقدام، وتتجوَّل حولها القطط الشاردة متلمسةً إطفاء جوعها الأبديِّ بأيدي المحسنين، ويترنَّح ههنا وههناك المجانين والمعتوهون والمتسوِّلون وسكارى الليلة السابقة، وتمرُّ بنا بعثةٌ من السياح الأجانب الجذلين، المسنِّ معظمهم، يضحكون ويمرحون، ويلتقطون لأنفسهم وللمكان، الأثريِّ بالنسبة لهم، صوراً تذكاريةً يعودون بها إلى أوطانهم.

يشير إلى ذلك البيت ويقول:

– “هنا وُلدت.”

ثم يشير إلى مصفوفة الأزقَّة الضيقة التي اجتزناها كما نجتاز متاهةً معقَّدة الأرجاء مجهولة المداخل والمخارج، ويقول:

– “وهنا كنا نلعب ونركض، وفي الصيف كنا ننزل حفاةً إلى الشاطئ، أيام كان هنالك في طنجة شاطئ، أنتم لم تروا مع الأسف كم كانت مياهه نظيفةً في عهدنا…”

وتأخذه حسرةٌ على شاطئِ طنجة، وهي الحسرة نفسها التي تأخذ كل أبٍ أو جدٍّ نشأ بين أحضان عروسة الشمال، وشهد بعينيْ رأسه كيف كان، وكيف أصبح.

ما أجمل أن تعود كبيراً إلى حيث كنتَ وأنت صغير.

تأخذك الدهشة، ويختلج قلبك، ويتحرك سائلٌ ما خلف جفنيك، وتتحفز حواسك كلها، ويُنبش في ذاكرتك العميقةِ العميقة، وترتبط عندك المناظر والروائح الأشكال والهيئات بذكرياتٍ كنتَ قد نسيتها تماماً، فإذا بها تطفو على السطح فجأةً فتختلطُ عليك الأزمنة، ولا تعودُ تدري أأنت أنت، أم أنك ذلك الطفل الذي كان هنالك في يومٍ قديمٍ ما.

كلُّ شيءٍ في طنجةَ يشعلُ شموعَ الحنينِ حتى آخرِ فتيل.

بعد أن رحلنا من بيتنا الأول إلى بيتنا الثاني القريبِ قليلاً منه، صار يمنعني الخجل من أن أعود لزيارة حينا القديم، تلافياً للقاء أحدٍ من أصدقائي أو أصدقاء والدي، عادتي عند الاختفاء أن أذوب تماماً، وألا أترك أيَّ أثرٍ يدلُّ عليّ، أو أملٍ في لقائي من جديد.

كنتُ أكابد الشوق للجلوس على عتبة منزلنا القديم، والتجوال في أزقَّة الحي، وملاعبة ميمي، والركض وراء الفراشات محاولاً الإمساك بها، قرب أشجار الموز المتدلِّية من فناء منزلٍ قريب.

جاء رمضان، إنه أول رمضانٍ نمضيه في المنزل الجديد، سرَّني أننا سوف نصلِّي الفجر في نفس المسجد المعتاد، (مسجد القنطرة).

يطربني (سي المهدي) بأذانه المتميِّز المنبعث من حنجرةٍ ذهبيةٍ أصيلةٍ لشيخٍ طاعنٍ في السِّن، نصلِّي الصبح جماعة، ونتحلَّق حول الإمام وبين أيدينا المصاحف، وننتظر انطلاق الآية الأولى من (قراءة الحزب)، يبدأ الإمام بالتلاوة وندخل معه في قراءةٍ جماعيةٍ ذاتِ إيقاعٍ مغربيٍّ موحَّد، الشيوخ يقرؤون من حفظهم وكثيرٌ من الرجال والشباب يقرؤون من المصاحف.

ننتهي، وأعجز عن الحركة بسبب الخدر الذي أصاب ساقي بسبب جلسة (التربيعة)، أستغرق في التأمين على دعاء الإمام بعد أن أناول المصحف رجلاً قام يجمعها من القرَّاء ليعيدها إلى حيث كانت على الرفوف.

أخرج من المسجد وقد بدأ لون السماء يتغير من السواد إلى الزُّرقة الداكنة، ألمح فتياتٍ ينتظرن سيارة نقل العمال، لتصطحبهنَّ إلى مقرات عملهنَّ البعيدة عن المجال الحضري، أقرر عدم العودة إلى البيت الآن.

ليست هناك فرصةٌ أفضل من هذه.

سأشعل الآن شمعةَ حنينٍ جديدة،

الحيّ القديم!

أمضي وحيداً بخطواتٍ سريعة، ملتحفاً بما بقي في الفجر من ظلام، أقف أخيراً أمام مسقط رأسي! لا أحد هنا غيري على الإطلاق، الجميع نيام، الأزقَّة كلها خاليةٌ تماماً، العالم كله مِلكي! يا للسعادة!

أرفع بصري عالياً، أديره في جدران المنزل القديم ونوافِذه المغلقة، أجلس على عتبته الرُّخامية المنقوش عليها تاريخُ بناء المنزل (1982)، ألمس الباب الحديديَّ بيديّ، أتمنى لو أستطيعُ الدخول.

أقف من جديد، أستنشق الهواء بملء رئتيَّ اللتان أذابتهما رائحة الحنين، أشعر بتلك الدغدغة الخفية خلف جفنيَّ، أستنشق مرّةً أخرى بشكلٍ أقوى وأعنف، أتأمل نوافذ البيت نافذةً نافذة، تلك نافذةُ المطبخ التي كانت تطلُّ منها أمّي كلما قرعتُ الجرس عائداً من المدرسة، وتلك نافذةُ غرفة الضيوف، أتذكر أيام الصيف التي كنت أنام فيها تحتها وأفضِّل تركها مُشْرَعةً لنسمات الهواء، إلى أن توقظني أشعَّةُ الصّباح الأولى مداعبةً وجهي وعينيّ.

أخطو بضع خطواتٍ نحو الواجهة الأخرى من المنزل، المطلَّة على الشارع، أتأمل الشُّرفة الصغيرة التي طالما أطْلَلْتُ من خلالها على مسافةٍ طويلةٍ تمتدُّ على طول الطريق، وركضتُ نحوها كلما سمعت صراخاً وضجيجاً على الطرف الآخر من الشارع، غالباً ما يكون سبب الصراخ والضجيج شجاراً دموياً جديداً حامي الوطيس، افتعله (العربي) كعادته، وسبَبُه على الأرجح ورقةٌ نقدية، أو علبةُ سجائر، أو كلمةٌ ما، أو زجاجةُ خمر!

كان (العربي) واحداً من الشباب العاطل الضائع الذي يُمضي معظم يومه جالساً على كرسيٍّ ضئيلٍ أمام صندوقٍ مقلوب، يبيعُ عليه بضعَ علبٍ من السجائر، وأمامه مذياعٌ صغيرٌ مضمَّدٌ بالأشرطة اللاصقة من فرط ما وقع وتحطَّم، وكأس قهوةٍ باردةٍ مملوءٍ إلى النصف، موضوعٌ بقربه على الأرض.

كنتُ قد اخترت تلك الشُّرفة ساعة الرحيل، لتكون آخر العهد لي مع منزلنا الأول الذي وعيتُ أوَّلَ ما وعيتُ بين جدرانه.

الوقت ليل، ومعظمُ الأثاث قد نُقل إلى المنزل الجديد، وجدران المنزل القديم أصبحت تُرجع إلينا صدى أصواتنا كلَّما تكلَّمنا! اتجهتُ نحو الشُّرفة وحيداً، وأغلقت بابها ورائي، وبدأت أمارس طقوسي المقدَّسة التي لا يفهم معناها غيري.

حفرتُ جدران الشُّرفة بعينيّ، كنت أحاول تخزين كلِّ ذرَّة غبارٍ شاردةٍ في ذاكرتي، تشبَّثتُ بحاجزها الحديدي، وأسندت خدِّي عليها طلباً لبرودتها ورائحتها، مرَّرتُ أصابعي على تعاريج الحاجز، وعلى نتوئه الصدئة، ثم ألقيت بصري خارجاً.

داخلني ذلك الإحساس الكئيب بمرارة الحرمان، فكَّرت في أن تلك هي آخر مرَّةٍ في حياتي أشاهد فيها الشارع من زاوية الرُّؤية تلك، فطفقتُ أجيل بصري ببطءٍ شديدٍ أتأمَّل السَّيارات المركونة على طرف الزُّقاق، ونوافذ البيوت المقابلة وشُرَفها، واللاقطات الهوائية المنصوبة على الأسطح، لم تكن الصُّحون اللاقطة منتشرةً بكثرةٍ في ذلك الوقت.

أتأمّل يساراً مئذنة (مسجد القنطرة)، ووراءها حافة (قنطرة بن ديبان) التي تمر السيارات فوقها بسرعةٍ عالية، ويميناً أتتبع الشارع نحو صندوق (العربي) الذي لم يكن في مكانه، يليه المرتفع الذي يقود نحو مدارس (مبروكة) و(الداخلة) و(مولاي عبد الرحمن).

بقيتُ على تلك الحال ما شاء الله أن أبقى، إلى أن سمعتُ صدى صوتٍ ينادي عند الباب:
– “ماذا تفعل عندك هناك؟ هيا لنذهب، تأخرنا!”

تمنيتُ لو أن لي أجنحةً أستطيع الطيران بها فأصعد إلى الشُّرفة لأطلَّ عبرها، لكنَّ كلَّ ما كنتُ أستطيعه في يومي ذاك أن أقف تحتها رافعاً رأسي، محدقاً بها أتأمَّلها.

ثم تمشيت.

بخطواتٍ بطيئةٍ متثالقة، جُلتُ أزقَّتي القديمة زقاقاً زقاقاً، ووقفتُ على مراتعِ الصِّبا وملاعبِ الطُّفولة، استمتعت بشعور أن المكان صار ملكاً لي، وهو شعورٌ لا يمنحه سوى التجول بهدوءٍ في ساعات الفجر الأولى.

وقفتُ أمام شجرة الموز المهجورة، وأمام الكُتَّاب الذي حفظنا فيه شيئاً من القرآن الكريم قبل الالتحاق بصفوف الدراسة، وفي الإجازات الصيفية الأولى، عاد لذاكرتي مشهد الكُتَّاب ونحن جلوسٌ أمام (الفقيه)، على ضوء قنديلٍ زيتيٍّ ضئيلٍ باهتٍ لا يكفي لإضاءةِ المكان، وأحدُنا يستظهر ما حفظه خائفاً مترقباً، وَجِلاً من عصا الشيخ التي يحكم قبضته عليها، مستعداً للضرب عند أيِّ خطأٍ في الحفظ أو التلاوة.

عاد لذاكرتي ملمس اللوح الخشبيِّ الذي كنا نكتب عليه ما سنحفظه من آياتٍ قرآنية، ثم لنمحوها بعد ذلك بواسطة خليط الصلصال مع الماء، ثم لنعيد الكتابة عليه من جديدٍ بواسطة قلمٍ قصبيٍّ ودواةِ حبر.

محلُّ إصلاح العجلات لم يُفتح بعد، وكذلك محلُّ بيع القهوة، والحدَّاد، والمقهى، ثم الملبنة ومحل البقالة.

عثرتُ على ميمي أخيراً! إنها منزويةٌ تحت إحدى الشاحنات، انحنيت على ركبتيَّ وناديتُها، إنها تجلس جلستها المتأهبة تلك مثبِّتةً بصرها علي، دون أن تأتي بأيِّ حركة، أحقاً لم تعد تذكرني؟! لعلي أطلتُ الغياب كثيراً، إنها تنظر إليَّ بعينينِ واجمتين، لم تنجح (بَسْبَسَتي) لها في استثارتها، هي التي كانت تركض نحوي بجذلٍ كلما وقع بصرها عليّ، وترتمي في حضني دون أن تمسني مخالبها، وكنتُ أجلس على إحدى العتبات وهي تدفن جسدها الصغير وسط ملابسي تتمسَّح بها، ثم أستمرُّ في ملاعبتها وتمرير كفِّي على ظهرها، وتخليل وبرها بأصابعي، إلى أن ينصرف أحدُنا مضطرّاً، أو أنتبهَ لها فجأةً وقد غطَّت في نومٍ عميق.

كان حباً بريئاً بين طفلٍ وقطة!

ولم تكن كل التحذيرات التي تلقيتها ذلك اليوم صحيحةً عندما أنجبت مجموعة هِررةٍ لطيفة، حيث خِيف عليَّ إن أنا مددت يدي إليها أن تهجم عليَّ بمخالبها هجمة أمٍّ تموتُ دون سلامةِ أولادها، قلتُ بأنها تعرفني جيداً، وقالوا بأن الحيوانات تفقد ذاكرتها بعد الولادة، فلا يشغلُها غير إطعام صغارِها وحمايتهم! فكان أن (ذهبنا لزيارتها) في الصندوق الذي اصطنعه لها بعض أطفال الحي لتضم فيه صغارها، وكانت منهمكةً في إرضاعهم، مددتُ يدي إليها فلم تحرِّك ساكناً، لاعبتُها، مرَّرت كفِّي على ظهرها الناعم، ولمستُ صغارها دون أن تبدي تجاه ذلك أي انزعاجٍ يُذكر، والتفتُّ إلى أصدقائي الذين عقدت الدهشة ألسنتهم، بعد أن برهنتُ لهم بالدليل الملموس على بطلان نظرية فقدان الحيوانات لذاكرتها بعد الولادة، وتأكَّد برهاني لهم بالدليل القاطع عندما اغترَّ طفلٌ آخر بما رأى، فمدَّ يده إليها ليلمسها، وما إن كادت تصل إليها حتى انقضَّت عليه بهجمةٍ مخلبيةٍ وصرخةٍ عنيفة، ولولا أن الطفل كان خاطفاً في نزع يده إذاً لأدمتها مخالبُ ميمي.

تركتُ الشاحنة وانصرفت، كانت مكتفيةً بالتحديق بي بعينيها الخضراوين الواجمتين، لا يبدو أن ميمي ستخرج لمقابلتي فربما مُحيتُ من ذاكرتها، أو ربما لم تتعرَّف علي بسبب الظّلام، أو بسبب بُعدي الجسديِّ عنها إن كانت القطط تميِّز البشر عبر الرائحة.

لون السماء أصبح (سماوياً)! راقَ لي عندها أن أصعد إلى أعلى (قنطرة بن ديبان) لأسرِّح ناظريَّ عبر (طريق الرِّباط)، وعبر المنازل البعيدة المنثورة ناحية (البرانص) أو (حي الموظَّفين)، أستطيعُ أن ألمح مئذنة (مسجد التقوى)، حديثِ البناء في ذلك الوقت، يطيب لي أيضاً أن أتفرَّج على شروق الشمس وأتأمل كيف ينسلخُ الليل عن النهار، وكيف يطلب أحدهما الآخر حثيثاً.

أدهشني عشُّ اللقلق القائم على رأس مئذنة (مسجد القنطرة)، كانت المئذنة تبدو أجمل أيام كانت مصبوغةً باللونين الأخضر والأبيض، لستُ أدري لماذا أعادوا صباغتها بلونٍ أبيض فقط منذ مدة.

صافحتُ أشعة الشّمس الأولى في ذلك اليوم الرمضاني الوليد، خيالاتها الدافئة أذْكَتْ شعلة الحنينِ التي أوقدتُها بداخلي تواً، سوف يكفيني دفؤُها زمناً قبل أن أحتاج للعودة من جديد، ذات صباحٍ رمضانيٍّ آخر.
 
 

* * *
 
 

– “لنختبئ هنا! لا نريد أن يرانا فيطردَنا من المسجد!”

وفعلاً لم يكن يرانا (سي المهدي) ونحن منحشرون في إحدى زوايا عُلِّية المسجد، مستخفِين من عباراته القاسية وخائفين من أن يطردنا كعادته شرَّ طِردة، التحاقُنا بالمسجد بعد الفطور بقليل، وقبل أذان العشاء بأكثر من ساعة، لم يكن بريئاً!

نفاجئ بذلك الرجل الأبكمِ العصبيِّ صاعداً درج العلية، منفعلاً مقطِّباً حاجبيه بشدة، ما إن يرانا حتى تبدأ انفعالاته الغاضبة وأصواته المكتومة التي تصدر عادةً من البكم عفواً دون شعورٍ منهم، ويشير بيده إلى الخارج طارداً إيانا من المسجد، كان يعلم رغم صَمَمِه أننا نثير الشغب أثناء صلاة التراويح ونزعج المصلِّين، وندغدغ أقدامهم عندما يسجدون ثم نهرب راكضين نلهو ونضحك!

كنت قد نسيت، أو تناسيت، الآداب التي علَّمني إياها والدي في صغري، ما كنتُ لأستطيع مقاومة إغراء أصدقاء الحيِّ من أقراني الأطفال، بمشاركتهم الأفعال المجنونة والمشاغبات المزعجة التي لم تكن تقف عند حدّ، جاهدتُ نفسي كثيراً عند الإغراءات الأولى، وكنت أحاول الإعراض عنهم والبقاء منضماً إلى صفِّ التراويح، وأنا أسمع أثناء الصلاة ضحكاتهم الشقية، وأصوات ركضهم من خلفي على طول المسجد، ثم لم يطل الوقت حتى بدأتُ أنضم إليهم تدريجياً لأصبح في نهاية المطاف واحداً منهم، من أطفال (مسجد القنطرة) المشاغبين الذين ضمَّهم (سي المهدي) إلى قائمته السوداء.

نزلنا الدرج حاسرين رؤوسنا وذلك الأبكمُ ينظر إلينا نظراتٍ يتطاير منها الشَّرر، ولم تمض سوى لحظاتٌ حتى عدنا لمواقعنا من جديد، كان لا بد أن نتربص في مكان خفيٍّ منتظرين انصراف الرجل الأبكم، ثم لنعود متسللين إلى العلِّية التي أحببناها كثيراً، وطُردنا منها كثيراً.

بدأ (الكبار) يتوافدون إلى المسجد شيئاً فشيئاً استعداداً لصلاة العشاء، وبعضهم يقطر من ماء الوضوء، يرتفع صوت (سي المهدي) صادحاً بأذانه المميز، ويقومُ بعض المصلِّين لأداء النافلة الراتبة قبل الصلاة المفروضة.

(سي المهدي) يعلم جيداً أن وقت حملة التنظيف قد حان، خاصةً بعد أن يسمع وقع أقدامٍ صغيرةٍ تركض في العلِّية، أو دحرجة أحجار التيمُّم الموضوعة بإهمالٍ في زوايا المسجد وعند سَوارِيه.

نراه قادماً نحونا بخطواته السريعة الغاضبة، ولحيتُه الثلجية الطويلة تتحرك تماشياً مع سرعة خطواته، ونسمعُه يتمتم، يُبَسمِل ويحوقِل، يتعوَّذ، يهدِّد ويتوعَّد، وما إن نراه قد أشرف علينا حتى نرتمي جهة القِبلةِ كيفما اتَّفق ركوعاً أو سجوداً، متظاهرين بالاستغراق في صلاةٍ خاشعة، وأجسامنا الصغيرة تهتزُّ ضحكاً، ويقف (سي المهدي)، رحمه الله حياً كان أم ميتاً، للحظةٍ متأملاً مشهدنا الذي يحيِّره، ثم تبدأ منه عبارات الزَّجر والتقريع والتأنيب والطرد بصوتٍ متهالكٍ أجشّ، طاعنٍ في السِّن كصاحبه، لكنه ما يلبث أن ييأس فيعود أدراجه نحو محراب الإمام، يُبَسمِل ويحوقل…

مضحكةٌ هي ذكريات (مسجد القنطرة)، ومساجد أخرى مررنا فيها بمواقف طريفةٍ في شهر رمضان، لم أكن أتوقع يوماً أنني سأنضم لشلَّة المشاغبين أيام كنت طفلاً مطيعاً أرافق والدي إلى المسجد، وأشاركه الرأي في التشنيع عليهم.

تأتي على الأطفال مراحل يضربون فيها كلَّ القيم والمثاليات التي تلقَّوها في سنواتهم الأولى عرض الحائط، مجاراةً منهم لما تقتضيه مستجدَّات جيلهم من مفاهيم الذكاء والحذلقة، ولآخر ما توصل إليه علم (الجدعنة) من أساليب لخداع الوالدين وتضليلهما، ثم الظُّهور أمامهما بعد ذلك بمظهر (الطفل الوديع) الذي يستحق أن يقارَن بملاكٍ يرفرف بأجنحةٍ من نور.

يذكِّرني هذا بمرحلة السيجارة الأولى، كنتُ ساذجاً جداً عندما ظننت أن لا أحد من زملاء الصفِّ الإعدادي سيقع فريسة الموقف (الغبيِّ والأبله) كما وصفَتْه لنا أستاذة اللغة العربية، عندما تحدَّثتْ لنا عن الأسباب الأولى التي ينشأ بها إدمان التدخين، وأنها في الواقع مجرد أوهامٍ غبية، عندما يعتبر المراهق أن إمساكه للسيجارة بين أصابعه أمرٌ يجعله يبدو رجلاً ناضجاً، أو عندما يوهم نفسه بأن كل ما يفعله لا يخرج عن إطار التجربة البريئة المحكومة بالفضول العلمي ورغبة الاستكشاف، وأنه سيستطيع بعد ذلك أن يضبط نفسه عنِ الوقوع في شَرَكٍ غبيٍّ كالإدمان، بحيث يكون هو السيد على سيجارته والحاكم لها، وليس العكس.

تمثَّلت الأستاذة تبرير السيجارة الأولى بنبرةٍ هزليةٍ ساخرة:

– “أنا كبير، أنا ناضج، لن أدمن على التدخين، أنا أجرِّب فقط وسأقلع عنه متى ما أردت ذلك!”

وضحكنا جميعاً من سخافة هذا الكلامِ وغباوة هذا الموقف وبلاهته! لكن ما لم أعلمه في ذلك اليوم أنني بعد بضعِ سنوات، في المدرسة الثانوية، سأستمع إلى أحد زملائي الأعزاء يقول لي، ممسكاً بسيجارته الأولى:

– “إليك عنّي، لا تنصحني! دع عني كلام الأطفال، أنا كبير، أنا ناضج، لن أدمن على التدخين طبعاً، أنا أجرِّب فقط وسأقلع عنه متى ما أردت ذلك!”

ولم يقلع عن التدخين، بل أدمن عليه، ولقد صار الآن في عداد المدخنين الذين لا تخلو جيوب بنطلوناتهم من ذلك الانتفاخ المكعَّب.

لكن وعلى الجملة، تحتاج الطفولة لبعض الشغب حتى تكون طفولةً حقَّة، وإلا عُدَّ انعدامه فيها خروجاً عن طبيعة الأشياء كما خلقها الله تعالى، وهو الذي يعجب من شابٍّ ليست له صبوة.

صحيحٌ أن بعض شقاوة الأطفال قاتل، وأن بعضها ضار، لكن بعضها ضروريٌّ ليكون الطفل طفلاً طبيعياً.

كثيرٌ من الأخطاء والعثرات والتمرُّدات الصبيانية تبدو طريفةً ومستظرفةً عندما نحكي عنها في لاحق السنوات، لا سيما إذا كانت (أخطاءً بريئةً) تُعذر بالعمر الصغير، بل لعلي لا أكون مبالغاً إن قلت بأن فعل الصواب في مثلِ ذلك العمر هو عين الخطأ، وأن استقامة المسير على خطِّ المثالية هو نفسه انحرافٌ يجب أن يُنظر في أمره.
 
 

* * *
 
 

ما من شك، في أن أجمل صفحات الذاكرة هي تلك المرتبطة بتحولاتٍ جذرية، والمفضية إلى مراحل انتقاليةٍ تحفُّها الدهشات الأولى، والأسئلة المحيرة.

أمام المرايا الزجاجية كانت هناك قصصٌ تراجيدية، وأمام المرايا البشرية تتمثل أمامنا تحدياتٌ غير معلنة، وحروبٌ باردة.

فترة التسعينات التي كتبنا على صفحاتها أهم مدوَّنات الذاكرة، ما أشد اختلافها عن أيامنا هذه رغم قلة السنوات التي تفصلنا عنها، كان كل شيءٍ في تلك الأيام يبدو بسيطاً، جميلاً، هادئاً، عفوياً خالياً من التكلُّف والتصنُّع، لم تكن قنبلة الحواسيب والهواتف النقَّالة قد انفجرت بعدُ في وجه حياتنا اليومية، مخلِّفةً عليه آثارها المشوِّهة!

تبدو الحياة الآن مستحيلةً بدون حاسوبٍ أو هاتفٍ نقال، لكن نفس الحياة كانت ممكنة، بل ربما كانت أجمل، يوم كانت الهواتف الثابتة ترفاً، وكان الناس أكثر حرصاً على احترام مواعيدهم مع الآخرين.

كل شيءٍ تغير حتى وجوه المراهقين وهيئاتهم، وقصَّات شعورهم، ولغة أجسادهم الجديدة التي صنعتها لهم أغاني الرَّابْ، وأنماطُ اللباس وقواعد الأناقة، أشكال النظَّارات وإطاراتها…

انتهت فترة التسعينات وانتهى معها قرنٌ من التاريخ، وجاء العام الـ 2000 فاتحةً لقرنٍ جديد، جاء حاملاً معه كوكباً من الحواسيب والهواتف النقالة وغيرها من الالكترونيات الدقيقة، فجأةً غزت إعلانات الهواتف قنواتنا التلفزيونية، ثم الواجهات الإعلانية في الشوارع والساحات، وشيئاً فشيئاً بدأت الرنَّات أحادية النَّغمة تغزو كل الجيوب، ولم تلبث أن تحولت إلى نغماتٍ موسيقيةٍ كاملةِ الإيقاع، بتدرجٍ تزامن مع تحسين جودة الألوان والصور، والتنافس في تصغير أحجام الهواتف، والابتكار في أشكالها وخصائصها.

أعوامٌ قليلةٌ فقط وصار الهاتف المحمول ضرورةً من ضرورات الحياة، يطلبه الصغير قبل الشاب، والشاب قبل الكهل.

لم تكن وسائل الاتصال الرقمي بدءً من الهاتف وحتى شبكة الانترنت مجرَّد اختراعاتٍ جديدةٍ حسَّنت نمط العيش وحسب، لكنها ثورةٌ غيَّرت نمط الحياة بكافة تفاصيله بدءً من مواعيد الاستيقاظ وحتى أكثر الأبحاث العلمية جدِّية وتعقيداً، وأصبح لها أيضاً تاريخها الخاص، ورمزيَّتها الخاصة، وفلسفتها المتميزة التي نظَّرت لنفسها بنفسها، ثم فرضت وجودها وكيانها على الجميع شاؤوا أم أبوا.

ونحن، تزامنت فترة تحوُّلاتنا الطبيعية مع هذه التحوُّلات العولمية، فكانت هديةً من القدَر أن كنا مخضرمين، أصحاب ذاكرةٍ مزدوجةٍ بين نهاية قرنٍ وبداية آخر، لم تكن تلك التحوُّلات لافتةً لانتباهنا في ذلك الوقت، لكنها الآن بعد عشر سنواتٍ مضت تبدو لنا واضحةً جليَّة، وصرنا نرى بوضوحٍ كيف كان شكل الحياة هادئاً مستقراً طوال فترة التسعينات، لينفجر فجأةً مع بداية القرن الجديد، أرانا الآن كمن أُلقيت عليهم شبكة صيدٍ عملاقةٍ فهم يتخبَّطون فيها يمنةً ويسرة، دون أن يستطيعوا منها خلاصاً، غير أن شبكة الصياد هي من خيطٍ وثوب، أما شبكتنا فهي شبكةٌ عنكبوتيةٌ من الموجات الالكترونية، استطاعت باقتدارٍ أن تُوقِعَ العالم كلَّه فريسةً لسطوتها وجبروتها.

معاً، جمعتنا اللحظات الأولى من الدهشة،

إنها تلك البعثةُ الجديدة…

ونحن نرصُد باهتمامٍ أولى بوادر الانتقال التي عرفتها أجسادنا الغضَّة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، ثم نناقشُ معاً القضايا المتعلِّقة بحلاقة الذَّقن الأولى، ونتشارك معاً وضع نظرياتٍ جديدةٍ حول الحياة وحكمتها، وذلك بعد أن أُبدلنا أنفساً غير أنفسنا، وأرواحاً غير التي كانت بين جنباتنا.

إنه ذلك الشعور الغامض بالاستيقاظ المفاجئ، في السنوات الإعدادية الأولى، عندما علِمنا أنَّ هناك (عالماً) يحيطُ بنا، وأننا (جزءٌ) من ذلك العالم الكبير الذي لا يعرفُنا، ولا يفهمُ شيئاً مما يدور في دواخلنا، وكان يغيظنا أنه لا يهتم بأن يفهم.

على مقاعد إعدادية (محمد بن عبد الكريم الخطَّابي)، كنا نماذج مصغَّرةً للرجال الذين سنكون، كان على البذور الفكرية المزروعة في ذهن كل واحدٍ منا أن تُسقى بمساراتٍ وكتبٍ وتجارب، وأقدار، لتكون الثِّمار فيما بعد مختلفةً بين شخصٍ وآخر.

منذ ذلك الحين، كانت أخيلة وجوهنا ترمز بشكل خفيٍّ إلى النوع الآدميِّ الذي سنكونه في مستقبل الأيام، كنت أستطيع تقسيم زملائي في الفصل، بل وتقييمهم، اعتماداً فقط على النوع الموسيقيِّ المفضل لديهم، لم تكن الهواتف النقالة ولا الحواسيب موجودةً بكثرةٍ في ذلك الوقت، فكان إدمانُنا أن نتبادل أشرطة الكاسيت الغنائية فيما بيننا، وكثيراً ما كنا نجمع الدراهم بصعوبةٍ درهماً إلى درهم، حتى يتيسر لنا شراء شريطٍ من 60 أو 90 دقيقة، نسجِّل فيه جوامع ما لدى زملاء الفصل من موسيقى وأغانٍ.

كنا عموم الشباب نميل نحو أنماطٍ صاخبةٍ إلى حدٍّ ما، وسوقيَّةٍ ربما، وكانت معرَّةً على الشاب أن يستمع أو يُعجبَ بالأغاني الشرقية العاطفية، وكنا نعتبر ذلك نقيصةً وعيباً، وضرباً من خوارم المروءة وقوارض الرجولة التي لا تليق بتلميذٍ شاب، حتى (كاظم الساهر) كنا نعيب الاستماع إليه والإعجاب بأغانيه على أحد أصحابنا وقد كانت تطفح عليه أعراضٌ مرضيةٌ لنزعةٍ رومانسيةٍ ما.

أما نحن فكانت مناجاتُنا الموسيقية مبحرةً في عالمٍ سِرِّي، نقتات فيه على ما يحمله أثير إذاعة Medi 1 لآذاننا بدءً من منتصف الليل عبر البرنامج الإذاعي (بيت الصداقة)، ونتمايلُ طرباً مع إيقاعات (المشاهب)، و(ناس الغيوان)، و(الشاب خالد)، و(الشاب مامي).

وكان إذا كثرت الطلبات للبرنامج على فنانٍ ما أو نمطٍ غنائي معين، جُعلت له سهرةٌ خاصةٌ لا يذاع فيها غير أغانيه لمدة ساعةٍ أو عدة ساعاتٍ متواصلةٍ من عمر البرنامج، ولم يكن يغضبنا شيءٌ أكثر من تخصيص السهرة لأغاني أم كلثوم، والتي لم تكن توافق مزاجنا الشبابي مطلقاً، ولم يكن يسعد بعضنا أكثر من تخصيص السهرة لأغاني فن الراي الجزائري، ولأسطورته الراحل (الشاب حَسني).

أتذكر جيداً كيف كنا ننافس بعضنا بعضاً أيُّنا يعرف العدد الأكبر من أغنيات العندليب المغدور، وكيف كان بعضنا يحرص على تسجيل ما يعرفه من تلك الأغنيات في أوراقٍ يحفظها، وكنت قد انتهيت إلى ما يقارب المئتي أغنية، دون أن أفوز في المنافسة، ودون أن أحيط معرفةً بكل ما غنَّاه (الشاب حَسني) من أغانٍ عاشت بعده ما يقارب العِشرين عاماً، ومازالت تُسمع إلى اليوم وفي كل يوم، دون أن تظهر عليها أعراض الشيخوخة أو التقادم، أو الاضمحلال.

كم كان بوسع (حَسني) أن يشدُو بأغاني الحب في زمن الأوجاع، لو أن رصاصة الغدر لم تجبره على الرحيل الأبدي عن عمرٍ لم يتجاوز السادسة والعشرين؟

ستُّ سنواتٍ فقط كانت كافيةً له ليصنع أسطورةً غنائيةً جديدة، ويبتكر لنفسه نمطاً خاصاً، وجديداً تماماً، من الراي العاطفي الذي استطاع أخيراً أن يدخل إلى البيت الجزائري، بل والمغاربي عموماً، كناطقٍ رسميٍّ باسم قلوب الشباب.

بصمت، وفي ملابساتٍ غامضة، أُفرغت رصاصتان في رأس عندليب الراي الجزائري ظُهر التاسع والعشرين من سبتمبر سنة 1994، وظل الحدث مفتوحاً لتأويلات المؤولين دون أن يُعرف على وجه اليقين من مرتكب الجريمة، وهل هم حقاً بعض (الإسلاميين) التكفيريين كما ورد في البيانات الرسمية، أم هم، كما ذهب البعض إلى الاعتقاد، أفراد المخابرات الجزائرية أنفسهم!

أياً يكن فإنها سياسة.

وبين مطرقة السياسة وسنديانها، يُذبح الفنُّ قرباناً للأطماع الرخيصة.

وكم تأثرنا، وكم كان رائعاً عندما صدح متحدياً تهديدات الاغتيال وإشاعة الموت، بأغنيةٍ له اسمها (قالوا حسني مات):

((أنا حْسبْت الناس تبغيني، كِيما بْغاهم قلبي أنا، ساعة في غيبي يدفنوني، نوكّْل غير ربي مولانا)).

((أنا ظننت بأن الناس يحبونني، كما أحبهم قلبي أنا، لكنهم في غيبتي دفنوني، وكيلي الله مولانا)).

نعم دُفنتَ يا حَسني، لكن موسيقاك لم تزل إلى اليوم تُلهب قلوب كثيرٍ من الشباب والمحبِّين، وليس لهم في الحب قضيةٌ إلا ويجدونها في أغانيك وقد سبقتَهم إليها، وشدوت بأنغامها، وظللتَ بها حياً في قلوب محبِّيك، حنيناً يذكرهم بزمنٍ موسيقيٍّ جميل صار اليوم مفقوداً.

وحدها الموسيقى، تعاريج الروح تلك، خمرٌ نتعاطاه علناً حتى الثَّمالة، دون أن يتَّهمنا أحدٌ بالسُّكْر العلني!

شريطٌ واحد يتمُّ إعداده على ذوقٍ مخصَّص، كان كافياً لأن يورثنا سُكْر يومٍ وليلة، وعربدتهما.
 
 

* * *
 
 

والآن، جيلٌ جديد ينمو، ماضٍ جديدٌ يتشكَّل.

حنينٌ جديدٌ ينبثق!

انتهى بالنسبة إلى جيلنا حنين الطفولة، واتَّضحت ملامح الفخر التي تقتات، ويا للعجب، من فراغات الفقد وآلام الفقر، ومنعطفات التغيير!

ومازلنا نسمع الآن ما يتغنَّى به أصحاب السبعينات بقولهم، ولهجة الافتخار تعلو نبراتهم:

– “أيام كنا، لم تكونوا، ولم يكن في زماننا ما في زمانكم.”

ويتغنَّى أصحاب الثمانينات بنفس القول، ونحن، أبناء جيل التسعينات، صار متاحاً لنا أيضاً أن نقول، وبفخرٍ لأطفال اليوم:

– “أيام كنا، لم تكونوا، ولم يكن في زماننا ما في زمانكم.”

إن عبارةً كهذه ليست مدعاةً للفخر على كل حال، وإن كانت كثيراً ما تصدر في سياقِه! سيكون بعد حينٍ ما ليس كائناً الآن، وسيكبر أطفال الألفية الثالثة، وسيتغنَّون بفخرٍ أمام الذين لم يولدوا بعد، عن أيامهم هذه قائلين:

– “أيام كنا، لم تكونوا، ولم يكن في زماننا ما في زمانكم.”

جمال الحنين نسبي.

أيضاً، كان آينشتاين على حقّ!
 
 

* * *
 
 

(5)

عـقيدة .. وقـدَر
 
…..

………

أنا………..

إنه أنا…………

إنني………………

إنني موجود…………….

إنني أحسّ… إنني أعِي………….

إنني أرى… إنني أسمع…………………..

إنني قادرٌ على الحركة… إنني أدير عينيّ……………

أرض، جدار، نافذة، باب، أزرار القميص، القميص، أصابعي، ذراعي…

إنني… كائن!!

إنني موجود، إنني طفل، أبي كبير، أمي كبيرة، أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً لوحدي!!

من يمنحني هذا الوعي؟ من يمنحني هذه القدرة على الحركة؟ إنني أستطيع أن أحرِّك أطرافي، وأن أجول بعينيّ، لماذا لا تستطيع تلك الخزانة أن تفعل مثلي؟!

يقولون إنها الروح! ما هي الروح؟ ما شكلها؟ هل هي شبحٌ يسكن في داخلي؟ هل لونها أبيض؟ أم رماديٌّ فاتح؟ هل هي مخيفة؟ لماذا خلقني الله هكذا؟ وأعطاني هذا الجسد، وهذه الروح؟ لماذا أنا هنا؟ لماذا أنا هو أنا؟ لماذا أبي هو أبي؟ لماذا أمي هي أمي؟ لماذا ذلك الجدار هو ذلك الجدار؟ ولماذا هذا البيت هو هذا البيت؟

أسئلة…
 
 

* * *
 
 

عند لحظات الصفاء الأولى، سيلٌ من الأسئلة الجارفة يسحبني، يهوي بي في شلالٍ من الحيرة مصبَّ له، أتسلَّق أسئلتي من جديد، أتشبَّث بها لعلِّي أصل إلى باحة الاطمئنان الكامل، لكن دون فائدة.

جذلٌ طفوليٌ غريبٌ كان يجمح في ذاتي الصغيرة آنذاك، يحتبس في داخلي زمناً، يكبر شيئاً فشيئاً، حتى إذا نُؤتُ بحمله خرج متمثِّلاً بأسئلةٍ بريئة، وفلسفيةٍ في نفس الوقت، أسئلةٌ عن الغيبيات المسلَّمة، وتساؤلاتٌ معقَّدةٌ عن القدر جاءت في سنٍّ مبكِّرةٍ جداً، واستفهاماتٌ عن الذَّات الإلهية كنت ألقيها أمام والدي بعفويةٍ طفوليةٍ بالغة، وكان بإجاباته عنها يرصُّ لبنات عقيدتي، لبنةً أمام لبنة.

عندما كنت طفلاً كنت أفهم، وعندما كبرتُ لم أعُد! بل صرت أتساءل، كيف تستوعبُ أذهان الأطفال فكرةً عظيمةً كفكرة الوجود الإلهي؟! وكيف يُشيَّد بنيان العقيدة على أراضيهم البيضاء الملساء التي لا تضاريس فيها، تماماً كأرض المحشر؟

كيف يتمكن التقديس اللازم في حقِّ الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه من مداركهم الغضَّة الطريَّة التي لم تستقم على عود، ولم يُنَطْ بها تكليف؟

يخرج الأطفال من بطون أمهاتهم تشكيلة أعضاءٍ صغيرةٍ وردية اللون، لا تضبط لها حركةً ولا سكوناً، ولا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، تمضي الشهور وتستيقظ الذاكرة، ويبصر الوعي بعد عمى، تخيَّلت يوماً أن لي ابناً أو ابنة، وأنه قد حان الوقت لأعلِّمهم أساس التوحيد.

تساءلت مستغرباً، وبي خوفٌ لا أدري ما كنهه، كيف سأنطق أمامهم لأول مرةٍ لفظ الجلالة (الله)، وشهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، وأشرح لهم بأن الله موجود، وأنه واحدٌ لا شريك له، فردٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد، لا أوَّل له ولا آخر، ولا جسم ولا كيف، منزَّهٌ عن الحوادث، وأنه كان ولا مكان، وأنه الخالق والرازق، وأنه القادر على كل شيء، وأنه لا معبود بحقٍّ سواه، وأنَّ هناك جنَّةً وناراً، وأنبياءَ ورسلاً، وملائكةً وكتباً، وقضاءً وقدراً.

كيف أبسِّط كلَّ هذا وأكثر، لوعيٍ أدرك للتو؟

تأملت ذلك ساعة، فكرت في أنه لا عجب ولا غرابة ولا صعوبة في تعليم الأطفال الوضوء والصلاة، لكنَّ العجب كل العجب في تعليمهم عقيدة التوحيد، وزرعها في نفوسهم، والأعجب إدراكهم لها، وقبولهم لمقتضياتها بشكلٍ فطريٍّ غير متكلِّف.

حاولت أن أتذكر البذور الأولى لإسلامي الذي وُلدت وتربَّيت عليه، لعلي أجد من نفسي مثالاً حياً، يعينني على الإجابة عن تساؤلاتٍ نشأت فجأةً حين كبرت، وكانت في طفولتي بديهياتٍ مسلَّمة.

أحاول التذكر، لا أتذكر الكثير…

أتذكر (كلاماً ما) كان يقوله لي والدي عن الله جل جلاله، وأتذكر أن ذلك الكلام كان مطابقاً لما يقوله المربِّي في روضة الأطفال، رحمه الله.

أتذكر أيضاً أنني كنت أُكثر الأسئلة، وأنَّ والدي كان يفرح ببعضها ويبتسم، ويجيب عنها بلطفٍ وبِشر، لكنَّه كان يُعرض عن بعضها الآخر، ويرفع حاجبيه وسبَّابته قائلاً بها (لا) تحذيراً وتخويفاً، حركةٌ رمزيةٌ تدلُّ على القداسة والتنزيه المطلق، الواضح أنه كان يستعملها عندما أطرح أسئلةً لا تليق بحق الله عز وجل.

وأنا كنت في غمرة طفولتي أستوعب، وأصدِّق.

نسيت ما كان يقوله والدي، وما عدت أذكر كلام المعلم في الروضة، ونسيت أسئلتي، وإجابات والدي عنها، كل ما أذكره أن ذهني الصغير كان يستوعب، وفطرتي البيضاء كانت تقبل وتقرّ.

لم يكن ما قيل لي معلومات جديدة أتعلمها، بل أحسست بها وكأنها معلوماتٌ قديمةٌ تمَّ تذكيري بها، وأني كنت أعرفها وأعيها في وجودٍ آخر سابق، وجودٍ آخر قديمٍ جداً، يسبق ولادتي بمراحل زمنيةٍ طويلة.

إن التوحيد بديهةٌ من بديهيات الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

إنها فطرة التوحيد التي أُشهدنا عليها، قديماً في عالم الذَّر.
 
 

* * *
 
 

كبرتُ قليلاً، وكبرَتْ معي تساؤلاتي.

ما كنتُ أميز حينها أيٌّ من تلك التساؤلات هي من نشاط العقل ورياضة الفكر، وأيُّها وساوس من الشيطان، ما علمتُ حينها أني عندما أكبر، سوف أقرأ في الكتب أن بعض تلك الأسئلة الشاردة التي خطرت لي وأنا طفل، إنما هي عقائدُ جرفت معها أفراداً وجماعات، ومذاهبُ فكريةٌ صُنِّفت فيها الكتب، وأُيِّدت وعُورضت، ورُدَّ عليها، وأن لها أسماءً علميةً تُدرَّس في الجامعات وتُقدَّم عنها الأبحاث وتُناقش حولها الأطروحات.

كنا لا نزال في المرحلةِ الإعدادية، عندما همَّ صديقٌ لي بارتكاب (معصية) اشتهتها نفسه، فأردت ببراءة طفلٍ أن أعظه وأنصحه، سألته:

– “وماذا ستقول يوم القيامة لله عندما يحاسبك؟”

رفع كتفيه دلالةَ براءة، وأجاب واثقاً:

– “سأقول له أنت خلقتني هكذا، وقدَّرت عليَّ ارتكاب المعصية!”

أخرسني جوابه، وجمت، وأطرقت رأسي، وداخلتني الهواجس، وتملَّكتني الوساوس القهرية، ولم أعلم بماذا أو كيف أجيبه، وخُيِّل إلي أني مهما جادلته فإن لديه جواباً حاضراً دوماً، جاهزاً للاستعمال، وقابلاً لتبرير كل شيء:

– “أنت خلقتني هكذا، وقدَّرت عليَّ ارتكاب المعصية.”

علمتُ بعد سنواتٍ طويلةٍ أن هذا النوع من التبرير يسمى علمياً (الاحتجاج بالقدَر)، وأنه من أشهر قضايا العقيدة التي تكلم فيها العلماء قديماً وحديثاً، وبيَّنوا خطأها وضلالها، وأنها من سمات الضعفاء.

إذاً لم يكن وحده ذلك الطفل من احتجَّ بالقدر، ولافتٌ للانتباه أيضاً أنه عندما قال كلامه هذا لم يكن قد قرأ كتاباً، أو انتمى لطائفة، بل قال ذلك فقط لأنه خَطَرَ له، وقاده إليه تفكيره (العقلي)، كما قاد إليه نفس التفكير (العقلي) كثيراً من المحتجِّين بالقدر على ارتكاب المعاصي، والحقُّ أن التفكير العقلي بريءٌ تماماً من مثل هذا الانحراف.

بل هو الشيطان.

مصدر الغواية الخفي، الذي يُلبِس على الناس عقائدهم بصورٍ مكرَّرةٍ شتَّى، تخطُر في أذهان الأطفال أولاً، وتدجِّجُ نفسها بالبراهين والمنطلقات والأدلة العقلية السليمة كما تُوهِمُ عن نفسها، ثم قد تكبر وتكبر إلى أن تصير كفراً كاملاً، أو قولاً بكفر، أو إصراراً على المعاصي وتبريراً لها، أو أن يتداركهم الله برحمته فتغلُبَ الفطرة، وتُطرح الوساوس، ويُرجع إلى الجادَّة.

كبرتُ قليلاً، وكبرَتْ معي تساؤلاتي.

كنا نسمع في المدرسة الإعدادية عن مادةٍ غريبةٍ عجيبةٍ يدرِّسونها في المرحلة الثانوية، مادةٌ اسمها (الفلسفة)! ما كنا نسمعه عنها أنها مادةٌ صعبةٌ جداً، وأن أساتذتها عادةً ما يطرحون أسئلةً قصيرة الجمل قليلة الكلمات، لكن إجاباتها تتطلَّب صفحاتٍ من (التَّفلسف)، ثم في النهاية قد لا يعجب الأستاذَ ما كتبتَ، ليَشْطِبَ عليه بقلمه الأحمر ويعطيك صفراً بسيطاً!

سمعنا أيضاً عن أشخاص درسوا الفلسفة وتعمَّقوا في دراستها سنواتٍ وسنوات، ثم عادوا بعد ذلك يقولون:

– “الله غير موجود.”

استفسرتُ عن نوعية الأسئلة الفلسفية المطروحة، وطلبت مثالاً فقيل لي:

– “مثلاً: هل الإنسان مسيَّرٌ أم مخيَّر؟”

وقيل لي بأن هذا سؤالٌ قد حيَّر الفلاسفة وتسبب في رسوب التلاميذ، وأنه قد أُجريت فيه أقلامٌ لا تحصى، وأريق فيه مدادٌ كثير، غير أني أجبت عنه تلقائياً، وبسرعةٍ دون تردُّد:

– “وهل هذا سؤالٌ صعب؟ الإنسان مسيَّرٌ مطلقاً، ظننت أن هذا بدهيّ!”

بدا لي السؤال بسيطاً وساذجاً، ولا يستحق كل ذلك التّجاذب الفلسفي العقيم، كعادة التجاذبات الفلسفية التي لم تحلَّ لغزاً ولم تشف غليلاً، في حين أن ومضةً واحدةً من نور العقيدة السليمة في قلب عجوزٍ أمِّيةٍ غير قارئةٍ ولا كاتبة، قد تجعلها قادرةً على حلِّ أكبر الإشكاليات الفلسفية التي حيَّرت العالم على مرِّ العصور.

الإنسان مسيَّرٌ مطلقاً، أشار لي جوابي هذا إلى مصطلحٍ جبَّارٍ مهيمن، إنه القدر!

القدر، ذلك اللغز الكبير الذي طالما حيَّرني، وشغل تفكيري منذ الطفولة، إرادةُ الله منذ الأزل، لما كان وما هو كائنٌ وما سوف يكون.

أخبرني والدي مرَّةً أن أفعال الله كلها حكيمة، وأننا بعقولنا القاصرة قد ندرك تلك الحكمة وقد لا ندركها، لكن علينا أن نؤمن بها ونعتقد بأنها موجودةٌ دائماً.

سألته يوماً ونحن على مائدة الغداء، بعد أن تذكرت فجأةً درسه هذا:

– “لقد قلتَ يا أبي بأن قدر الله كله حكمة، فهل إرادةُ الله لبقايا الطعام أن تكون على هذه الهيئة، تنطوي على حكمةٍ أيضاً؟”

وأشرتُ له إلى هيئة بقايا فتات الخبز، وقشور الموز، وترتيب الصحون، وموضع كأس الماء على الطاولة، والمسافة التي تفصله عن حافتها، وعن السكاكين والملاعق.

سألتُه:

– “أليست أفعال الله منزَّهةً عن العشوائية مطلقاً؟ هل أستنتج من هذا أن هيئة هذه الطاولة وما عليها، وكلَّ المسافات الفاصلة بين الأشياء، تنطوي على حكمةٍ إلهيةٍ ما، لكن يستحيل علينا أن نعرفها أو نُدْركها لأنَّ عقولنا محدودةٌ وغير قادرةٍ على استيعاب وفهم كل شيء؟!”

استغرب والدي من ترفي الفكري المبكر، واحتار قليلاً في الإجابة، ثم أجاب متأملاً:

– “سبحان الله، وما يدرينا نحن؟ لا إله إلا الله، والله أعلم!”

ووقفت عند جوابه ولم أزد.

وازددتُ إحساساً بعظمة الله…

كنت بعد كل خلوة تفكيرٍ في القدر، أزداد يقيناً بفكرة أن الإنسان مسيَّرٌ مطلقاً، وأنه في نفس الوقت مسؤولٌ عن أعماله، مجازىً على حَسنها ومُعاقَبٌ على قبيحها.

كان عليَّ أن أعتقد بهذا وذاك معاً، في الوقت عينِه الذي أنفي فيه صفة الظلم عن الله قطعاً، معادلةٌ صعبةٌ محفوفةٌ بالمخاطر مفروشةٌ بالمزالق، خاصةً عندما يواجهها طفلٌ صغيرٌ لم يبلغ لا هو ولا عقله، الحلُم.

ثم قُدِّر لي أن أقرأ كبيراً عن الموضوع الذي حيَّرني صغيراً، فوجدتُني معتقداً بقول الجبرية، هكذا عفواً دون نِيَّة مُسبقة، ودون أن أكون عالماً أصلاً بأن هناك طائفةً تكلمت في القدر، واسمها الجبرية، وأنها تؤمن بنفس ما أوصلتني إليه رحلات التفكُّر التي خضتها في طفولتي، من أن الإنسان مسيَّرٌ مطلقاً.

غير أني مع ذلك لم أحتجَّ بالقدر يوماً، ولم أعتقد بالاحتجاج به على التكلم بكفر، أو فعل معصية، ووقفت طويلاً أمام تلك المعادلة الصعبة التي في حلِّها مفتاح الاطمئنان الكامل، وبَرْدُ اليقين.

أن أعتقدَ بأن الإنسان مسيَّر، لا مشيئة ولا اختيار له إلا ما شاء واختار الله له، وأنه مجبورٌ حتى في اختياره، فكل شيءٍ مقدَّرٌ من قبل مطلقاً.

وأن أعتقد، في الوقت عينه، بأنه مع ذلك كاسبٌ لأعماله الحسنة، ومكتسبٌ لأعماله السيئة، مستحقٌّ لعقابها.

وأن أعتقد أيضاً ببطلان الاحتجاج بالقدر، مطلقاً.

وفي نفس الوقت، أن أنفي صفة الظلم عن الله، مطلقاً.

معادلةٌ من أربعة أطراف، تهربت القدرية منها بقولهم أن العبد يخلق فعل نفسه، فنقضت المعادلة من أساسها! وهذه قاعدةٌ فاسدةٌ عقلاً وشرعاً، أما عقيدةُ الحق التي نعتقدُها ونؤمن بها، فتقول بأن الله قد خيَّر الإنسان وأعطاه إرادةً ومشيئة، لكن مشيئة الإنسان هي داخلةٌ ضمن المشيئة الإلهية، ولذلك يقال بأن عقيدة السنَّة هي عقيدةٌ وسطٌ بين القدرية الذين بالغوا في نفي القدر، والجبرية الذين بالغوا في إثباته.

جاهدتُ نفسي على الاقتناع بهذه الوسطية التي تُثبتُ القدَر، وتحثُّ الإنسان على العملِ الصالح في نفس الوقت، وتحمِّله مسؤولية أفعاله الاختيارية فيما يبدو لنا، لكنَّ سؤالاً ما تسرَّب إلى ذهني، وظلَّ يتراقص في عاقلتي كخيال شمعةٍ يتراقص على جدار، يطالبني بإثباتٍ عقليٍّ قاطع، كي يطمئن قلبي:

هل للإنسان أفعالٌ اختياريةٌ حقاً؟

تساءلت: هل القدرُ الإلهي هو ممَّا تجوز في إثباته (المبالغة)؟ هل في الكون أزله وأبده، مثقالُ ذرَّةٍ في السماوات والأرض والبحار خارجةٌ عن حكمة القدر؟ هل في أفعال الإنسان منذ آدم وإلى الأبد بلا انقطاع، حركةٌ أو سكنة، أو رمشة عينٍ أو التفاتة وجهٍ اختارها بنفسه ولم تكن قد قُدِّرت عليه منذ الأزل، ولم تسبق في علم الله؟ أليس اختيار الإنسان أن يؤمن أو يكفر، أن يطيع أو يعصي، هو مما كان مقدَّراً عليه قبل أن يختاره؟

نعم، ليس للإنسان اختيارٌ على الحقيقة، فاختياراتُه مقدَّرة، وأفعاله مخلوقة، وما نراه ونؤمن به من اختيار الإنسان في عالم الشهادة هذا، إنما هو شهادةٌ خفيَّةٌ لحكمة الله العظيمة، وإرادته الكونية القاهرة، التي لن ندركها ولن نفهم كُنهَهَا إلا في اليوم الآخر.

أحالتني أسئلةٌ كهذه إلى عقيدة الجبر، وأحالني اعتقادي ببطلان الاحتجاج بالقدر إلى تلك المعادلة ذات الأطراف الأربعة، استغرقتُ سنواتٍ قبل أن أفهم حلَّ المعادلة، وكان فهمها برداً وسلاماً على عقلي، وطمأنينةً لقلبي بعد طول حيرة.

انتهيتُ أخيراً إلى الاعتقاد بأن حكمة الله في أقداره هي مما لا نستطيع نحن أن ندركه بشكلٍ كامل، وأن مما تتحقق به عبوديتنا لله تفويضنا المطلق لما لم ندرك من أسرار الحكمة، وأن الله قد خلق أرواحاً لكي تُعذَّب، فقدَّر لها أن تختار الكفر، وأن تصرَّ عليه، وأن تموت على كفرها، وأن تُخلَّد في النار.

وخلق أرواحاً أخرى لكي تُعذَّب فترةً ثم تُخرجُ من النار وتدخل الجنَّة، فقدَّر لها أن تختار الإسلام، وأن تصرَّ على الكبائر، وأن تموت عليها دون توبة، وأن تعاقب بها فترةً من الزمن.

وخلق أرواحاً أخرى طاهرةً زكية، فقدَّر لها أن تختار الإسلام، وأن تعمل الصالحات وتبتعد عن المعاصي، وأن تَحسُن خاتمتها، وأن تدخل الجنَّة دون سابق عذاب.

ولا يظلم ربُّك أحداً.

هكذا تتفاوت الأرواحُ في الفضل بين مخلَّدةٍ في الدَّرك الأسفل من النار وبين خالدةٍ في الفردوس الأعلى بجوار النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما خُلِّدت روحٌ في النار إلا لأنها خُلقت لذلك أصلاً، ولم يختر عبدٌ الكفر أو الايمان إلا تحقيقاً للقدر الذي أراده الله له، منذ الأزل.

ولم يحتجَّ بالقدر إلا من قُدِّر له أن يسوءَ اعتقاده.

ما أصابك ما كان ليخطئك، وما أخطأك ما كان ليصيبك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصُّحف…
 
 

* * *
 
 

جبرٌ دون احتجاج، هكذا قتلتُ كلَّ الأسئلة.

وعرفتُ أخيراً سرَّ البَركة الغامض، ذلك المفهوم الذي يلغي معقولاتنا المسلَّمة، ويضرب حساباتنا الشخصية عرض الحائط، كنت أتساءل (وما أكثر تساؤلاتي) عن معنى (البركة)، وكيف يمكن أن تتحقَّق في حياة المؤمن لا سيما في عالمٍ طغت عليه عبودية الأرقام، والحسابات الدقيقة لكل جانبٍ من جوانب الحياة.

ما سرُّ ما يقال، من أن المسلم الذي يحرص على اكتساب المال الحلال الطيب يبارَك في ماله وإن كان قليلاً، وأن صاحب المال الحرام من مُرابٍ أو مختلسٍ أو مُدلِّسٍ أو مانعٍ للزكاة أو مُرتشٍ، تُمحق برَكةُ مالهِ وإن كان كثيراً؟!

وما سرُّ ما يقال، من أن قرارات الزواج وغيرها، إذا تمت على شروطٍ شرعيةٍ صحيحةٍ يتوِّجُها رضا الوالدين، فإنه يكون زواجاً ناجحاً مباركاً فيه، وأن عادة الزيجات التي تُبنى على باطلٍ وتتمُّ في معصية، يكون مصيرها الانتهاءُ سريعاً، أو العيش في ضنكٍ مستمر، لأن البركة نُزعت منها؟!

وما سرُّ ما يقال، من أن رضا الوالدين على الأبناء بركةٌ لهم، وأن سَخَطَهُم عياذاً بالله لعنةٌ عليهم؟!

علمتُ جواب هذا، أن البركة قدر!

قدرٌ يجري على العبد ملائماً لخيره أو مريداً لشرِّه، جزاءً وِفاقاً على حُسْن اتِّباعه، أو سوء فعله.

فبركة المال الحلال أن تجري على صاحبه ومتحرِّيه أقدارٌ ملائمة، تمهِّد له طريق العيش الهنيء، مستفيداً من ماله بحكمةٍ موهوبة، وعلى أحسن وجه.

ومَحْقُ البركة من المال الحرام، أن تجري على صاحبه ومتحرِّيه أقدارٌ تعاكسه وتشاكسه، وأن تتَّفق الصُّدف على أن توقعه في مشاكل ومصائب تُعْرَضُ له فجأة، أو يسبِّبها لنفسه بنفسه بعد أن تُنزع الحكمة من عقلِه، ويفقد القدرة على التفكير السليم واتخاذ القرار الصائب.

أيضاً، فبركة الرِّضا من الوالدين أن تجري على صاحبها أقدارٌ تُصلحُ له شأن حياته، ولعنة السَّخط منهما عياذاً بالله، أن تُعمَى بصيرته، ويتواطأ عليه العالمُ بأسره، فيسوء حاله، ويضيق صدره، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، ويعيش في تيهٍ وتخبُّطٍ إلى أن يتداركه الله برحمته فيرجع ويتوب، أو تسوء خاتمته.

كلُّ ما في الحياة قدر، كلُّ فعلٍ هو قدر، كلُّ حدثٍ هو قدر، وكلُّ قرارٍ هو قدر.

ولا احتجاج ولا تواكل.
 
 

* * *
 
 

قالت لي مرَّةً وهي تحادثني، ذات طريق:

– “عندما كنت طفلةً كانت تغلِبُ عليَّ أفكارٌ غريبةٌ لا أستطيع لها دفعاً، حول القدر وغيره، وكانت تُعرَض لي تساؤلاتٌ عجيبة، فكَّرت مرةً هل بإمكاني أن أغافل القدر وأسبقه بحركةٍ ما، فكنت أرفع يدي بسرعةٍ خاطفة، ثم أعيدُها بنفس السرعة وأتساءل: هل سبقتُ القدر بحركتي المفاجئة السريعة هذه؟ أم أن الحركة نفسها كانت مقدَّرةً علي؟!”

وأنا مصغٍ باهتمام، عادت بي الذاكرة إلى سنواتٍ عديدةٍ خلت، عندما كنت أجيل بصري في السماء، وأقلِّب كفيّ، ثم أرفع إحداها مسرعاً، وأتساءل…

لم أكن وحدي إذاً!
 
 

* * *
 
 

(6)

مَـوْت
 
((ما أعجب ما يحدث للإنسان حين يرى موته بعينيه، تدور عيناه في مَحْجِريه، وينقبض وجهه، ويسودُّ لونه وتجفُّ شفتاه، كل ذلك في لحظةٍ واحدةٍ فقط.

أتمنى أحياناً، أن أدخل نفسه لأعرف ما يدور فيها في تلك اللحظة، كيف يرى النَّاس والأشياء؟ كيف يسمعُ الأصوات؟ لحظةً واحدةً كلمح البصر والآن بيننا مازال في الدّنيا ثم…

ينقطع حسُّه!

أحسب أنَّ أحدنا لا يمكن أن يدرك هذه الأمور حقَّ الإدراك إلا، أن يختبر الحال بنفسه، وهذا…
ما سوف نتجنَّبُه على الرغم من إغرائه الشَّديد)).

– مسلسل صقر قريش، على لسان أبي مسلم الخرساني –
 
 

* * *
 
 

لم يزل الحزن ضارباً خيامه على مجلسنا الصغير، ونحن جلوسٌ واجمون، ملتحفون بجلابيبنا وعلى ملامحنا مسحةٌ من وقار، أجلْتُ بصري بين الحاضرين، بينهم وجوهٌ لا أعرفها، إنهم أفراد من عائلتي عادوا من ديار المهجر على عجل، الجميع ينصت باهتمامٍ إلى زوج عمتي، المتحدِّث بهدوءٍ لم تكسره سوى صرخاتُ طفلةٍ تحبو على الأرض، وتتسلَّق رُكَبَ الجالسين وتتشبَّث بمرافقهم وأذرعهم وتعبث بأثوابهم، لم تكن مدركةً لشيءٍ مما يدور من حولها، لم تكن تعي أنها في مجلس عزاء.

– “لم تمت رحمها الله إلا وقد استوفت رزقها وأجلها، كانت امرأةً صالحةً مكافحة، تخرَّجت من مدرسة الحياة وشحذها الكدُّ والكدح، وعرَكَتْ وجهَها لقمةُ العيش، وقطعةُ الخبز التي أطعمتها أولادَها.”

– “نذكر أيام كنا صغاراً، كانت تُعدُّ لنا ما تيسَّر من الطعام، وكانت تتفرَّج علينا ونحن نأكل، دون أن تمتدَّ لها يدٌ تشاركنا، وكنا إذا عزمناها على الطعام وأنكرنا عليها عدم مشاركتنا الأكل تقول رحمها الله: إذا أكلتم أنتم شبعت أنا.”

ويواصل زوج عمتي الحديث، والجميع ينظرون إليه بأعينٍ حزينةٍ وشفاهٍ عليها خيالُ ابتسامة، أتأمل الأشباح المتمايلة التي شكَّلها الدخان المتصاعد من أكواب الشاي الموضوعة أمامنا على الطاولة الصغيرة، خلا البيت من جدتي بعد مرضٍ دام أعواماً، وأصبحتْ بعد أيامٍ من دفنها حكايةً تُروى على الألسنة، بعد أن كانت محور الجلسة وأساسها وصاحبة الرأي والقرار فيها.

كل الأشياء من حولي تبدو حزينةً كسيفة البال منكسرة، مكان جلوسها المهيب أصبح فارغاً الآن، تحبو الطفلةُ عليه بإهمالٍ وهي تُلقي صرخاتها وحروفها العشوائية، ويحاول أحد الحاضرين تهدئتها مطبطباً على جسدها الصغير ومبتسماً في وجهها، وهي تنظر إليه بذهولٍ دون أن تعي شيئاً مما يدور من حولها، يواصل زوج عمتي كلامه:

– “ومن أعجب ما شهدتُ من قصص الموت قصَّة فلانة، سنواتٌ مرَّت عليها وهي طريحةُ الفراش تكابد المرض، وشاء الله أن تتحسن حالتها شيئاً فشيئاً إلى أن تماثلت للشفاء، وفرح أولادها وأفراد أسرتها بشفائها بعد أن كادوا ييأسون من حالتها.

وفي مساءٍ كانت جالسةً لوحدها وعليها لباسُ العافية، فجأةً نادت أولادها وأفراد أسرتها الحاضرين في بيتها، عانقتهم معانقة المفارق واستودعتهم الله الذي لا تضيع ودائعه، وجالستهم ساعةً توصيهم وتعظهم وهم ينظرون إليها مندهشين دون أن يفهموا سبباً لما يحدث من حولهم، ثم أعلمتهم في ختام الجلسة بأنها راحلةٌ عنهم اليوم إلى عالمٍ آخر غير العالم الذي نعيش فيه! ولم تمضِ سوى دقائق حتى أسلمت الروح إلى بارئها سبحانه جلَّ شأنه.”

ردَّد الجميع بصوتٍ واحد وهزَّة رأسٍ تدل على الاعتبار:

– “سبحان الله، لا إله إلا الله، اللهم توفَّنا مسلمين…”

وأكمل رحمه الله:

– “إنما الأعمار بيد الله، كم صحيحاً معافىً مات فجأة، وكم مريضاً امتدَّ به مرضه سنواتٍ طوالاً دون أن تفارق روحُه جسدَه، وربما عاد صحيحاً فصيحاً كأن لم يمسسه من قبل مرضٌ أو تنزل به علَّة، للموت حالٌ غريبةٌ وشأنٌ عجيب، ولا ندري متى يوافينا الأجل لنلحق بمن سبقونا، وهي ساعةٌ ستأتينا جميعاً ولو بعد حين.”

أومأ الجميع برؤوسهم، والتفتنا نحو الطفلة، كانت قد غطَّت في نومٍ عميقٍ دون أن ننتبه لها، حملها أحد الحاضرين وأسندها على الأريكة ليريح جسدها الصغير، دون أن تحرك ساكناً، أشار زوج عمتي نحوها بسبابته وقال متَّعظاً:

– “هكذا الموت…”

سنواتٌ قليلةٌ مضت بعد ذلك ليشتدَّ المرض على زوج عمتي أيضاً، ويلحق بمن سبقوه إلى رحمة الله، نتحدث عن الموت كثيراً ونحن أحياء، ثم عندما يرحل أحدنا يصبح صامتاً جداً، كتوماً جداً، جثماناً مسجى لا يقدر على كلامٍ ولا يقوى على حركة، تمنيت يوماً أن يأتيني ميِّتٌ في المنام ليحكي لي عن أحواله بعد الموت، عن لحظة النَّزع، عما رآه وسمعه، وعما يراه ويسمعه في برزخه الخاص وقيامته التي قامت.

ما أشدَّ سطوة الموت، وما أضعفنا أمام تلك السطوة.

نشيخ، يتملَّكنا العجز فجأة، تُنزع منا القدرة، تتدمَّر أنظمة الجسد النِّظام تِلوَ النِّظام، وتتغيَّر وظائف الحواس، نرى ما لا يراه غيرنا، ونسمع ما لا يسمعه الجالسون بالقرب منا، تخرج الروح من الجسد، ويتبعها البصرُ إلى أعلى.

ويبقى الجماد، وتبقى البرودة، ويبقى التراب.

تُرى، كيف سيكون شعورنا، ما الذي سنراه وما الذي سنسمعه، في لحظة الاستيقاظ الأولى تلك، بعد الموت؟!

تلك كانت أول جنازةٍ أعيش تفاصيلها لأقرب فردٍ من عائلتي، رنَّ جرس الهاتف فجأة، كان الزائر هو عمي، ترك والدي مائدة العشاء الأخيرة قبل رمضان وخرج إليه، انصرفا، وتأخر والدي كثيراً.

يئسنا من عودته، ولم نكن نملكُ هواتف محمولةً في ذلك الوقت، فتحتُ عينيَّ ببطءٍ صباح اليوم التالي على صوته الجادِّ وهو يوقظني، انتبهت إلى أننا لم نستيقظ للسُّحور في أول أيام رمضان ذلك العام، عام 1999، غشاوة النوم منعتني من رؤيته، وصلني صوته الجافُّ وهو يأمرني أن ألتحق بمنزل جدتي مباشرةً بعد خروجي من المدرسة، ثم خرج من المنزل إثر ذلك.

كان آخر ما خطر ببالي وأنا متَّجهٌ صوب منزل جدتي، أني سأُفاجَئ، بل سأُصعق، برؤية الكراسيِّ مصفوفةً أمام باب المنزل، يجلس عليها بعض أفراد أسرتي الذين لم أرهم منذ مدة، حاسرين رؤوسهم ويرتدون جلابيب كئيبة.

تصبَّبت عرقاً في أقل من ثانيتين، استقبلني أحد أولاد عمتي المقيمين بفرنسا مبتسماً يعانقني، وأنا غير مستوعبٍ لما يدور من حولي، وضع كفَّه على كتفي وسحبني إلى كرسيٍّ فارغ، جلست عليه بعد أن صافحتُ بذهولٍ ابن عمي، الذي لم أره منذ عيد الأضحى السابق.

ربَّاه!! ماتت جدتي!!

ليس هذا وهماً، أنا لا أحلم، إنها جنازة! ماتت جدتي، ماتت…

قشعريرةٌ عنيفةٌ هزَّت أرجائي، تسارعَتْ دقَّات قلبي، ذُهلت، صُعقت، وجَزِعت، ولم أذرف دمعةً واحدة.

أقبل أخوالي نحوي يعانقونني ويعزُّونني:

– “عظَّم الله أجرك، عزاؤنا واحد، رحمها الله وغفر لها.”

بقيتُ صامتاً ذاهلاً، أحسستُ بضربات قلبي العنيفة تهزُّ قفصي الصدري، كان شعوراً لا يمكن وصفه.

أختي، طُلب منها أيضاً أن تتوجَّه إلى منزل جدتي بعد المدرسة، لمحتُها من بعيدٍ قادمةً في جذلٍ طِفليٍّ سعيد، لم تكن تعرف لصغر سنِّها آنذاك، أن اصطفاف الكراسيِّ خارجاً أمام باب المنزل يعني أن ثمَّة جنازةً ما، اقتربَتْ من المنزل ولوحَّت لي ضاحكة، اعترض طريقها أحد أخوالي وانحنى هامساً في أذنها، سمعته يقول:

– “عظَّم الله أجرك، جدتك رحلت.”

كلماتٌ كان لها وقع الصاعقة، وفي أقلَّ من ثانيةٍ واحدةٍ تحولت الضحكة إلى بكاءٍ شديد، سحبها خالي مسرعاً إلى داخل المنزل، وقادها إلى مجلس النساء.

بضع ساعاتٍ مرَّت، احتشد فيها عشراتُ الرجال من أقاربي الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، ومنهم من وصل لتوِّه من السفر، وأصدقاء والدي الذين أراهم باستمرارٍ والذين لم أرهم منذ سنوات، اقترب موعد أذان الظُّهر، ازدحم البعض أمام باب المنزل، وإذا بالصندوق خارجاً، محمولاً على الأكتاف.

نهضنا جميعاً، وانطلقنا نمشي حول الصندوق مردِّدين على عادة المغاربة، في أداءٍ جماعيٍّ حزينِ النَّبرة، منخفض الصَّوت:

– “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم.”

– “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم.”

– “الصَّلاةُ على الجنازِ رحمكم الله، جنازة امرأة.”

– “اللهم اغفر لنا ولها.”

كيف يُعقل، أن في ذلك الصندوق المحمول نحو إمام المسجد، ترقد جدتي؟!
وكانت تلك أول مرةٍ رأيتُ فيها رجالاً يبكون.
 
 

* * *
 
 

ما من وفاةٍ إلا وتُحكى حولها قصصٌ غريبة، قصصٌ تخترق بأحداثها وإشاراتها ورموزها حدود الطبيعة، ترسلها الأقدار الإلهية تنبيهاً وتخويفاً، وعظةً وعبرة.

إشاراتٌ تنطوي على دلالات، يفهمها من يفهمها، ويغفل عنها من يغفل عنها، وكفى بالموت واعظاً لمن أراد أن يتَّعظ.

انتبه والدي فجأةً ذات شروق، وكان قد عاد للنوم بعد صلاة الصبح لأول يومٍ من أيام شهر رمضان المبارك، انتبه جزعاً يُبَسمل ويتعوَّذ، وانتبه لوالدتي، المستيقظة تسأله ما به:

– “رأيتُ شيئاً في المنام، لا حول ولا قوة إلا بالله.”

– “خيراً وسلاماً، ماذا رأيت؟”

– “أن والدتي توفِّيت.”

ذُهلَت والدتي، واعتراها رعبٌ وجزع:

– “يا إلهي، أنا أيضاً.”

– “أيضاً ماذا؟”

– “رأيتُ نفس ما رأيتَ! رأيتُ للتوِّ أنها ماتت!”

– “الله أكبر!! الله أكبر!! لنذهب الآن، الآن دون إبطاء.”

لم نكن قد انتبهنا، أنا وأختاي لخروجهما السريع من البيت إذ كنا نياماً، اتجها صوب بيت الجدة بخطواتٍ حثيثةٍ متسارعةٍ يحفُّها الرعب ويلفُّها الجزع، حلمٌ مشتركٌ بين زوجين في لحظةٍ واحدة!

لا يمكن أن يكون محض أضغاث، ثمة بالتأكيد أمرٌ ما.

وصلا، دخلا، صعِدا السلالم مهرولَيْن…

ثم…

ابتسما!

كانتْ قائمةً تصلِّي، تناجي ربَّها، راكعةً ساجدة، إنها ماتزال حيةً تُرزق، وبكامل الصحة التي يسمح لها بها عمرها المتقدم.

وتنفَّسا الصُّعداء أخيراً، وحمدا الله أن الحلم لم يكن حقيقة.

نُسي أمر الرؤيا عاماً كاملاً، حتى كانت وفاةُ جدتي رحمها الله في الفاتح من رمضان من العام القادم، بعد عامٍ واحدٍ على التَّمام والكمال.
 
 

* * *
 
 

قرب بوَّابة (مقبرة المجاهدين)، كنا نقف صفاً نستقبل التعازي، جثمان الراحلة قد وُوري التراب، وسمعتْ رحمها الله وقع نعالنا ونحن ننصرف عنها إلى دنيانا، ستبقى ذكراها حيةً في داخلي أبد الدهر.

انتقلنا بعد سنواتٍ للسكن في منزلها بعد أن رحل عنهُ عمي، يسحبني الحنين إلى أثاثها القديم الذي تغير، والرائحة المميزة لغُرفِ المنزل التي لم تعد موجودةً الآن.

كثيراً ما كنتُ في طفولتي أبيتُ بضع ليالٍ عندها، وكان يطيب لها أن تتجه نحو مصلاها خلف التلفاز قبل أذان الظهر بساعةٍ أو أكثر، وتستغرقُ في صلاة طويلةٍ طويلة، وأنا أنتظر انتهاءها بفارغ الصبر كي أتمكن من مشاهدة الرسوم المتحركة التي اقترب موعد عرضها على التلفاز، تنهي تشهُّدها وتسلِّم، أفرح! تقف متحاملةً من جديد، تعيد ترتيب حجابها، تتَّجه نحو القِبلة، ثم…

تكبيرة إحرامٍ جديدة، ضاعت حلقة اليوم!
 
 

* * *
 
 

يوماً ما، سيصبح ذلك الحلم حقيقة، لحظة الموت التي كثيراً ما مررت بها في منامي، أستطيع القول بأني قد جربت شعور الموت سابقاً، بشكلٍ جزئيٍّ أثناء النوم!

((أدخل المنزل،

لا أحد هنا، إنني وحدي…

المكان مظلم،

أصعد الدرج… لا أحد في المنزل…

إنني وحدي…

قشعريرةٌ ما…

اهتزازاتٌ ليس لها تفسير…

طائرٌ مجهولٌ يقف فوق خزانة الكتب…

يفرد جناحيه…

يرفرف نحوي…

إنه هو…

دون شكٍّ إنه هو…

أشعر بالرعب، لا، لا، لا أريد الرحيل الآن…

ينقضُّ الطائر عليّ…

يغرس منقاره في ظهري، أحس بطعنةٍ ما…

قشعريرة… قشعريرة…

غير معقول، لا يمكن أن أموت الآن… لا يمكن، مستحيل…

أقع على الأريكة دون حراك، أفقد حواسي واحدةً تلو الواحدة…

قشعريرة… قشعريرة… جاثوم…

جاثوم…

أحاول تحريك يدي… لا أستطيع…

أحاول النهوض من جديد… لا أستطيع…

سوف أموت… ربَّاه… إنني أموت…

إنني أموت…

ليس الآن، يا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله…

لم أعمل ما يكفي، لم أستغلَّ وقتي كما ينبغي، عصيت كثيراً…

أطلت الأمل… سوَّفت التوبة… أريد أن أعود…

لا أريد أن أموت…

كم كنت غبياً… كم كنت أحمق…

سوف أكون صالحاً… سوف لن أرتكب الحماقات…

سأجتهد في العبادة…

سأصحِّح أخطائي…

ربَّاه…

لا أريد أن أموت…

قشعريرة… قشعريرة…

لا إله إلا الله، محمَّدٌ رسول الله…

يدور كل شيء، يدور… يدور… يدور… ويدور…))

أستيقظ! لاهثاً ألهج بالشهادتين…

إنني لا أزال حياً! كنت أحلم فقط!

يا للهول!
 
 

* * *
 
 

يا حسرةً على وقتٍ ضاع، ووقتٍ ضائع، ووقتٍ سيضيع.

يوماً ما سأكون كما كانوا، جثماناً مسجى، محمولاً داخل صندوق.

لحظة الموت هي الأكثر حتميةً في حياتنا، وهي الأكثر خطورة، والسعي في الاستعداد لها هو الأكثر أولوية، ومع ذلك هي أكثر ما نغفل عنه، ونتناسى أمره.

كم أخطاءً بوسعنا أن نتفادى، لو وضعنا لحظة النَّزع نُصب أعيننا؟

كم قراراتٍ سنتَّخذ، وكم قراراتٍ سنلغي، لو كانت ساعةُ الفراق مرئيَّةً ومعلومةً على مساطرنا الزمنية؟

مهما تكلمنا، مهما كتبنا، مهما برَّرنا، لن يكون باستطاعتنا الادِّعاء بأننا كسبنا الرهان الأهم من رهانات الحياة: رهان الموت.

كم نحن أغبياء، عندما نتناسى ضعفنا وهواننا، وأن أجسادنا التافهة هي أوهن من أن تدفع عنها ضرراً يصيبها، ومع ذلك نحن ماضون في التحايل على ضمائرنا، وتغييبها وراء حُجبٍ كثيفةٍ من الاعتذار والاحتجاج والتأويل.

نمعن في العصيان، ونغرق في الغفلة، ونُنزل ألسنتنا أقوالاً، وأنفسنا أفعالاً وأحوالاً يُخشى علينا فيها، سوء الختام.

ليت شعري، كم حسرةً تحت التراب؟
 
 

* * *
 
 

(7)

دُروب
 
((دربٌ يؤدِّي لدربٍ جديد، وخلفَ المسافاتِ وعدٌ وعيدْ ~

أرى العنفُوانَ وثوبَ الغسقْ ~

أرى منزلاً مُشرعاً للضِّياءْ ~

أرى ما أريدْ ~ أرى ما أريدْ ~

أرى… ما أريدْ ~

~

أرى مُهرةً أُسرِجَتْ للرّياحْ ~

أرى مَوْطِناً للغِناءِ المباحْ ~

أرى وردةً أينَعَت في الجِراحْ ~

آخر اللَّيل بدءُ الصّباحْ ~

أرى ما أريدْ ~ أرى ما أريدْ ~

أرى… ما أريدْ ~))
 
 

* * *
 
 

……

هناك…

مسنداً رأسي المثقل على كفِّي، منحتُ البحرَ ناظري.

جبال الأندلس مستترةٌ خلف نقاب ضبابٍ كثيف، لا أحد هنا يستعمل المنظار الأزرق.

المدافع الخضراء جالسةٌ ورائي بهدوء، كما كانت قبل أن أولد، وكما ستظلُّ بعد أن أموت، حالها حال البحر، والأبنية، والميناء، والرصيف.

أخيِلة الذِّكرى تلتفُّ حولي كأشباحٍ لطيفة، وأطياف الحنين تتهادي بعاقلتي تهادِيَ العُباب بالزَّورق الصغير.

رغم كلِّ الفراغات المؤلمة، الحنينُ حالة وهمٍ جميل، هكذا إذاً!

والحياة دروبٌ يُفضي بعضها إلى بعض.

حالات وعيٍ واهمة، وحالاتُ أوهامٍ واعية، تلك هي الحياة.

دروبٌ زمنيَّةٌ تمضي بنا، كطريقٍ تتحرَّك تحت أقدامِنا ونحن واقفون.

ونحن نلتفت يمنةً ويسرة.

أوهام.

وأوهام، وأوهام.

ثم أوهام، فأوهام.

ثم نفهم، ثم ننسى، ثم نموت.

الموت حقيقة الحياة الواحدة، وكلُّ ما عداه أوهام.

وأنا، مادامت في أوهامي بقيَّة، سوف آخذُ قسطاً من الحنين، سوف أكتب.

لأنَّ الكتابة نزيف، سوف أنزف.

لأنَّ الكتابةَ عزْف، سوف أعزف.

لأنَّ الكتابةَ حب، سوف أحبّ

لأنَّ الكتابة عملية تجميلٍ للذاكرة،

سوف أعيد كتابة ذاكرتي.

ولأنَّ القلم عود ثقاب، سأشعل به شموع حنيني.

تبتسم الشمس لي وهي تسكب مادَّتها البرتقالية على صفحة الماء، كان يوماً وانتهى، وراح معه بعضي.

غداً يومٌ جديد، غداً دربٌ جديد، غداً حكايةٌ جديدة.

غداً… سأكونُ خلقاً آخر.

لأنها مجرَّد أوراق تقويم، سأعيشها أياماً بريئة.

ولأنها دروبٌ زمنية، سأتلمَّس فيها مخايل الحق، والحقيقة.

وملء الحبِّ سأعيشُها، ملء الأمل، ملء الرجاء… ملء الحنين.

ملءَ الحياة.

قالت الحياة لجبران يوم التفت إلى مدينة الماضي:

“سِرْ فالوقوف جبانة، والنظر إلى مدينة الماضي جهالة.”

كذبَتْ حياتُك يا جبران! بل قِف، فالوقوف انتباهة، والنظر إلى مدينة الماضي نباهة.
 
 

* * *
 
 

الثالث والعشرون من سبتمبر، وهمٌ جديدٌ بدأ…

Advertisements

10 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. رائع!بل أكثر من رائع!
    بع ساعات أو أكثر !
    كانت مدة قراءتي لرائعتك هذه يا أنس !
    ولا تزال تحتاج لقراءة ثانية وثالثة ورابعة و…..

    أنس
    لي عودة مطولة 🙂
    اعتبر هذا حجزا D:

    بالمناسبة انتبهت في الأخير إلى أن عدد الصفحات كان 81!
    تستطيع كتابة رواية بسهولة يا أنس D:

    دمت بخير 🙂

    • هنااااااااااء أهلاً وسهلاااااا بك كيف حالك ؟؟ 😀

      سعدت كثيراااا عندما رأيت تعليقك الجميل هذا وأسعدني أكثر أنه أول تعليق ^_^

      وطبعاً سعدت أكثر وأكثر لأن التدوينة أعجبتك وأشكرك جزيل الشكر على كلماتك الجميلة .. 🙂

      أنتظر عودتك !

      أما الرواية فهذا موضوع شائك هههههههههههههههههه :p

      .

      وأنتِ بخير 🙂

  2. كأنني أقرأ نفسي ! لأننا من جيل واحد . وعينا على الدّنيا في فترة التسعينات الجميلة . ولدتَ في 23 سبتمبر و ولدتُ في 25 سبتمبر . أكبر منك بعام , و لكنك أقدر مني على الكتابة بأعوام .

    أخي , لك قدرة جميلة على التعبير .

    تحياتي .

    • محفوظ … أهلاً وسهلاً بك أخي … أسعدني كثيراً مرورك من هنا ^_^
      .
      وفعلاً … لفترة التسعينيات طابع مميز لن يتكرر ، سعيد لأنني عشت طفولتي في أحضانها .. 🙂
      .
      .
      وشكراً لك على مرورك وتعليقك …

  3. عشت مع ما كتبت بكل جوارحي ،
    ابتسمت وبكيت وضحكت وتأملت و سافرت ثم استيقظت و ابتسمت ابتسامة باكية ..
    أنس ، كتاباتك في كل مرة “تذهل” أكثر من سابقاتها !

    • العزيزة سيرين … أسعدني كثيراً مرورك من هنا ^_^
      .
      وأسعدني أكثر تعليقك الجميل وأن التدوينة قد حازت على إعجابك …
      .
      .
      الابتسامة الباكية تعبير أحبه … لكنني مع ذلك أعتذر لأنها كانت ( باكية ) 🙂
      .
      أشكرك مرة أخرى … وننتظر جديدك ^_^

  4. رااااااااااااااائعة من روائع قلمك..

    جعلتنا نذوب في حروفها..
    خليط من المشاعر اجتمع ونحن نتنقل بين سطر و آخر..ضحك و حزن..ألم و ابتسامة..
    عشت فيها ذكرياتك و ذكرياتي..تنقلت بين الطفولة و المراهقة والشباب دون ترتيب تقليدي..

    امام ما كتبت لا املك سوى رفع قبعتي ..
    و القول: محرومة هي دار النشر بدون قلم أنس..

    • أهلاً وسهلاااااا ومرحباااااااا بك يا جهاد كيف حالك ؟ 🙂

      لكم أسعدني مرورك الرائع هنا على هذه التدوينة ^____^

      جزاك الله خيراً على كلماتك الرقيقة والمشجعة لي كثيراً ^______^

      كوني بخير 🙂

  5. الثالث والعشرون من سبتمبر ، ميلادُ آخر ، أو برزخٌ آخر ، فواعجباً كيفَ تختلفُ أجوبة الطريق ،،،
    كنتُ هُنا العام الماضي ، وتذكرتُ المدونة بالأمس ، فأحببتُ تهنأتكَ بيومِ مولدكَ اليوم، عامٌ مضى واليوم تستقبلُ عاما جديد ، جعلَ اللهُ أيامك رضى ، وأعوامك كلها سعيد .

    • إيمان .. مرحباً بك أختي الفاضلة ..

      تعليقك الرائع هذا والذي جاء في يوم مميز جداً أدخل على قلبي سعادةً غامرةً .. فجزاك الله خيراً 🙂

      وشكراً جزيلاً لك على التهنئة العطرة .. وفقك الله لما فيه خير ^____^


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: