إلى رحمة الله ..

23/08/2009 عند 14:16 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 8 تعليقات

.

[ هاج الناس وماجوا ، وتعالت صيحاتهم ، كنت واقفاً بينهم جاحظ العينين متجمد الأطرف ، من هول ما رأيت … ]

عشنا أمس أول أيام رمضان ، وهو يوم له طابعه الخاص ومشاعره المميزة ، إرتفع صوت المأموم بعد انتهاء صلاة الظهر قائلا : ” صلاة الجنازة رحمكم الله ، جنازة رجل ” وفي الحين تعالت أصوات المصلين الذين غص بهم المسجد : ” اللهم اغفر لنا وله ” ..

جنازة في أول أيام رمضان ، ذكرتني بحادث شهدته لم أشهد قط مثله في رمضان الماضي ..

لإمام مسجد حينا عادة تتكرر كل رمضان ، وهي أنه يعطي درساً قصيراً في الوقت ما بين أذان الفجر وإقامة الصلاة ، جلسنا نستمع الدرس باهتمام ولم يحصل أي شيء مثير للانتباه ، إنتهى الإمام من صلاة الصبح وخرجنا من المسجد عائدين إلى بيوتنا ، لكن ما لفت انتباهي وجود تجمع غريب قرب باب المسجد الخلفي ، أردت استكشاف الأمر ويا لهول ما رأيت ، كان رجلاً ميتاً ، ملقى أمام باب المسجد والناس متجمعون من حوله ، قام أحدهم بسحبه حتى أسنده إلى الجدار وقال متأثراً : ” إنه ميت ” ، هاج الناس وماجوا وتعالت صيحاتهم : ” الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ! ” ، إرتفعت الأصوات وكثر اللغط ، وما هي إلا ثوانٍ حتى شهد المكان تجمعاً غفيراً ، كنت واقفاً بينهم جاحظ العينين متجمد الأطراف ، لأول مرة أرى رجلاً ميتاً أمام عيني !

لم يعرف أحد ما الذي ينبغي فعله ، ومما زاد الأمر تعقيداً أن أحداً منا لم يعرف الرجل ولم يسبق لأحد من المصلين أن رآه من قبل ، الواضح أنه كان ماراً من هناك فقط ولم يكن يصلي في ذلك المسجد بالذات ، كان ملقى على الأرض وعيناه محتقنتان وزبد أبيض يملأ فمه ..

وبينما نحن كذلك إذ أخبرنا من كان يجلس إلى جواره في المسجد ، أن الرجل كان في حالة طبيعية تماماً ، وفجأة بدأ يسعل ويسعل ، واشتد سعاله ، وخرج مسرعاً من المسجد وسمعه بعض من كانوا قريبين من الباب دون أن يروه ، يسعل بشدة ويصرخ بأعلى صوته : ” الله ! يا الله ! يا الله ! ” وفجأة انقطع صوته …

وما هي إلا لحظات ، حتى كانت سيارة الشرطة تقف قرب باب المسجد ، وبسرعة وُضع الرجل في حمالة ونُقل بعيداً ..

كانت صدمة ، وموعظة وذكرى ، وكفى بالموت واعظاً ، تأملت حاله وهو ملقى على الأرض لا يستطيع الحراك ، جسداً دون روح ، فكرت في أنه كان ينوي فعل أشياء كثيرة في يومه ذاك ، وربما كانت له مشاريع ومخططات وأعمال عليه إنجازها ، لم يكن يعرف وهو في طريقه إلى المسجد أن تلك هي آخر طريق يسلكها في حياته ، فكرت حينها أن طريق عودتي إلى البيت قد تكون هي الأخيرة في حياتي أيضاً ، ومن يدري ! …

كثيراً ما نتعلق بالدنيا أكثر مما ينبغي ، كثيراً ما نغضب ، ونتصرف بأنانية ، نعصي ونخطئ ونسيئ الظن ، ويغيب عن خاطرنا أن ما نفعله الآن وما نسعى لفعله ، قد ينقطع في جزء من الثانية ، وها هو ذا رجل دخل المسجد حياً وخرج منه ميتاً ، في أقل من دقيقة فارقت الروح الجسد ، فارقته من دنيا فانية حقيرة منتهية إلى أخرى خالدة لا نهاية لها ، فهل من معتبر ؟! …

فيما بعد ، علمنا هوية ذلك الرجل – رحمه الله – وأنه كان يقيم في حي قريب ، والغريب فيما حدث أنه كان دائماً يصطحب ولده الصغير لصلاة الفجر في رمضان إلى مسجد حيهم ، لكن في ذلك اليوم تحديداً امتنع عن اصطحاب ولده وأمره بالبقاء في البيت ، ولسبب ما قادته قدماه إلى مسجد أبعد قليلاً ! فسبحان الله …

وطوبى له أن اختاره الله إلى جواره في شهر رمضان ، وهو في المسجد ينتظر الصلاة ، صلاة الفجر …

.

Advertisements

8 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. قصة مؤلمة..
    نعلمُ أن الموت يُلاحقنا في كل لحظات اليوم..
    لقد سمعتُ أن ملك الموت ينظر في وجه ابن آدم سبعين مرة في اليوم!
    هل نعتبر؟
    شكراً لك أخي

    • مرحباً بك يا أختي مزاجيات وأسعدني كثيراً تواجدك في مدونتي المتواضعة ^_^

      ونعم يا ليتنا نعتبر …

  2. أن نصدم جداً في الحياة مراراً، هو لأننا لا ننفك ننسى.
    ثم أن للحياة، نحتاج أن ننسى وجود الموت.
    هو كألم بشع في طرفك يُجبرك على بتر الطرف لإيقافه،..
    لذا، سريعاً ما ننسى، نتناسى، تلك المشاهد، من موت سريع.
    رحمه الله ..

    • فار كراي .. مرحباً بك يا صديقي كيف حالك ؟

      ما أسعدني برؤيتك في مدونتي الوليدة ^_^ ..

      نعم .. للحياة نحتاج أن ننسى وجود الموت .. لكن للموت نحتاج أن نتذكر وجوده .. وهو أولى ^_^

      شكراً لك .. 🙂

  3. ثم ماذا بعد؟
    يمر اليوم وننس الحكاية كلها، فنقبل على الدنيا بشراهة أكبر!
    صدقا، قلة من تعتبر..

    اللهم لولا رحمتك لكنا من الهالكين.

    • أهلااا السي محمد ( الطنجاوي ديانّا ) ^_^

      فعلاً المواعظ كالسياط لا تؤلم إلا ساعة وقوعها وزمناً يسيراً بعد ذلك .. والسعيد من اتعظ وجعل ساعة الموت نصب عينيه ..

      شكراً لمرورك أخي 🙂

  4. ما ابشع أن ترى احدهم يتردى أمامك ميتا بلا روح تحرك جسده.

    تحس بالضعف والعجز وكأن ما انجزته على مر سنين يذهب بلاقيمة في اللحظة تخطف بها أنفاسك.
    فلا النسبك ولا الجاه ولا الشهادات ولا المال والنجاحات ذات قيمة عند حلول تلك اللحظه.

    ولا يبقى سوى الذكرى الحسنه عند الناس ودعاءهم لك بالرحمه

    فلا حياة بعد تلك الحياة…

    قد رحمه الله رحمة واسعة وذلك بحسن خاتمته، حيث اختاره الله بجواره في الحظة كان هو لاجئا له ولرحمته في أحد بيوته الطاهره

    أحسن الله خاتمتنا آمين

    • نعم صدقت يا أختي أماني .. في تلك اللحظة ينقطع عملك إلا من ثلاث كما ورد في الحديث ..

      اللهم أحسن خواتمنا ..

      شكراً لك أماني على المرور والرد ^_^

      جزيت خيراً 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: