رويـدكِ يـا عـقـارب ~

30/03/2010 عند 21:15 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 8 تعليقات

null

.

وها أنا ذا أقف أمامكِ وقفة الذَّاهل المشدوه، أرفع رأسي أتأملكِ خاشعاً، وليس في مجال رؤيتي غيركِ، والجدار.

أصغي لصوتك الرتيب يزعج أذنيَّ، ويزيدني خوفاً على خوف، شكلكِ التاريخي لم يفقد أناقته حتى الآن، وأرقامكِ القديمة لا يبليها تعاقب الأيام والسنين، وأنتِ شاهدةٌ على الأيام والسنين.

جرسك الطويل يتدلى، يترنَّح يمنةً ويسرةً كأداة تنويمٍ مغناطيسي، مخادعةً كنتِ، مخادعةٌ أنتِ دوماً…

يا عقارب!
 
 

* * *
 
 
تيك، تاك، تيك، تاك…

ألا يملُّ عقرب الثواني من دورانه الدائم حول نفسه؟ ألا يمل عقربا الدقائق والساعات من مطاردتهما له إلى الأبد؟ وإلى متى؟ وإلى أين؟

هل سيأتي يومٌ تنتبه فيه عقارب الساعات على وضعها المضحك ذاك؟ إذاً ربما توقفت عن الدوران، وانصرفت لحال سبيلها، وقدَّمت استقالتها من منصب حراسة الزمن.

ويا ليتها فعلت ذلك رفقاً بنا ورأفةً بحالنا.
 
 

* * *
 
 

مذ كنت طفلاً وعقارب الساعات تثير اهتمامي، ويثير فضولي صمودها الشامخ، وعنادها المستميت، وثباتها الذي لا تزحزحه عقول المصممين وأيدي الصانعين، إنهم على الدوام يبتكرون لها أشكالاً جديدة، وتصاميم جديدة، ثم يبيعونها بأسعارٍ قد تعلو وقد تهبط، لكنهم دائماً يخضعون في النهاية لسرعة إيقاعها، ثابتةٌ هي لا تتغير أبد الدهر، إنها تفرض نفسها، وتلزم بإيقاعها كل العقارب، تستوي في ذلك ساعة المعصم مع ساعة الجدار، وساعة الحاسوب مع ساعة مكة، وساعة المنبه مع ساعة (بيغ بن).

قديماً راودني شعورٌ بأن عقارب بعض الساعات، تلك التي يدور عداد ثوانيها بشكلٍ مستمرٍّ غير متقطعٍ كطائرةٍ تحلق في السماء، هي أسرع من تلك التقليدية التي يكسر فيها العقرب الطويل ثواني حياتنا ثانيةً ثانية، عبر طرقاتٍ تشبه قرع المطرقة، ومع صوتٍ يذكرني بالقطارات البخارية القديمة وهي تنهب الأرض نهباً، كنت أتأملها طويلاً وأنا أستغرب وأتساءل، كيف للزمن الذي تخبرنا به العقارب الأولى أن يكون هو نفس الزمن الذي تخبرنا به العقارب الثانية؟!

هل بِوُسع عقارب الساعة أن تكون مخادعةً هي أيضاً؟ هل مرور الزمن شيءٌ يُعبَّر عنه بالأرقام؟

لماذا إذاً نحس بأن الزمن مفهومٌ نسبيٌّ غير ثابت، تمضي وتيرته في تناسبٍ عكسيٍّ مع مشاعرنا المدللة؟! لماذا تمر أوقات السعادة والفرح سريعةً كما البرق؟ لا نفطن إليها إلا بعد انقضائها، ولا يبقى لنا منها سوى دهشةٌ واستغراب، وشيءٌ من حسرة.

ثم لماذا تمر أوقات الحزن والضجر والانتظار طويلةً جداً وبطيئة؟ ينوء بتحملها صبرنا، ولا تنقضي إلا وقد أحرقت من أعصابنا ما أحرقت، ولا تمضي إلا وتخلِّف وراءها دهشة المقارنة، ومرارة التساؤل، وشيءٍ من حسرة!

لماذا لم تُجعل نسبية الزمن عكس ما هي عليه؟

أسئلةٌ وما أكثرها، ولا جواب عنها سوى، صوت العقارب…

تيك، تاك، تيك، تاك…
 
 

* * *
 
 

وقفتُ يوماً أمام تلك الساعة الجدارية المعلقة بشموخٍ في ناحيةٍ من نواحي المنزل، وبدأت تخامرني هواجس زمنيةٌ فقدتُ على إثرها وعيي بمرور الوقت، اختفت كل الموجودات الأخرى من حولي، ومن ذاكرتي، وتلاشت كل أفكاري، وضاق مجال بصري حتى لم أعد أرى سواها، والجدار!

تأملتُ شكلها التاريخي القديم بانحناءاته وتكسُّراته، وتأملتُ الزخرفات المحيطة بدائرة الأرقام، وأصغيتُ لصوت جرسها المدلَّى وهو ينوِّمني مغناطيسياً ويفقدني وعيي شبه كامل، وإذا به ينتشلني من واقعي، ويغلق ورائي بوابة الطبيعة، وينقلني إلى عالمٍ أثيري، إلى ذلك الوجود الغامض، إلى مساحة الوعي تلك حيث تبدأ خطرات النفس بالإشعاع والتوهج.

لم أعد أرى أمامي سوى دائرة الأرقام، وعقارب ثلاثةٍ يطارد بعضها بعضاً في مضمارٍ دائري، أراها تقضم من لحظات عمرنا ما لن تعيده لنا يوماً، ثانيةٌ تمضي تتلوها ثانية، دقيقةٌ تمضي تتلوها دقيقة، تاريخ اليوم يتآكل منذ بدايته، لم يبق له الكثير ليلفظ آخر ثوانيه.

كل تاريخ يوم، كل رقمٍ زمنيٍّ هو رقمٌ وحيد، سريع، لا يعود، ولا يتكرر أبداً أبداً مهما انفرط عقد القرون.

ارتعد مؤشِّر الخوف في داخلي إثر تفكيري في هذا، وتمنيتُ لو أن تلك العقارب تتوقف مطلقاً عن الدوران، أو أن تخفف على الأقل من سرعة دورانها قليلاً.

همستُ لها، وخوفٌ فيَّ يرتعش:

– “رويدكِ يا عقارب!

رويدكِ فإني أرى الناس يستيقظون صباحاً على الرنين طلبوه منك قبل نومهم، ثم يقابلون وفاءك لهم بالإنكار والاستياء والضجر، وأراهم يهدرون عملتك الصعبة في غير طائلٍ وهي أثمن عندهم مما في جيوبهم، ثم يستعجلون على غير استحياءٍ دورانكِ، ويستعجلون بدورانكِ أعمارهم، ويشغلون أنفسهم عنكِ بما ينسيهم إياك، وأنتِ تتربصين بهم، وتُمْلين لهم، تُغفلينهم عن نفسكِ وتُفقدينهم الوعي بكِ، حتى إذا انتبهوا فجأةً ألفوا قطاركِ وقد رحل عنهم، وأحلامهم القديمة وقد صارت حبيسة ماضٍ أُمر ألا يعود، فيصرخون ويجزعون، ويهبُّون مسرعين باللحاق بكِ، ويستجدونكِ أن تبطئي عليهم بضع ساعات، بضع دقائق، بضع ثوانٍ، لكن هيهات، وهل كنتِ لتفعلي؟!

وهل كان القطار ليعود وقد انطلق؟

رفقاً بهم فإنكِ تعاملينهم بمثل ما يعاملونكِ به وهم ضعاف عقول، ومرضى قلوب، وأسرى غواية.

إنكِ تتربصين بهم الدوائر وهم عنكِ في مَغْفل، تعاندينهم في حمقهم وهم يطيلون بكِ الأمل، ويؤجِّلون صحواتهم إلى محطاتٍ لاحقةٍ في قطارك المتسارع ذي الوجهة الواحدة.
مساكين هم، وماكرةٌ أنتِ.

يا عقارب…
 
 

* * *
 
 

مهلاً رويدكِ.

ورويدكِ أكثر.

رويدكِ يا عقارب…

رويدكِ، فإني أتأمل سهامك وهي تعدُّ نفسها للانطلاق نحو حياةٍ ما، أو نحو قلبٍ ما، أو نحو حزنٍ ما، أشاهدها وهي تكمل دورتها أخيراً، وتنطبق على نفسها سهماً فوق سهم، إنها تعقد اجتماعاً سرياً، إنها مقصٌّ ماضٍ في الاقتطاع من أعمارنا.

ها أنتِ تتموضعين على الثالثة والربع، قضمةٌ جديدةٌ من مقصِّك الصارم، وها أنت تفترقين وقد نويت شراً، وقضمةٌ جديدةٌ موعدها الرابعة وعشرون دقيقة، إلى متى يا عقارب؟ إلى متى يا مقصَّ العقارب؟ وأيُّ قضمةٍ من قضماتكِ ستكون الأخيرة في وجودنا؟

في أي رقمٍ من سنواتكِ وشهوركِ وأيامكِ وساعاتكِ ودقائقكِ وثوانيكِ؟ سيكون ملَك الموت محلقاً فوق رؤوسنا، منفذاً أمر الله فينا؟ وعلى أي حالٍ سنكون لحظتئذ؟

رويدكِ! فإني أرى سهمك الأطول يتجول مسرعاً حول ثوانيك، وكأنه رئيسٌ يسعى في تفقُّد مرؤوسيه، أو كأنه مؤشرٌ لتحميل ملفات المصير، تلك البرامج التي سوف يتم تشغيلها في حياتنا فور انتهاء تحميلها، مهاماً مجدولةً في ألواح أقدارنا.

ها أنا ذا أراه يحمِّل برامجي وملفات قدري، من أصغر تفصيلٍ في حياتي اليومية إلى أكبر منعطفات حياتي خطورة ، إني لا أستطيع أن أعرف ماذا يحمِّل، وما حجم الملف، وما طبيعة البرنامج، ومتى سوف يتم تشغيله، وكيف ستكون نتائجه على نظام تشغيلي، كل ما أراه أنه يدور، ويدور، يحمِّل، ويحمِّل، ولن أعرف ما الذي يحمِّله إلا بعد حدوثه، لن أعرف طبيعة البرنامج إلا بعد تشغيله.

كم بقي من دورانكِ على أقرب حدثٍ كبير في حياتي؟ وكم وصلت النسبة المئوية لتحميل برنامج (الموت)؟ الملف الأخير في قائمتك، والأكبر حجماً.

هل سأعود إلى هنا من جديدٍ بعد إصداراتٍ عديدة من تقويماتكِ السنوية؟ ثم لأقول مبتسماً:

– “هذا ما كنتُ كتبتُ في الماضي.”

أم أن نسبة تحميل الملف الأخير قد شارفت على الاكتمال، ليقال عني بعد أمدٍ قصير:
– “كان هذا آخر ما كتبه، سبحان الله، وكأنه تنبأ بوفاته!”

إنني لا محالة بين واحدٍ من هذين الاحتمالين، وعندما تكتشف أن حياتك رهينةٌ بواحد من احتمالين، تعرف كم الموت قريبٌ منك، وكم هو مجاورٌ لك لصيقٌ بك، يتربَّص بك، يختبئ خلف غفلتك.

رويدكِ يا عقارب، فإني لم أفكَّ رموزكِ كاملةً بعد، ولم أتمكن حتى اليوم من قراءة كل أوضاعك المستفزة.

أراك على الساعة الثانية عشرة تشيرين إلى الأعلى، تذكريننا بالأعلى، دلالة عزة، دلالة شموخٍ ودلالة طموح، منتصف كل نهارٍ ومنتصف كل ليل، في عزِّ النور وعزِّ الظلمة، وأراك تسجدين كل سادسةٍ ونصف، منتصف كل صباحٍ ومنتصف كل مساء، حُوَيْلَ الشروق وحُوَيْل الغروب.

أرى ابتسامتكِ الجميلة كل عاشرةٍ وعشرِ دقائق، وإنها لابتسامةٌ كاذبة، وإنها لأكثر كذباً عندما يرسمونها عليك جبراً وأنتِ محنَّطةٌ في الواجهات، بعد أن انتزعوا منك قلبك النابض بكِ، وفي صفحات المجلات بعد أن جرَّدوكِ من مادَّتكِ وحبسوكِ في ظلٍّ ولونٍ وورقٍ فاخر.

إنهم يظنُّون ويا لغبائهم، أن ابتسامتكِ تلك فأل خيرٍ لهم.

وأرى حزنك كل ثامنةٍ وعشرين دقيقة، نذير شؤمٍ لكل من صادفت عيناه وجومك هذا ذات انتباه، وأراكِ أسهماً تشير نحو الزمان وتدلُّ عليه، ههنا وههناك، أراكِ آياتٍ نمرُّ عليها ونحن عنها معرضون.

رويدكِ يا عقارب، فإني لم أملأ رئتيَّ بما يكفي من الهواء، وذاكرتي بما يكفي من التجارب، وعقلي بما يكفي من المعرفة، وقلبي بما يكفي من الحب.

رويدكِ فإن هذه اللحظات التي مرت عليَّ خلف بوابة الطبيعة مخصومةٌ من حساب عمري، وأنا الآن لستُ في صلاةٍ ولستُ في ذِكر، رويدكِ فإنني الآن لا أقرأ كتاباً، ولا أتناول طعاماً لذيذاً، ولا أركض مسرعاً في مرجٍ أخضر وليس في مجال رؤيتي غيره، والسماء!

رويدكِ فإني الآن لست نائماً بأمان، ولست أحلم بأني أحلق فوق الجبال بجناحين وأدور حول كوكب الأرض، ثم أصعد لآخذ غفوةً على سطح القمر.

مهلاً فإني الآن لا أتأمل الشمس شروقاً أو غروباً، والقمر هلالاً أو بدراً، والبحر ركوداً أو هيجاناً، والريح نسيماً أو عاصفة.

رويدكِ فإني الآن لا أعيش حالة ضحكٍ أو حالة بكاء، حالة فرحٍ أو حالة حزن، حالة لقاءٍ أو حالة فراق، حالة وصالٍ أو حالة اشتياق.

مهلاً فإني الآن لست وحدي فآنس بنفسي وأطرب بخلجاتها، ولست مع أحبتي فآنس بوجوههم وأملِّي عيني ببسماتهم، مهلاً، فإني الآن لا أعيش لحظة حب…

رويدكِ مرة أخرى، ثم رويدكِ! فلست الآن أبحر متأملاً برج الحرية، ولست أقف على جسرٍ متأملاً ساعة (بيغ بن)، ولست مشرفاً أضبط عدستي لأصوِّر باريس من أعلى برج (إيفيل)، مهلاً فإني الآن لا أطلُّ مائلاً من أعلى برج بيزا، ولست أرفع رأسي مدهوشاً برؤية أهرام مصر.

رويدكِ، ورويدكِ أكثر، فإني الآن لست ساجداً قبالة الكعبة على بعد أمتار، ليس بيني وبينها حاجزٌ أو حجاب.

ما أشدَّ لدغتك يا عقارب! وكم هو قويٌّ ذلك الخدَر الذي تصيبينا به قبيل لدغنا، حتى نفقد الإحساس بالألم، أو يتأجل إحساسنا به لوقتٍ لاحقٍ قريبٍ أو بعيد، حتى عندما يأتي يأتي دفعةً واحدة يكون فيها أقوى من قدرة احتمالنا، فنموت…
 
 

* * *
 
 
تيك، تاك، تيك، تاك…

أمازلتِ تركضين يا عقارب؟! وفيمَ العجب؟!

وهل امتثلتِ لأمر أحدٍ من قبل؟ كيف وروحكِ فيكِ قبل أن تُصنعي؟

حتى صانعوك أنفسهم، ليسوا يستطيعون أن يحدثوا تغييراً على سرعة دورانك، أو أن يوقفوكِ لبعض الوقت إلا أن يكذبوا، إنهم جميعاً يقفون عند حدودكِ لا يتجاوزونها، وليس أمامهم سوى الخضوع لقانونكِ الكوني، والاكتفاء فقط بضبط مواقعك من دائرة الأرقام حسب موقعك من الكرة الأرضية، ثم ينصِّبونك شاهدةً على أعمارهم.

وها أنتِ أمامي تواصلين حركتك وكأنكِ لا تستمعين إليّ! حيادك هذا بدأ يزعجني، ومن يسعه أن يوقفك عند حدِّك؟ وهل لك حدٌّ إلا أن تتوقف الأرض عن الدوران؟ أو أن تطلع الشمس من مغربها؟ وماذا تُراكِ فاعلةً إذَّاك يا عقارب؟ هل ستتوقفين عن العمل من تلقاء نفسكِ في استسلامٍ مطلقٍ للمشيئة؟ أم أنك ستعلنينها دوراناً عكسياً من اليمين إلى اليسار؟

رمشتْ عيناي وأنا محدِّقٌ بك، وتساءلتُ كم حدثاً وقع في العالم متزامناً مع رمشتي هذه، في ثانيةٍ واحدة من ثوانيكِ، بل أقل، يخرج أناسٌ إلى الحياة تحيط بهم الضحكات، ويوارى آخرون التراب تحيط بهم الدموع، أسنانٌ تبرز ضحكاً، وعيونٌ تذرف حزناً، بطونٌ تنتفخ حتى الامتلاء، وأرواحٌ تُزهق جوعاً، شمسٌ تشرق في مكان، وشمسٌ تغرب في آخر.

كُتبٌ تُقرأ، وأخرى تُكتب.

تَهانٍ بنجاح تُنطق وتوبيخاتٌ لرسوب.

قرآنٌ يُتلى وألحانٌ تُعزف، قاماتٌ تركع وتسجد، وقاماتٌ تتمايل وترقص، عرائس تُزف، ووثائق طلاقٍ تُوقَّع.

عناقاتٌ هنا، شجاراتٌ هناك.

رسائل حبٍّ تُكتب، وجرائم قتلٍ يُخطَّط لها، أناسٌ يخرجون من السجن وآخرون يدخلون إليه.
دموع فرحٍ بعودة غائبٍ في مطار، ودموع حزنٍ لفراقِ مُقيمٍ في مرفأ.

زهورٌ تتفتَّح وأخرى تذبل، نظرات حبٍّ تُتَبادل ونظرات كرهٍ تُسَلَّط، مراكب صيدٍ تبحر وفيضاناتٌ تجرف، مبانٍ تشيَّد وزلازل تهدم.

أشعارٌ وخواطر تُكتب ووثائق رسميةٌ تُطبَع، منتوجاتٌ تَصدُر لتستهلك ونفاياتٌ تُحرق وتتبخَّر.

ورودٌ تُقطف، أزهارٌ تتفتَّح.

كل هذا في ثانيةٍ من ثوانيكِ يا عقارب، وفي كل ثانيةٍ جديدةٍ منكِ مثل هذا وأكثر.

فرويدكِ إذاً يا عقارب!

رويدكِ…

رويدكِ…

رويدكِ…”
 
 

* * *
 
 
تيك، تاك، تيك، تاك…

وَ…!

هَوَت آخر طرقةٍ من طرقات عقرب الثواني، وصُعقتُ إذ رأيتُ العقرب متوقفاً عن الحركة مثل قلبٍ توقف عن النبض.

هل استجابت لي أخيراً؟ هل توقف الزمن كما طلبت منه؟ مالي أراها جامدةً لا تتحرك؟ مالي أراها صامتةً لا تتكلم؟ أي معجزةٍ تلك التي جعلت الزمن يتوقف الآن؟ أية معجزةٍ تلك التي جعلت عقارب الساعة تهدأ؟ وكم يا ترى ستظل على هذه الحال؟ ومتى ستستأنف دورتها من جديد؟

إنها لحظةُ اللازمان التي حلمتُ بها طويلاً.

أن يتوقف الزمن عن المرور دون أن أفقد وعيي بالكون، ودون أن أفقد القدرة على الحركة، إنها تلك اللحظات القابعة في أعمق ما نتمناه، وأكثر أغوار النفس بعداً، إنها تلك الحالة السرابية التي يختفي فيها كل موجودٍ حتى الزمن، ولا يبقى هنالك غير الوعي، والمطلق!

ها هو الزمن أمامي جثةً هامدة، وعقارب ميتةً توقف مقصها عن القطع، وأقلع قلبها عن النبض، ماذا عليَّ أن أفعل الآن؟ وكيف أستغل حالة الوعي هذه، تلك الحالة التي أدرك فيها أنني كائنٌ موجودٌ حيٌّ يفكر ويحس، يسمع ويرى، ويشغل مساحةً من حيِّز الوجود.

ماذا علي أن أفعل الآن؟

ماذا علي أن أفعل؟

إني عاجز تماماً، إني لا أفعل شيئاً، لا أفعل شيئاً على الإطلاق!

لحظة اللازمان، وهل اللحظة إلا زمان؟

سيتحرك العقرب من جديد، وسيعود قلب الساعة نابضاً من جديد، وستضيع مني إذاً فرصة العمر.

وما عجزي هذا عن الحركة؟ لماذا أنت شامخٌ أيها الزمن حتى بعد موتك؟ لماذا ليس لأفعالنا قدرٌ إلا تحت ظلك؟ وهل لي في مطلق الأحوال خروجٌ عن ربقتك؟ وفكاكٌ من قيدك؟

كيف لذاكرتي أن تحتفظ بفعلٍ فعلته خارج إطارك؟ وكيف لأجهزة شعوري أن تلتقط متعةً حدثت دون عامل الاستمرار؟ وهل الاستمرار إلا زمنٌ نَعِيهِ ونعيشه؟ وهل السعادة إلا ثوانٍ نقضيها؟ وهل الحياة إلا نبضات قلوب، وعقارب؟

يا للخيبة!

الآن فقط أعرف كم كنت ساذجاً، كم كنت مخطئاً، لا ينبغي للزمن أن يتوقف، بل عليه أن يستمر، أن يستمر، أن يمضي بنا وبأعمارنا وحيواتنا إلى المجهول، إلى القدر، إلى المصير.

الزمن علامة الوجود ودلالة الحس والإدراك، ورأس مال العمر، فيه نسعد ونحزن، فيه ننطق ونصمت، فيه نضحك ونبكي، فيه نكره ونحب.

الزمن سماءٌ فوقنا وأرضٌ تحتنا، وهواءٌ نتنفسه، وهل الحياة غير هذا؟

بدأت أستعيد وعيي من جديد، أستطيع الآن رؤية الساعة الضخمة معلَّقةً على الجدار، ثابتةً لا تتحرك، صامتةً لا تنبس ببنت عقرب، لسانها المتدلي توقف عن الترنُّح وعقاربها لم تزل عاجزةً عن الحركة.

خرجتُ من عالمي الأثيري وعدتُ مجدداً إلى حقيقتي، وأمامي جدارٌ وجثَّة ساعة، ووقتٌ ميت.
 
 

* * *
 
 

لحظاتٌ مضت، وكنت أحمل تلك الساعة بين ذراعيَّ وكأنها طفلٌ رضيع، وأدسُّ لها في ظهرها بطاريةً جديدةً انتفض لها عقرب الثواني، واستأنف من جديدٍ مهمته المقدسة، نزولاً وصعوداً، ودوراناً يسحب به عقربيْ الدقائق والساعات، مستأنفاً تنزيل برامج القدر وملفاته ومهامه المجدولة.

نظرتُ إلى ساعة معصمي، ثم بدأت أدغدغ تلك الأسطوانة الصغيرة خلف الساعة الكبيرة، عبثت بعقاربها كما يحلو لي، لم أنخدع باستسلامها بين يدي، إنها لن تغير لون السماء التي تظلني لو ضبطتها على توقيتٍ مختلف.

إن في العالم الكثير الكثير من العقارب الجادَّة التي ترسم بإخلاصٍ دوران كوكب الأرض، وتعكف باستماتةٍ على تسجيل رحلاته السنوية حول الشمس، ضبطتُ عقارب الساعة الجدارية الكبيرة على الوقت الحالي، الحالي والوحيد، والذي لا فرار منه أبداً، ألقيت عليها نظرةً أخيرةً للتأكد بأنها تعمل.

أعدتها من جديدٍ إلى مكانها، علَّقتها على ذلك الجدار كما كانت من قبل.

ألقيت نظرةً فحصتُ بها المكان من حولي.

ثم انصرفت…

Advertisements

8 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. سأقول كما قيل في إحدى المشاركات..
    إن أحدا لن يكتب عن عقارب الساعة منذ وجدت وحتى الآن
    لن يكتب أحد أفضل من هذه الكلمات,,
    أنصحك بعرضها في الجرائد والمجلات أيضا..

    ماشاء الله تبارك الله..

    • أهلاً وسهلاً ومرحباً بك أختي الكريمة ليهاو كيف حالك ؟

      ما أسعدني بمرورك هنا وما أسعدني بكلماتك الجميلة وإن كنت لا أستحقها بتاتاً لكنها من طيب أصلك ^_^

      جزاك الله خيراً 🙂

  2. من أروع ما قرأت..

    سعيد أني كنت هنا.. وكن على يقين أني سأبقى إن شاء الله..

    مع ودي..

    • مرحباً بك أخي العزيز خالد ..

      سعيد لمرورك الجميل هنا ^_^ .. أشكرك جزيل الشكر 🙂

      ومرحباً بك في أي وقت ^_^

  3. السلام عليكم
    اخي انس كيف حالك ؟
    حقيقة انت تظلم نفسك
    مثل هذه الكتابات لا يجب ان تتوقف هنا يا انس
    كما قالت صديقتي قبلي يجب ان تعرضها للجرائد
    صدقني انا مبهوره حقا ماشاء الله كلامك يفوق الوصف
    رااا جدا لدرجة انني جلست اقرأ فيه اكثر من ساعه
    من شده اعجابي به
    فعلا اتمني ان لا تتوقف عند النت
    لانك هكذا تحرم اناس كثر من قراءة كلامك الرائع
    بالتوفيق دائما وابدا اخي
    واسفه علي غيابي الطويل لكن حقا امر بظروف قاسيه واحتاج دعواتك جدا
    رجاءا لا تحرمني من هذا الدعاء
    اشكرك علي كلامك الذي اسعدني كثيرا
    في امان الله

    • وعليكم السلااام ورحمة الله وبركاته

      مررحباا بك يا رزاان كيف حالك ؟ ^_^

      كانت مفاجأة رائعة أن أراك هنا .. 🙂

      .

      ومن دواعي سروري أن ما كتبته أعجبك .. وبصرااحة أفضل نشر ما أكتبه هنا وسماع آراء أصدقائي الأعزاء الذين أحبهم وهذا فقط – إن تحقق – أفضل لدي من ألف جريدة ^_^

      .

      أنتظر عودتك إلينا يا رزان فقد اشتقنا إليك .. وأسأل الله أن يخفف عنكم ويسهل كل ظروفكم 🙂

      في أمان الله

  4. ما أروع هذه الكلمات أنا أيضا في حياتي كلها لمم اقرأ عن العقارب و حكايتها و أبدا لم أكن أراها ماكرة كانت دوما تبدو لي بلهاء في دورانها و كما ذكرت سالفا لو علمت بموضعها و دورها لتجمدت في مكانها من هول الصدمة شيء واحد أخير دقاتها القديمة كانت تصيبني بالصداع و أحيانا كانت تؤنس وحدتي أما الآن فدورانها الرشيق يصيبني بالغثيان هكذا فضلتها صامتة تمر بدو ن قطع ولا لصق فإذا عملت صالحا فخير و إذا أسأت فعسى أن يغفر لك الله و لنا جميعا و الدليل على أن كتاباتك لها وقع فٌقد سحبتني من بين سطور الاقتصاد الوطني و ها أنا عائدة إليها و أخيرا مرة أخرى أتمنى أن أجد الدعم مثلك للخربشة على النت……

    • منى في مدونتي ؟!! يا أهلاً وسهلاااااا ومرحباً كيف حالك ؟ 🙂

      كم أسعدتني زيارتك وتعليقك الرائع وأتفق معك في ما ذكرتِ … أما عن الدعم فأنا أيضاً لم أجد دعماً سوى تشجيع أصدقائي الأعزاء وكفى به دعماً .. 🙂

      .

      توكلي على الله وخربشي على النت ونحن معك نتابع ما تكتبين ^_^

      أشكرك 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: