عذراً أيها القلم ~

06/12/2009 عند 20:33 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 10 تعليقات

.

.

– [ في وقت متأخر من الليل فتحت صفحتي الافتراضية القابلة لإعادة الكتابة .. وأرسلت أصابعي تنقر على هذه اللوحة المعدنية الباردة .. لست أدري ما الذي حملني على فعل هذا !

دائماً كانت الكتابة طقساً له شروطه ومقدماته .. لكنني الآن أكتب دون سابق إنذار ودون أن أعرف ما إذا كنت سأنشر هذا أم لا .. أم أنني سأكتب عدة أسطر ثم أمسحها فجأة وأتسلل هارباً بخجل من شاشة حاسوبي .. كما فعلت كثيراً في السابق … ]

.

لا أحب الحديث بكثرة عن نفسي .. وماذا يهم الآخرين في القراءة لشخص لا يكتب إلا عن نفسه ؟! لكن فِعل الكتابة هذا هو أصعب تحدٍّ أواجهه .. وأعتى خصم أقارعه في حالة ضعف أمر بها كثيراً ..

هل الكتابة قناع نحجب به مواطن ضعفنا .. أم مخدّر ينسينا لبعض الوقت من نحن في الحقيقة .. هل الكتابة شماعة نعلق عليها أخطاءنا أم مصباح نضيء به أظلم الزوايا في نفوسنا ؟

إذاً هي إثم نقترفه ! عندما يصبح ما نكتبه مجرد أخطاء مقنّعة .. ومجرد أحوال نفسية منحطّة ننفخ فيها من أساليب البلاغة ما يجعلها ترتفع محلقة في السماء .. فيظنها الجاهل مناطيد بوسعها أن تحمله بعيداً عن هذه الأرض الشائكة التي لم يعد فيها متسع لحزنه وجموحه .. وطغيانه …

.

* * *

.

زكام خفيف تسلل إليّ من باب الغرفة المفتوح في هذا البرد القارس .. وأنا مستمر في تسويد هذه الصفحة متحدياً عدم تحقق الشروط اللازمة لفعل ذلك .. لا أعرف كيف سيخرج هذا النص في شكله النهائي .. ولا أعرف من أين سأستمد أفكاراً أروي بها ظمأ الكتابة الذي أصابني اليوم ولا أدري لماذا !

هل أُصبت بمرض الكتابة يا ترى ؟ .. وهل صحيح ما أخبرني به البعض أن حروفي اتخذت في الآونة الأخيرة شكلاً مغايراً عما تعورفت عليه في السابق ؟! مازلت شخصاً لم يتكوّن أسلوبه بعد .. ومازال أسلوبي جنيناً لم يحن موعد ولادته المتعسرة حتى الآن .. ولا تُرى منه سوى ركلات عشوائية هنا وهناك .. فهل سيكمل عدّته ليخرج إلى الدنيا أم أنه لن يولد إلا ميتاً مكفّناً باليأس والخيبة ..

.

طريقتي في إمساك القلم مختلفة عن البقية .. حتى أن البعض يظنني من الوهلة الأولى أعسراً ! إلا أنني لست كذلك لكن طريقة جلوس القلم على كرسي أصابعي غريب بعض الشيء .. من المفارقة أن تتعسر على قلمي حروف اللغة العربية التي لا أخطّها على الورق إلا نادراً .. بينما لا أحتاج للنظر إلى أزرار لوحة المفاتيح أثناء الكتابة حتى أعرف مواقع الحروف ..

.

* * *

.

عذراً أيها القلم العظيم فقد أسأنا إليك وظلمناك حقك .. واستبدلنا رقصك الرشيق على الورقة الصغيرة بنقرات على هذه الآلة الصمّاء ..

وعذراً أيتها الورقة الحنون فلم نجعلك في حياتنا سوى شيئاً تافهاً يسهل استبداله .. حبسناك في الآلات الطابعة ومارسنا عليك هناك أنواع التعذيب قبل أن تخرجي منها مرهقة ملطخة بحروف كتبها قلم مزيّف !

إنها جريمة نكراء أن نحول بين الحبيب وحبيبه …

.

* * *

.

هل نعي نحن أبناء الجيل الجديد خطورة ما نفعله ؟ وجحود ما نعتبره من المسلّمات البديهية …

لم نوجد في زمن يُغرس فيه رأس الريشة في المحبرة الوقور .. وينطلق بعنفوان يصول ويجول على الورقة الصفراء المهترئة على ضوء شمعة خافت .. ثم تُترك الورقة لتجف قبل أن تمتد إليها يد .. وإلا فلن تغفر الورقة هذه الجرأة إلا بتدمير نفسها وتلطيخ اليد التي امتدت إليها قبل أن ترضى وتسلّم بما كُتب على صفيحتها .. فإن جفّت كان من العسير مسحها أو تدارك ما قد يكون وقع من الخطأ أثناء الكتابة عليها ..

ولم نوجد في زمن لم يكن فيه للكتابة سبيل إلا عبر قلم جاف وورقة مطبوعة مزيّنة .. وحتى لو فقد القلم غرّته الريشية الذي تتمايل معه في رقصه .. وانخفض صوت صهيله حتى لا يكاد يُسمع .. وحتى لو فقدت الورقة جزءً من كبريائها وأصبحت أكثر تساهلاً في المسح وإعادة الكتابة .. إلا أن ذلك اللقاء الحميمي لا يزال قائماً .. ومازال رأس القلم يقبّل جبين الورقة ويترك فيه آثاراً أبدية لا يمكن أن تنمحي …

ليس غريباً أن يقدّر الكتّاب والشعراء حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم .. كيف لا وهم يدركون جيداً أن مداد القلم محدود .. ومساحة الورقة أكثر ضيقاً من أن تتسع لكل حماقاتهم .. ويدركون أيضاً أن كل قطرة مداد سالت على ورقة هي باقية فيها أبد الدهر .. لا تزول ولا تنمحي حتى لو لم تُنشر .. وحتى لو أتلفوها وجعلوها رماداً ينثرونه في الهواء .. لكن الكلمة التي تجسّدت وأصبح بالإمكان إدراكها بحاسة اللمس هي كلمة لا يمكن أن تنعدم …

.

لكننا جئنا في زمن أصبح فيه القلم وهماً .. مَجازاً .. وصورة كلاسيكية أصيلة نرمز بها لفن الكتابة .. وأصبحت الورقة مساحة بيضاء على شاشة إلكترونية .. لا تقاس بالعدد ولا تعترف بمفهوم المساحة .. قابلة للكتابة والمسح .. ثم إعادة الكتابة في أسرع من طرفة عين .. لم نكن نحتاج لأكثر من ثلاثة أصابع لنحكم قبضتنا على القلم ونربط الاتصال بينه وبين عقولنا .. ثم تنتقل سيالاتنا العصبية إلى شريان القلم الواحد فينزف على الورقة كلمات وأشكالاً انسيابية وسلسة .. ولم نكن نضطر لنترك القلم ونقطع الاتصال معه حتى في لحظات التفكير والتأمل بين سطر وسطر .. وفقرة وأخرى ..

والآن أصبحنا نحتاج لأصابعنا العشرة كاملة لتنهمر كالأمطار على لوحة المفاتيح .. ولتنفصل عنها في حركة غبية تقطع الاتصال بين أطراف الأصابع وبين الحروف ..

كيف استبدلنا رائحة الورق .. ولحن صرير القلم بهذه الطرقعات المزعجة التي تفسد سكون الليل وتشتت التفكير ؟ …

.

أعذرنا أيها القلم .. فهذه مقتضيات التطور وأدوات العصر الجديد .. ولعل عزاءك الوحيد أنك الآن صرت [ رمــزاً ] .. ولا يصير رمزاً إلا من كان عظيماً في زمانه …

.

* * *

.

أختم نصي هذا بعد قرابة يوم من بدايتي له .. مازالت الحروف تتمنّع علي فليس هذا ما كنت أنوي الحديث عنه في البداية ! يوماً بعد يوم أكتشف أن ترويض الحروف أصعب من ترويض الأسود ..

.

سأنشر هذا النص بعد تغييري للعنوان الذي لم يعد مناسباً .. لكنني مع ذلك سأهرب خجلاً من شاشة حاسوبي ..

أعلن هزيمتي أمام هذا النص ! ..

Advertisements

10 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. رائع رائع…

    كلماتك لا توصف بكلمات ..وتعابيرك لا تمدحها تعابير ..
    ابدعت فلم الهروب؟؟

    اتمنى لو اعود لامسك بقلمى من جديد …
    ربما هناك الكثير من الاشياء الجميله تحطمت بداخلى ..
    ولكن ربما استطيع ان الملم جراحى بداخلى واعود..

    من يدرى ..؟!

    كلماتك لمستنى بشده وحركت بداخلى احزانى ..
    ليت الامر يتوقف عند القلم فقط ..حتى هذه الازرار التى احرك اصابعى عليها الان..حتى هى تركتها ..

    هل ساعود لاعبر عما فى قلبى كما كنت ..

    اشعر بان الكتمان ارهقنى ..
    وتحمل الاحزان ادمى قلبى ..

    اتمنى لو اعود فعلا ..
    لن ياتى هذا الا بالعزم والاراده القويه …
    فحياتنا ليست كلها احزان ..

    فقط ..دعواتك يا اخى الاكبر ..

    اشتقنا اليك واتمنى لو تعود ايامنا …

    احييك على ابداعك…
    فى امان الله

    • رزااان صديقتي العزيزة هنا يا للمفاجأة ^_^

      أرحب بك في مدونتي وأسعدني تعليقك كثيراً وأسعدني أن كان لكلماتي وقع جميل في نفسك .. ونعم يجب أن تعودي لتعبري عن نفسك كما كنتِ من قبل فليس هناك ما يمنع على الإطلاق ! .. حياتنا كما قلتِ ليست كلها أحزان وأتمنى أن أراك دوماً بنفس الروح المرحة التي عرفناك بها 

      أشكرك مرة أخرى ^_^

  2. أعلن هزيمتي أمام ما تكتبه !

    • سيرين أهلاً وسهلاً ومرحباً بك من جديد .. أسعدني جداً مرورك الجميل وأخجلتني كلماتك القليلة .. شكراً جزيلاً لك وتسرني جداً متابعتك لما أكتب ^_^

      شــكراً .. 

  3. رغم ان ما قلته صحيحا و خصوصا في طريقة ترويض الحروف و اشكالية البدء في موضوع لتجد نفسك في موضوع اخر و هكذا دواليك لا انني احبذ الكتابة على تلك الالة الصماء كما سميتها الا نادرا .. فالقلم و الورقة يبقى المنفذ الامثل لتهرب به بعيدا عن كل تعقيدات الحياة التي نعيشها بما في ذلك زخم كل هذه التكنولوجيا التي تنسينا حتى السكون هنيهات لانفسنا .. ومع هذا و ذاك تبقى شغف الكتابة و مشاطرتها مع اناس لديهم نفس الاهتمام بها من اجمل ما يسعى الواحد منا لتحقيقه ..

    اما انا فاعلن هزيمتي من عدم وجود المفردات المناسبة للتعبيير عن كل ما يجول في خاطري ..

    لكن احمد الله على ان من يتقن الكتابة ليعبر عني و عن العديد ممن تختلجهم نفس هذه الخواطر … برافواا مسيو انس

    • شكراً جزيلاً لك أخي العزيز بلال على هذا التعليق وأسعدني كثيراً مرورك .. 🙂

      .

      هذه الآلة الصماء غيرت الكثير .. أصلحت الكثير وأفسدت الكثير ..

      ولا داعي لأن تعلن هزيمتك بل أنت تستطيع الكتابة إن أردت ذلك ..

      أكرر شكري ومرحباً بك في أي وقت ^_^

  4. لكم التحية أخي الحبيب …

    أولا يكفي أنه قال …

    [ ن ، و القلم و ما يسطرون ]

    و الأقلام في أيدي أصحابها أكرمها من أكرمها … و أهانها من أهانها …

    و الغريب أنها لا زالت تتمنع عنكم …

    هداها الله و هدانا … لكل خير …

    ابن الفاتح … و مرور مستعجل ^^”

    • مرحباً بك أخي العزيز .. لكم أسعدني مرورك الرائع من هنا … أشكرك جزيل الشكر 🙂

      وأتفق معك في كل ما قلته ^_^

      مرحباً بك في أي وقت ^_^

  5. السلام عليكم..

    مرة أخرى نكون مع تحفة جديدة من إبداعاتك أخي الكريم..

    نص رائع جداً.. يتمازج فيه نبل الفكرة وروعة الأسلوب ليكوّنا حروفاً تأخذ الذهن معها بعفويّة إلى واحة الأصل الكامن في صفاء ما هو أصيل..

    وهل هناك غيرُ القلم الذي تجتمع فيه صفات الأصل الأصيل، وما أعجب منه هنا هو تلك التوافقية العجيبة التي تولدت بيننا وبين مفاتيح هذه اللوحة حتى صارت تستأثر بحروفنا وتحجبنا عن رونق تلك الجماليّة الحقيقة المنبعثة من عبق الفعل الأصيل؟!!

    ربّما لانَّ مقاليد الأشياء في عصرنا اختلفت عما كانت عليه.. ولكن بالطبع يبقى الجوهر هو الأساس، فجوهر الحروف هو بما تحمل..

    وحروفك لامست الوجدان لتحمله معها إلى أفق النظم المزدان..

    دمتَ للإبداع عنوان ..

    • وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

      نعم هو كما قلتِ في تعليقك الجميل : يبقى الجوهر هو الأساس ، فجوهر الحروف هو بما تحمل ^_^

      مرة أخرى أكرر شكري الجزيل لك على المرور … 🙂

      وفّقك الله ..


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: