مديـنـة الـسعـادة ~

13/07/2010 عند 17:51 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 11 تعليق

City

.

واقفاً على تلك الربوة الخضراء ساعةَ الفجر الأولى، أشرفتُ على منظرٍ بديع، لم أعلم لفرط جماله أفي يقظةٍ أنا أم في حلم.

كانت مدينةً شاسعةً مترامية الأطراف، بسيطة البناء أنيقة العمران، تبدو للناظر إليها من بعيدٍ جنةً خضراء تتناثر فيها الأبنية والصروح، ويحيط بها سورٌ عظيمٌ تتوسطه بوابةٌ عملاقة.

أطلقت بصري في المدينة أرقبها من بعيد، ولمحت من فوق الربوة بيوتها الواسعة مساحةً، البسيطة بناءً والبديعة إتقاناً وفناً، وكانت تتخللها ههنا وههناك أفنيةٌ واسعةٌ تحدُّها بواسق الأشجار وتظلِّلها روائع الأغصان، وبين أحيائها وأزقتها مساحاتٌ خضراء وساحاتٌ وحدائق ذات بهجةٍ فيها من كل أصناف الأشجار والأعشاب والزهور الملونة التي تسلب الألباب بنضارة ألوانها واختلاف أشكالها وأحجامها، وتتخلل جوانبَ الحدائق مقاعدُ رخاميةٌ بديعة الشكل تفتن العقول في تقوُّس حوافها ورونق ألوانها وجمال بنائها، وكان فيما لمحتُ وأنا مطلٌّ على ذلك المنظر الفتَّان بناءً عظيماً شاسع المساحة يتوسط المدينة، وتتوسط البناءَ ساحةٌ فسيحةٌ تحيط بها الأقواس الرخامية والعاجية المزخرفة من كل جهاتها، وعلى يمين البناء منارةٌ أشبه بالصرح الشامخ منحازةً جهة الشرق، ويعلوها شكلٌ أشبه بالهلال.
 
 

* * *
 
 

انحدرت متلهفاً وبي شوقٌ لزيارة هذه المدينة التي لم أر لها مثيلاً حتى فيما تقع عليه الأوهام، ومشيت قاصداً بوابتها العملاقة نظير قوسٍ مصوَّبٍ نحو السماء، متوسطاً سور المدينة الحجري الذي تزين أسافله خصلات الأعشاب، دخلتُ المدينة وقد أشرقت شمس الصباح باعثةً بصيص النور الذي يداعب مكامن الجمال في كل شبرٍ منها، ويُبعد برفقٍ عنها ظلمة الليل التي لم تكن هي نفسها أقل جمالاً، كانت أشعة الشمس تنتقل بالمدينة من جمال الليل إلى رونق النهار.

أنشأت أتمشى في أزقتها وشوارعها الهادئة النظيفة، وأتأمل بيوتها الواسعة التي يحيط بمعظمها فناءٌ عشبيٌّ ترتفع أغصان شجيراته لتحاذي شرفة البيت ونوافذه، وتكسو جدرانَه الأوراقُ الخضراء المشذَّبة بعنايةٍ وإتقان، لمحتُ في بعض الأزقة عمال النظافة وهم يكنسونها ويعنون بأمرها، كانت مسحة الرضا باديةً على ملامحهم وهم يرددون بجذلٍ أنشودة الصباح، وقفتُ أمام أحدهم وهممتُ بأن أسأله شيئاً، لكنه مر بجانبي دون أن يراني، ولم يتفطن لي وكأني غير موجود، ناديته لأكلمه لكنه لم يسمع لي صوتاً، فعلمت حينها أني صرت كائناً شفافاً غير مرئي، وتركت عمال النظافة منهمكين فيما هم فيه ومضيت أمشي.

دلفت زقاقاً آخر، فلمحت مجموعة شبابٍ يتمشون بخطواتٍ مستعجلةٍ قاصدين وجهةً ما، كانوا يحملون في أيديهم كتباً وقراطيس، مروا بجانبي ولم يروني، ووددت لو أسألهم عن وجهتهم لكني أحجمت عن ذلك لعلمي بأنهم لا يرونني، وبينما أنا أرقبهم إذ سمعت صوتاً من ورائي يقول:

– “إنهم ذاهبون إلى الدرس، وهذه عادة شباب هذه المدينة، لا يطلع صباحٌ من صباحاتها إلا وتجدهم ميممين وجوههم شطر المدرسة الكبيرة لتلقي العلوم والفنون والصناعات بشتى أنواعها، كلٌّ حسب رغباته وأمياله وما يطمح إليه في مستقبل أيامه.”

التفتُّ فإذا شيخٌ جليلٌ حسن الصورة مهيب الطلعة نيِّر الوجه، ابتسم لي وأكمل كلامه قائلاً وهو يرفع يده مشيراً إلى حديقةٍ خضراء تقع بين حيَّين:

– “وتلك هناك، وكثيرٌ غيرها في المدينة، ملاعب الأطفال ومراتع صباهم، فتفرَّج عليهم ففي منظرهم ما يشرح الصدر ويريح النفس ويشفي سقم الروح.”

أعجبني ما قال الرجل، واستدرت إلى حيث أشار، فوجدت أطفالاً يلعبون ويركضون ويتقافزون فيما بينهم، وكان منهم من يلعب بالعصيِّ متدرباً على المبارزة بالسيف، ومنهم من يصارع أصحابه وينازلهم، فيغلبهم ويغلبونه، تفرَّجت عليهم وأنست بمنظرهم ما شاء الله أن أفعل، ثم التفتُّ إلى الشيخ لأسأله مزيداً من أخبار هذه المدينة، فلم أجد له أثراً حتى كأنه ومضةٌ واختفت، أو كأنْ لم يكن موجوداً قبل لحظةٍ إلا في مخيلتي وأوهامي، فانصرفت…

توسطت الشمس كبد السماء وأنا في تجوالي، بين الأحياء والحدائق، أتأمل نظافة المدينة ورونقها، وجمال بيوتها وروعة حدائقها ومساحاتها الخضراء المزينة بالورود، وكان مما لفت انتباهي أني لم أدخل حياً ولم أنعطف في زقاقٍ إلا ورأيت رجلاً غريباً ملتحفاً بسلهام، مخفياً وجهه بلثام، لم أتبين منه حقيقةً ولم أعرف له وجهةً ولا هدفاً، غير أني أكبرت فيه ما رأيت منه عندما ساعد بعض البنائين على رفع حجرٍ ناء بحمله أصحاب السواعد المفتولة منهم، وكانوا منهمكين في تشييد مبنىً كبيرٍ لعله مدرسةٌ أو مشفى، وضع الرجل الملثم الحجر في مكانه، ثم توارى مختفياً عن أنظار البنائين دون أن يكشف عن وجهه ودون أن ينتظر منهم كلمة شكرٍ أو عبارة ثناء.
 
 

* * *
 
 

قادني تجوالي إلى أحد الأسواق، فهالني ما رأيت من بدائع السلع وغرائب المبيعات من خضرٍ وفواكه وأثوابٍ وأغراض، وأدخل السرور إلى قلبي منظر الحوانيت الكبيرة وهي تفيض بمبيعاتها، وفوق أبوابها وأسطحها تمتد أثوابٌ ملونةٌ نُشرت للزينة أو للحماية من أشعة الشمس.

ازدحم السوق فجأةً وتقاطر عليه التجار وعوام الناس، رجالاً ونساءً وأطفالاً، أعجبني من ملامح الرجال صلابةٌ رسمها الكدُّ والعمل، ممزوجةٌ بصباحةٍ رسمها الصفاء والنبل، فنمَّت تقاسيم وجوههم الطاهرة عن علو هممهم ونقاء معادنهم، وأعجبني من النساء احتشامهن ووقارهن، فلم أجد منهن من كشفت عن ثوبٍ أو خضعت بقول، وأثلج صدري من الأطفال نباهتهم وبدارهم للاعتماد على النفس طلباً للالتحاق بمصاف الرجال.

طال ممشاي في السوق فلم أسمع صراخاً ولم أقف على شجار، وما رأيت غير وجوهٍ صبوحةٍ مبتسمةٍ تحيي بعضها البعض بطيبٍ من القول، ومعاملاتٍ تجاريةٍ نظيفةٍ يتسابق فيها البائع والمشتري أيٌّ منهما يحرز على الآخر فضلاً، ويتسابق أغنياء الناس أيهم يكون أكثر عطفاً على فقرائهم وإحساناً إليهم، ورأيت الفقراء يجاهدون في إخفاء ما بهم من القلة والفاقة، حتى إنك لتحسبهم موسرين أغنياء من التعفف.

وصلت إلى نهاية السوق، فرأيت مرةً أخرى ذلك الرجل الملثم المريب يساعد كهلاً وقعت عنه بغلته، وتناثر على الأرض ما اشتراه من خضرٍ وفواكه وأثواب، كان ينفض له ثوبه ويساعده على حمل ما تساقط من مشتريات، وقفت مستغرباً أتأمل هذا المشهد إلى أن قطع استغرابي صوتٌ مفاجئ، عرفت فيه صوت ذلك الشيخ الذي كلمني في الصباح، التفتُّ فإذا به واقفاً على يميني:

– “إن كنت جائعاً فهلمَّ إلى المطعم لتناول الغداء، إنما أنت عابر سبيل، وفي مدينتنا هذه يأكل الجميع من صنع يده وعرق جبينه، فعلى قدر اجتهادك في احتراف الصنعة أو التجارة صغيراً يكون نصيبك من الرزق والمال كبيراً، وغداً تأتي معي إن شئت لأريك دور الصناعة وأراضي الفلاحة، ولسوف يكون لك في رؤية كدح الكادحين واجتهاد المجتهدين ما ستنبذ معه الكسل وتهجر بعده الخمول، وتنطلق إلى العمل مشمِّراً عن ساعديك، جذلان نشطاً.”

أومأت له برأسي، والتفتُّ من جديدٍ فراعني أن الصمت مطبق، وأنْ لا أثر في المكان لحركةٍ أو لسكنة، حتى كأن الأرض انشقت وابتلعت كل من كان حاضراً في السوق من الباعة والمشترين! تقدم الشيخ خطواتٍ حتى صار أمامي، ورفع يده مشيراً بسبابته إلى مكانٍ علي، وقال:

– “هم الآن هناك يا ولدي، فهذا وقت العبادة.”

نظرتُ إلى حيث أشار فإذا هي تلك المنارة العالية التي رأيتها من على الربوة فجراً، أدرت وجهي من جديدٍ في أزقة السوق ومحلاته المفتوحة على مصاريعها، فسمعت قهقهة الرجل وكأنه أُلهم ما قلت في نفسي، فقال:

– “لا خوف هنا من السرقة فالكل مكتفٍ برزقه قانعٌ بما لديه، ولماذا يسرق من لا يعجزه شراء شيءٍ يحتاجه؟!”

التفتُّ إليه مندهشاً، فإذا به اختفى كطرفةٍ العين وومضة البرق، ووجدتُني وحيداً من جديد، وصمتٌ مطبقٌ يحيط بي من كل الجهات لا تتخلله سوى زقزقة العصافير وخشخشة الأوراق تعابثها نسمات الهواء.
 
 

* * *
 
 

الوقت عصر، وقد صرت الآن في ناحيةٍ من طرف المدينة، أذهلني هناك بناءٌ شامخٌ ممتد الأسوار، وأثار دهشتي ميزانٌ حجريٌّ عظيمٌ منحوتٌ في أعلاه بدا وكأنه تاجٌ يزين جبين البناء، لمحت عند بابه أناساً داخلين وخارجين، مقبلين ومدبرين، وكان منهم من يرتدي ثياباً فضفاضة تشبه ما يلبسه القضاة والمحامون، وكان من الخارجين من بوابة البناء ذلك الرجل الملثم الغريب الذي لا أطأ موضعاً في المدينة إلا ورأيته! وددت لو أخاطبه ببضع كلماتٍ لكن تذكرت بأني غير منظور، وفجأةً سمعت صوت الشيخ الجليل وهو يقول:

– “هذا قصر العدل، محكمة المدينة الكبرى، هنا تفض النزاعات وتُرد الحقوق إلى أصحابها، هنا تطبق القوانين التي صاغها حاكم البلاد مقتبساً نصوصها من شريعة الله المنزلة على عباده، هنا يُضرب على يد الظالمين ويخرج المظلومون وقد اقتُصَّ لهم ورُدَّت إليهم حقوقهم وشُفيتْ مما لحق بهم من الجور صدورهم.”

ابتسمت فرحاً بما سمعت، ولمحت من بعيدٍ قوافل وجماعاتٍ قادمةً من خارج المدينة لم أتبينها، فقال لي الشيخ:

– “تلك قوافل التجار عائدةٌ من رحلةٍ تجاريةٍ أدعو الله أن تكون ناجحةً بإذنه، وإن في المدينة رجالاً يضربون في الأرض ويجمعون ما شذَّ وندر من غريب الحيوان وبديع النبات، فيبيعونه للمدن الأخرى مقابل ما نحتاج إليه من طعامٍ وأثوابٍ ومواد صنعة.”

ثم أشار إلى جمعٍ من الرجال ظهر من وراء تلٍّ بعيدٍ وقال:

– “وأولئك القادمون من وراء التل علماء البلد وطلبة العلم، إنهم عائدون من رحلاتهم الاستكشافية في جبال المدينة وسهولها وكذا المدن والبلدان المجاورة، فهم لا ينقطعون يوماً عن البحث والتعلم ونهل المزيد من بحور المعارف، ثم يدوِّنون ما اكتشفوه وتعلموه في الكتب والقراطيس ويصرفون الليالي الطوال في الدراسة والبحث والإفادة مما دوَّنوه، وما ذلك إلا طلباً لقتل مرضٍ أو صناعة دواءٍ أو آلةٍ أو مركبٍ أو مصنعٍ فيه خيرٌ وراحةٌ للبلاد والعباد.”

ثم حوَّل الشيخ بصره إلى ناحيةٍ أخرى، وأشار إليها وهو يقول:

– “وفي ضاحية المدينة الأخرى مشفىً كبيرٌ أشرف على بنائه الحاكم نفسه، اختار له أنسب بقاع البلد مناخاً وأقربها إلى منبع الماء، لا يدفع فيه المريض ديناراً ولا درهماً إلا أن يكون غنياً مقتدراً، فيتفضل على المشفى بما يصلحه ويصلح غيره من مرافق المدينة ومصالحها.”

وصمت الشيخ، ولم ألتفت، فقد علمت أني لو التفت فلن أجد له من حولي، كالعادة أثراً…
 
 

* * *
 
 

انطفأت الشمس وراء الجبال، وأنا أتأمل غروبها الساحر الذي صبغ الأفق بحمرةٍ داكنة، تاركاً ورائي منازل المدينة وأحياءها، وبلغ سمعي فجأةً أصواتٌ غريبةٌ استحسنتها، التفتُّ فإذا الخيام منصوبةٌ لم أعرف متى نُصبت! واتجهت نحوها مستكشفاً، فعلمت أنها ساعة الأنس والطرب التي يجتمع فيها أهل المدينة لقضاء سهرةٍ يحلو فيها السمر، مررت بالخيام واحدةً واحدةً أراهم ولا يرونني، رأيت في الخيمة الأولى رفوفاً وطاولاتٍ أُتخمت بالكتب والمجلدات، وشباباً انهمك بعضهم في القراءة وبعضهم قد تحلق في مجموعاتٍ صغيرةٍ تتناظر وتتجادل، ولمحت ذلك الرجل الملثم واقفاً يجادل مجموعة شبابٍ وهم ينصتون لما يقول بإجلال، ووقع في نفسي أنهم منه بمثابة التلاميذ من معلمهم المقتدر.

ورأيت في الخيمة الثانية مجلس طربٍ اجتمع فيه أهل الألحان الموسيقى، وكانوا يوقعون على آلاتهم وحولهم تحلَّق جمعٌ من الشباب يتسامرون ويطربون، وأمامهم بُسطت موائد حَوَت كل ما لذَّ من الطعام واستُعذب من الشراب واستُحسن من الفاكهة.

ورأيت في الخيمة الثالثة مجلس أُنسٍ تجمَّع حاضروه على شكل حلقاتٍ يتسامرون ويتضاحكون فيما بينهم، ويتبادلون ما استُملح من الطرائف واستُلطف من النكات، أنست بمنظر الخيام وقد أُوقدت فيها السُّرُج وظللها النخيل الذي تتمايل سعفاته وهي تتراقص مع هبات النسيم.

مضى الوقت ولم أشعر بمضيِّه، وإذا بالليل قد حل، وإذا بالسُّرُج والمصابيح قد أوقدت في كل زاويةٍ من شوارع المدينة وأحيائها ومنازلها، وسمعت وقع أقدام، وعرفت أنها دوية الشرطة الليلية، وكانوا رجالاً شداداً قد توحدت أزياؤهم، يمضون متفحصين وهم يحملون مصابيحهم، يحفظون أمن المدينة ويسهرون على سلامة النيام والساهرين.

وبقيت أمشي، متجلبباً بالظلام ومستضيئاً بضوء البدر، فإذا بمنزلٍ كبيرٍ رائع العمران بديع الزخارف والنقوش، محفوفٍ بالمصابيح من كل جانب، وقد زُيِّنت نوافذه وشُرَفه بالشموع الملونة التي أضفت عليه نوراً ودفءً، وانبعثت من داخله أصواتٌ عذبةٌ لموسيقى تتخللها ضحكاتٌ أكثر عذوبة، ورأيت بوابته مفتوحةً على مصراعيها، وعلى جانبيها يقف رجالٌ في أجمل صورةٍ وأبهى حلة، يستقبلون الداخلين ويعانقونهم ويسلمون عليهم مستبشرين فرحين، وعلمت أنه عرسٌ من الأعراس.

بقيت واقفاً أمام باب المنزل الكبير، أَرى ولا أُرى، وقلت في نفسي:

– وأيُّ ضير؟! في مدينةٍ كهذه ينمو الحب بسرعة…

ولم أكد أتم عبارتي حتى كان الشيخ الجليل واقفاً أمامي، ينظر مثلي محدقاً إلى البيت ويقول مبتسماً:

– “نعم، في مدينةٍ كهذه ينمو الحب بسرعة، وما ذاك إلا لأن الناس هنا علموا حقيقة الحب وفهموها، وتبينوا أمرها يوم قنعوا ببساطة العيش وتركوا عنهم الشره والطمع والضغائن والأحقاد.

لقد أحبها الفتى مذ كان صغيراً، وحملته تكاليف الحياة وأعباؤها على أن يهاجر في طلب التجارة وتحصيل العلم، فهاجر وفي قلبه من لوعة الفراق ما الله به عليم، ثم اجتهد وكافح، وصبر وصابر، حتى عاد الآن إلى أهله ومدينته رجلاً قادراً على تحمل أعباء الحياة، عاد وقد نال نصيبه من العلوم والفنون والآداب، واحترف التجارة فتميز فيها عن أقرانه حتى حصل له من المال الحلال والصيت الحسن الشيء الكثير، وها هو اليوم قد عاد إلى وطنه عريساً يطرق أبواب السعادة، ويستقبل من حياته ما يلحقه بركائب الشرفاء ومنازل النبلاء ومقامات الأفاضل.”

أومأت برأسي مندهشاً وأنا أتأمل منظر البيت البديع، ولم أحس بمرور الوقت حتى داعبتني خيوط الفجر وهي تشق أردية الظلام، ولمحت الحاضرين وهم يخرجون من منزل العرس فرحين مهللين، وكان من بينهم ذلك الرجل الملثم الغامض! وأبيت أخيراً إلا أن أتبين حقيقته وأكشف اللثام عن وجهه، وما إن هممت بالمضي نحوه حتى رأيته متقدماً نحوي، ثبتُّ في مكاني، ومرَّ بجانبي وهو ينظر إلي، وأنا لا أتبين من وجهه شيئاً عدا عينيه الصافيتين وحاجبيه الكثيفين.

تجاوزني، التفتُّ أتبعه بعينيَّ أنظر إلى أين يتجه، فوجدت ثيابه السوداء قد استحالت فجأةً إلى البياض الناصع، ورأيته متجهاً نحو فرسٍ مسرج، أبيض أصيل كان يقف في انتظاره، اعتلى صهوته بمهارة، وأمسك بلجامه واستوى عليه استواء فارسٍ من كبار الفرسان، ثم نظر إليَّ لحظةً وانطلق ببطءٍ موارياً إياي ظهره، ولم يُحجب عني وجهه إلا وهو يميط اللثام عنه، غير أني لم أتبين ملامحه، ثم انطلق بخطواتٍ بطيئةٍ في طريقه نحو مكان الشروق، نحو مطلع الشمس، نحو هالة النور التي ابتلعته شيئاً فشيئاً حتى ذاب فيها وتلاشى تماماً.

وإذا بالشيخ واقفاً أمامي من جديد، ينظر إلى جهة الشرق مبتسماً، وقال لي وهو يضع يده على كتفي:

– “ذاك يا بني حاكم هذه المدينة، يأتي متنكراً يخالط رعيته ويقف على شأنها، ولا تطيب نفسه إلا وقد اطمأن على أن أحوالها هي كما يحب ويرضى.”

نظرت إلى الشيخ وأردت أن أسأله من يكون، فإذا به قد اختفى!

ولم أعلم كيف وجدت نفسي أطل على المدينة من جديد، ومن فوق تلك الربوة الخضراء نفسها…

بقيت أتأمل طلوع الشمس وهي تسكب أشعتها الذهبية على مدينة السعادة، وتخلَّل بصري نورٌ لطيفٌ حجب عني الأشياء شيئاً فشيئاً، حتى لم أعد أرى غير بياض النور.

عدت إلى وعيي، أو عاد إلي! كنت في غرفتي، استيقظت من نومي على أشعة الشمس التي تسللت إلى عيني من النافذة، نظرت إلى ساعتي، فركت شعري، ابتسمت وأنا ألملم شتات ذاكرتي…

كنت أحلم!

Advertisements

11 تعليق »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. قمة الابداع ….أحييك أخي الفاضل على هذا الوصف الدقيق الذي أدخلنا في الجو و أنا أمر على الكلمات كنت هناك….. مريح ذاك الرجل الوقور بالابيض و مريب ذلك الملثم كنت في كل لحظة اتوقع بأنك ستبوح بهويته و علمت منذ البداية بأنه صاحب سلطة و لكن توقعت بأنه سيكون أفلاطون بعينه و قد حقق حلمه في حلمك ….أكرر اعجابي و أهنئك على قبول “وضع الملائمة” تستحق كل الخير و في انتظار المزيد…

    • مرحباً بك أختي العزيزة منى وشكراً على تفاعلك الجميل والمستمر مع مدونتي المتواضعة .. سعيد كون هذه القصة أعجبتك وكلي أمل أن أكون دوماً عند حسن ظنكم 🙂

  2. لله درك يا أمير المؤمنين ..

    لله در أميرها و شعبها و لله درها من مدينة ..

    كانت و نأمل أن تكون كما كانت حقيقة لا خيالا ..

    أعجبني تفصيلك في الوصف بشكل جميل إلا أنك تجيد أفضل من ذلك .. لربما كان لتحديد النص مسبقا أثر في كتابتك لا أدري .. لا يخالجني شك بأنه نص رائع .. إنما أعرف أنك تجيد أكثر و أكثر .. زادك الله من العلم و الأدب و الذوق ..

    – في مدينة كهذه ينمو الحب بسرعة !

    أكثر تعبير راقني في النص بأكمله .. لقد استوقفتني برهة من الزمان ..

    و هل توجد السعادة في غير الإسلام .. !!

    إننا نريدها مدينة إسلامية .. !! و نريدها شريعة إسلامية .. !! و نريده إماما يحكم بالشرع الإسلامي .. !!

    أهو حلم يا ترى ، أم أننا نطلب الكثير بذلك ؟!!

    وفقنا و وفقكم الله و يسر لنا و لكم الأمور .. و الحلم لا يزال يحثو تراب الغفلة عن وجوهنا فهل يا ترى يمنح الفرصة ليعيش !!

    اعذرني فمروري دائما مستعجل ..

    🙂

    • مرحباً بك أخي وصديقي العزيز شارلوك .. أشكرك من أعماق قلبي على هذا المرور الرائع الذي أثلج صدري بصدق .. وعلى كلماتك الصادقة التي تحمل الكثير ..
      .
      كوني أجيد أحسن من هذا .. ذلك أمر أتمناه فعلاً على اختلاف الأذواق والرؤى .. فلجنة التحكيم للمسابقة صرحت بكون هذا النص أفضل كتابةً من سابقه ! إلا أنني أتفق معك في كون تحديد الطول في صفحتين قد أثر علي كثيراً وضيّق أفق الوصف على قلمي .. كما أعترف أيضاً أن هذه القصة جاءت ببعض الاستعجال .. وآمل أن يكون القادم أفضل وأن أكون دوماً عند حسن ظنكم .. 🙂
      .
      .
      ونعم أخي هو كما قلت .. لا سعادة في غير الاسلام .. نريدها مدينة إسلامية يحكمها شرع الله ولا شرع غيره .. هذا هو الحلم الذي قتله سادة العالم وحولوه إلى جحيم .. لكن رغم ذلك .. إن أقمنا مدينتنا الفاضلة في أنفسنا .. فحتماً ستقوم في محيطنا .. وذلك يكفي لتحقيق السعادة ، الممزوجة بالحلم ^_^
      .
      جزاك الله خيراً على مشاركاتك الرائعة كما تعودنا منك .. وفي أمان الله 🙂

  3. انصهرت مع أحداث مدينتك حتى خلتني مواطنا فيها.. عملك هذا ذكرني بفكرة قمت بها مع بعض أصدقائي في أحد المنتديات العربية، يسعدني أن تزورها وستجد مساهمتي هناك بعنوان “مدينة العزة والكرامة” واسمي الافتراضي هو “sohba”

    http://www.neqashalhb.com/t1229.html

    في انتظار زيارتك هناك، دمت في رعاية الرحمن وحفظه

    • مرحباً بك أخي العزيز خالد وشكراً جزيلاً على المرور الجميل .. قد اطلعت على صفحتك وعلى مساهمتك الرائعة والتي أصابت صميم الواقع الذي يغفل ، أو يتغافل عنه كثير من الناس مع الأسف ..
      .
      أجدت الكتابة وفكرتكم هناك كانت رائعة ..
      .
      يقولون (لولا الحلم ما عاش الفقير) وأقول (لولا الحلم ما عاشت الشعوب) 🙂
      .
      جزاك الله خيراً ^_^

  4. بارك الله فيك اخي صحبة ونعم الرأي العزة هي كل ما يحتاجه المسلم ليتفوق على نفسه و يعود لربه

  5. أخي الغالي أنس،
    المرجو زيارة هذا الرابط، ففيه شيء يخصك

    http://sohba-liberter.blogspot.com/2010/08/blog-post_09.html

    كنت هنا

    • أهلاً وسهلاً بك عزيزي خالد مرحباً بك من جديد ^_^

      جزاك الله خيراً على ذلك التوريط الجميل .. وقد تمت المهمة بحمد الله 😀

  6. بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    بصراحة.. بصراحة 😀
    قصتك تقهر :جرح: >>> خخخخخخخخ
    منذ بداية القصة (خصوصاً عند وصفك للمقاعد الرخامية) خطر لي بقوة : أريد الذهاب إلى هناااااااااك >_< ، لكن مع مرور الوقت تبدت لي مثاليتها فاستوعب عقلي أنها من نسج الخيال 😀
    باختصار كانت قصة ممتعة ، و قد تساءلت عن أي قصة يستطيع المرء كتابتها عن المدينة الفاضلة (موضوع المسابقة غريب !) إلا أن قصتك جميلة ما شاء الله ، و لم تخل من عناصر الغموض و التشويق ، أمتعتنا جزاك الله خيراً ^_^

    • وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

      مرحباً بك من جديد أختي نور 🙂

      وأشكرك جزيل الشكر على مرورك وكلامك الجميل عن قصتي ، أسعدني كثيراً أنها أعجبتك ^_^

      وأتمنى أن أكون دائماً عند حسن الظن 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: