خطاب الروح ~

12/11/2009 عند 23:55 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 8 تعليقات

music copy

.

-[ ~ رسالة إلى الباحثين عن مواطن الجمال … ]

.

.. كثيراً ما يحصل لي أن أحس بأنني صرت شبحاً أرى ولا أُرى ! فأجد نفسي أراقب الناس وأتفرّس في ملامحهم .. أراقب تصرفاتهم .. أفعالهم وردود أفعالهم .. حتى أظن أنني لست واحداً منهم .. لست معنياً بما يعنيهم ولا تربطني بهم أية علاقة ! فأجد أن معظمهم بعيدون كل البعد عن معرفة مواطن الجمال في الحياة .. بل بعيدون حتى عن محاولة استقصائها وتلمّسها .. فكيف يعرف هؤلاء أنفسهم فضلاً عن أن يعرفوا محيطهم ؟! ما رأيته كان أرواحاً هائمة لا تلوي على شيء .. والدنيا كلها سوق اقتربت ساعة انقضائه !

لكن .. لا ألبث مستغرقاً في حالتي هذه حتى تغلبني جاذبية الأرض فجأة ! فأعود إلى جسدي .. وأجد أنني في غاية التعطش للبحث عمّن هم مثلي .. يبحثون عن الجمال …

.

* * *

.

~ الحروف ~

.

-[ تسعة وعشرون حرفاً هي حروف لغتنا العربية .. يُلبسها الكُتاب أفكارهم ويرصّونها بعناية ويهدونها لغيرهم .. يستقبلها الآخرون بعيونهم وتترجمها عقولهم .. فتتخاطب الأرواح ! .. قلّي ماذا تقرأ .. أقل لك من أنت … ]

كثيراً ما يُعجب الناس بالحروف والكلمات .. فيدمنون على القراءة وتنتشي نفوسهم بتدبر المعاني .. إن عدد الحروف محدود جداً .. وهي الحروف نفسها تتكرر في كل ما يُقرأ .. لكن الكتابة نوع من خطاب الروح ..

تتراكم الأفكار في رأس الكاتب فينقحها ويرتبها .. ثم يمسك قلمه فيجّسدها حروفاً وكلمات .. تتناغم الجمل والسطور لتسمى أسلوباً .. تتكاثف الفقرات لتصبح نصاً يخاطب وجدان القارئ وخفايا نفسه ..

إن الكتابة خطاب للروح … فلماذا إذاً يُعجب القارئ بحروف وكلمات منثورة على الورق ؟! بل إنه يقرأ في المكتوب أجزاء من نفسه وخطاباً يتغلغل في خفايا روحه .. فيندهش من وجود شخص آخر يفكر كما يفكر ويتأمل كما يتأمل .. بل ويجيب عما استشكل عليه ويضيف مع كل فقرة يكتبها لبنات جديدة في بنيان نفسه … قلّي ماذا تقرأ .. أقل لك من أنت …

من الناس من يحب قراءة المواعظ والنصائح .. فيميل لكتابها ويطرب لأسلوبها .. ومنهم من لا تؤثر به سوى الروايات والقصص المحبوكة .. وهناك من لا يجد نفسه سوى في التقارير والمقالات الإخبارية الرسمية .. وهناك من يعود بالزمن إلى الوراء مع حكايا التاريخ وأخبار القدماء .. ومنهم من يهيم مع أشعار الغزل وقصائد الحب ومسارح الخيال … وهناك من يستكشف ما تمخضت عنه قرائح الفكر .. ويتنزه في عقول الناس ..

يختلف القراء بقدر ما يختلف الكُتاب .. وما الكتاب سوى امتدادات للقراء .. تربط بين أرواحهم روابط لا يشعر بها سواهم .. وهنا تحصل السعادة .. عندما تجد أن هناك شخصاً قادراً على أن يغوص في أعماق أعماقك .. ويستوعب خفايا ما تفكر فيه .. فيقوم بكشفها وإخراجها .. ثم تجسيدها بحروف وكلمات …

وستظل الكتابة لغزاً …

.

* * *

.

~ الموسيقى ~

.

-[ سحر ويا له من سحر .. عندما تتحرك الأصابع الرشيقة بتناسق مدهش على المفاتيح والأوتار .. فتصدر ألحاناً تخاطب وجدان المستمع وتتمايل بحسب تضاريس نفسه العميقة وعقله الباطن .. خطاب الصوت المصنوع أكثر غموضاً من خطاب الحروف المكتوبة .. لكنه أبلغ في التعبير وأشد في الارتباط .. قلّي ماذا تسمع .. أقل لك من أنت … ]

مازلت لم أفهم بعد كيف يستطيع الملحنون كتابة الألحان .. وكيف يستطيع العازفون عزفها .. لنبتعد الآن عن عالم الموازين والمقامات والنوتات .. ولنعد إلى الأصل الذي ليس قبله أصل .. إنها الفكرة الآدمية .. إنه الشعور الإنساني الذي يختلج في أعماق النفس .. والذي لا ينتبه له سوى ذو حس مرهف .. وكثيراً ما شبهت الموسيقى بالإحساس .. بل وكأنها الإحساس نفسه مجسّداً بصوت ..

إن خلجات نفوسنا تتمايل يمنة ويسرة .. صعوداً ونزولاً .. رقة وحدة .. وكذلك الألحان الموسيقة النابعة من هذه الخلجات .. فأية عبقرية تلك ؟! أن يجسّد الإنسان مشاعره بصوت مسموع .. ولحن معزوف … قلّي ماذا تسمع .. أقل لك من أنت …

عاش البعض في الطبيعة وامتلأت عينه بالمساحات الخضراء الشاسعة .. وانسابت خصلات شعره مع النسائم العليلة المنعشة .. فأمسك القيثارة والناي وعزف بهما أجمل الألحان وأكثرها هدوءً وانسياباً .. وكأنها صورة تعكس انطباع نفسه المتأثرة بمحيطه الذي يعيش فيه .. وعاش البعض الآخر في زحام السيارات وزُكمت أنوفه بدخان المصانع .. وتعبت أجسامه من الجري والكد طوال اليوم في عصر من السرعة .. فلم يجد غير إمساك العصي والجلوس إلى الطبول .. واحتضان القيثارة الكهربائية .. لتنبعث أعنف الألحان وأكثرها صخباً وتطرفاً .. وكأنها صورة تعكس العواصف الهوجاء التي تعصف بالمحيط بقدر ما تعصف بنفس الإنسان وروحه …

ستظل الموسيقى لغزاً يحتاج إلى كشف .. وسيظل وقع أصواتها على نفس المستمع خطاباً خفياً من الروح إلى الروح .. وللناس فيما يعشقون مذاهبُ .. فذاك تطربه الألحان الهادئة العاطفية .. وآخر يسترجع الزمن مع الأغاني القديمة رافضاً كل جديد .. وآخر يعتز بوطنه ويهيم مع أغانيه القومية .. وذاك يلتمس التذكر والنصيحة في الأناشيد الدعوية .. وآخر يطلق العنان لنفسه الصاخبة فيصخب معها بأسرع الألحان وأشدّها إيقاعاً …

تختلف الأذواق .. تتقارب وتتباعد .. لكن الروابط بين المستمع والعازف تظل قائمة دوماً .. وكأن في داخل كل واحد منا لحناً يُعزف .. نكاد نسمعه ولا نميز حقيقته .. حتى يأتي الملحن فينفذ إلى أعماق خواطرنا ويستخرج منها تلك النوتات ويقدمها إلى العازف .. ليجسّدها أصواتاً وإيقاعات نسمعها .. ونجد فيها جزءً منا .. ثم نتساءل باستغراب كيف حدث ذلك ؟! …

وستظل الموسيقى لغزاً …

.

* * *

.

~ الصور ~

.

[ في عصر الصور أصبح كل شيء ممكن الحدوث ! برامج للتصميم .. خطوط وأنماط تنسيق .. خدع بصرية .. مواهب تنتج إبداعاً يخاطب أعماق الروح .. وذكريات مجسّدة ….. قلّي ماذا ترى .. أقل لك من أنت … ]

صور تلتقطها العين ويترجمها المخ .. وسرعان ما تتحول إلى انطباعات لا تلبث أن تصير مشاعراً .. كانت مناظر الطبيعة ومازالت أجمل خطاب للروح .. يفهمه المتأملون والعشاق .. ويستلهمون منه مشاعر تتغذى منها نفوسهم .. ثم لم يلبثوا أن اخترعوا آلات تصوير تحبس الظل وتخلّد الذكريات .. وما أجمل أن تتجسّد الذكريات في صورة تمسكها بيديك وتراها بعينيك ..

زوايا تصوير .. درجات ألوان .. تعتيم وإضاءة .. والنتيجة رسالة صنعها الإنسان ليقدّمها إلى الإنسان .. رسالة لا تحتاج إلى الحروف لتوصل مغزاها للمتلقي .. بل حتى عناصر الصورة نفسها قد لا تكفي أحياناً .. إن لم يكن هناك ترابط أرواح مسبق …

مازال العالم يتكلم بالصور .. ومازالت الصورة الواحدة على صغر حجمها قادرة على تعويض صفحات وصفحات من الحروف والكلمات .. ويظل الناس مختلفين فيما يحبون أن يروا .. وبصدق أقول .. قلّي ماذا ترى .. أقل لك من أنت …

لتصميم الصور مجال من الإبداع .. واختلاف الناس في أذواقهم كاختلاف الصور في مضامينها .. وكأن كل صورة هي إسقاط لنمط تفكير معين .. وخلجات نفس مختلفة .. فهناك من يحلّق مع الصور الطبيعية الخلابة .. يركض في مساحاتها ويسبح في مياهها ويحلق في هوائها .. وهناك من يتكئ ضاحكاً على أطرف ما التقطته آلة تصوير .. أو صممته يد إنسان .. وهناك من يجد نفسه في التصاميم الغامضة حيث تطفو على السطح أعمق الخواطر .. ومازال الناس يُعجبون بالمصممين وينبهرون بقدرتهم على استخراج أعمق ما يختلج في أنفسهم من الخواطر .. وتجسيدها بصور مركبة وألوان موزعة بعناية وخطوط صُنعت خصيصاً لمخاطبة الأعماق …

لكل واحد منا خيال يصوّر .. صوراً نكاد نراها ولا نميّزها .. فيأتي المصمم ليجسّدها لنا صورة تُرى .. فأي إبداع وأية موهبة !

وسيظل تصميم الصور لغزاً …

.

* * *

[ كتابات تُقرأ .. موسيقى تُعزف .. صور تُرى .. هل أوفينا هذه الفنون حقها ؟ إنها شيء أكثر مما نحلم به .. إنها مشاعر مجسّدة .. إنها المحسوس يتحول إلى ملموس ! .. إنها ألغاز صغيرة تتظافر لتكوين اللغز الكبير .. إنه ….. ]

.

~ الإنسان ~

.

[ جسم يُرى .. صوت يُسمع .. كلام يُفهم .. وروح لا يعلم سرّها سوى الله … قلّي من تصاحب .. أقل لك من أنت … ]

الإنسان يكتب .. الإنسان يعزف .. الإنسان يرسم ويصمم .. الإنسان هو اللغز الكبير الذي تنبعث منه كل الألغاز الصغيرة التي حير بعضها العالم بأسره ..

إنه الإنسان الذي نراه كل يوم يغدو ويروح من حولنا .. إنه الإنسان الذي نمضي معه أجمل أوقاتنا وأتعسها .. إنه الإنسان الذي نحب ونكره ..

إنه الإنسان الذي نبحث عنه ليملأ فراغنا .. أو ليكون نصفنا الآخر وكأننا بدونه مجرد نصف ! الإنسان في حد ذاته ببساطته وتعقيده .. بوضوحه وغموضه .. بخيره وشره .. أكبر خطاب للروح وأشسع موطن للجمال يمكن أن نجده .. عيونه أجمل صورة تُرى .. كلامه أفضل نص يُقرأ .. وصوته أعذب موسيقى نسمعها ..

الأرواح جنود مجندة .. تتعارف بعضها فتتآلف وتتكامل .. وترتقي معاً في درجات السعادة .. وتتنافر بعضها فتختلف وتتباعد .. وقد تهوي معاً في دركات التعاسة .. وما السر إذاً وراء كل هذا ؟ لماذا نحب ولماذا نكره ؟ لماذا نتعارف ونتنافر ؟ ..

إنه [ خطاب الروح ] ..

خطاب الروح هو الذي يجمع الطيبين معاً والأشرار معاً .. ومازال الإنسان يبحث دوماً عن من يجد فيه أجزاء من نفسه يتفاهم معها .. فيسكن إليها ويطمئن قلبه .. ومازال ذلك واقعاً في المشيئة عندما نوقن أن المرء على دين خليله .. وأن الخبيثات للخبيثين .. والطيبات للطيبين ..

قلّي من تصاحب .. أقل لك من أنت …

.

وسيظل الإنسان لغزاً ليس بعده لغز …

[ وفي أنفسكم .. أفلا تبصرون ؟! ]

Advertisements

8 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. :بكاء:
    واعر مع راسك ..
    نص في قمة “الجمال” ..
    “قد” أعود ..

    • 🙂
      شكراً جزيلاً لك سيرين على هذه الاطلالة الجميلة ^_^
      وأنا في انتظار عودتك حتى لو وضعت ( قد ) بين مزدوجتين 😀

      أشكرك .. ^_^

  2. -[ وفي أنفسكم .. أفلا تبصرون ؟!
    سبحاااان الخالق

    …..
    اهنيك على هذا الطرح الاكثر منراااااااااااااائع
    كتاباتك رااائعه فعلااا
    انا متابعه عن بعد هااا
    اتمنى لو ارى كل يوم مقالا جديدا وابداعا وتميز كما تعودنا منك

    • مرحباً بك أختي وشكراً جزيلاً على هذا التعليق الطيب ^_^

      من دواعي سروري أن التدوينة أعجبتك وأتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظنك ..

      تسرني زيارتك في أي وقت 🙂

  3. أواه أواه …

    فكرة تراودني كلما سمعت لحنا أو رأيت صورة أو شممت طيبا …

    لعله اجتماع الأحاسيس ممثل في الكتابة فقط ممكن ليكون لغة لكل من لا يفقه في اللغات الأخرى …

    و إن كانت الألحان هي الأخرى لغة و كذلك الصور و غيرها فالعين تبصر و الأذن تسمع … و الكل يحكي قصة حياته …

    ابن الفاتح … و مرور مستعحل آخر … 🙂

    عذرا على العجلة فالوقت لا يسعف و القلب لا يرضى أن يمر بلا تعليق … و لو كان حد الكفاف … ^^”

    • ما أجمل كلماتك أخي العزيز وأجمل ما فيها أنها صادقة ..

      مرورك أسعدني كثيراً فجزاك الله خيراً وأصلح حالك ^_^

      وأرحب بك في أي وقت وحين 🙂

  4. السلام عليكم..

    ما أجمله من خطاب ذلكَ الذي جعلَ النفس تهيم بين ثنايا حروفك لتتوحد مع صدى وقعِ الحرف في كينونة الذات التي ما تلبث أن تستنشق عبق الانتشاء المنبعث من زوايا هذا النسق الحسيّ الفريد..

    لا أملك سوى أن أقول.. حرفٌ راقٍ جميل يفوق الوصف..

    دمتَ ودامَ نبض قلمك خطاباً للروح..

    • وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

      جزاك الله خيراً أختي الفاضلة .. لكم تسعدني كلماتك ^_^

      ويسعدني أكثر أن هذه الحروف المتواضعة نالت رضاك 🙂

      .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: