كلّية طنجة .. أساتذة أم تجار ؟!!
08/05/2010 عند 12:30 | أرسلت فى حياتنا | تعليقات
.
[ كُتبت يوم 08/05/2010 .. بعد اختبار المراقبة المستمرة لمادة الاحصاء ... ]
.
مهزلة ليس بعدها من مهزلة !! ومازال تجار كلية الاقتصاد بطنجة ينجحون بجدارة في إثارة غضبي النادر ورفعه إلى أقصى الدرجات بشكل يعجز عنه حتى أكثر الآدميين استفزازاً !
لم يكتفِ المدعو (الشرقاوي عبد الحي) بإجبار الطلاب – كعادته – على اقتنائه كتابه (القيّم) والوقوف بباب القاعة يوم الامتحان سامحاً فقط للطلاب الذين اقتنوا الكتاب بالدخول لاجتيازه ، ودافعاً الآخرين بيده الآثمة خارج القاعة مهما كانت الظروف والاعتبارات !! هكذا بكل دناءة ووقاحة وانعدام ضمير .. بل بلغت به الحقارة أن يحضر اليوم مجموعة من الكتب لوسط المدرج وأثناء الامتحان ! ليتمكن الطلاب الذين لم يقتنوا الكتاب بعد باقتنائه في عين المكان ..
إنه لمنظر مثير للغثيان أن يصرّ الأستاذ بكل ما أوتي من سطوة وسلطة على اقتناء الطلاب لكتابه كل عام ، حتى لو كان الكتاب في حوزتهم مسبقاً ، وحتى لو كانوا قد اقتنوه في العام السابق ولم يحالفهم حظ النجاح ليعيدوا دراسة المادة مرة ثانية .. وهو منظر مهين حقاً أن يتجول الأستاذ بين صفوف طلابه ليوقع – دون كسل – على كل كتاب .. فيبدو كالطفل الصغير الذي يتأكد من سلامة ألعابه أو كالبخيل عندما يعد دراهمه درهماً درهماً …
أتساءل إلى أي حد وصل انعدام الضمير عند أولئك التجار الجشعين الذين لا يفتؤون يمتصّون دماء الطلاب دون أدنى مراعاة لحالاتهم المادية والاجتماعية .. وإلى أي حد وصل انعدام الرّقابة حتى يصل التجار إلى هذا الحد من التبجح والاستغلال ؟؟!!!
ما أراه حولي يذكرني بالبيت الشعري : ” إذا كان رب البيت للدف ضارباً _ فما شيمة أهل الدار سوى الرقصُ ” ..
عندما يكون عميد الكلية نفسه أستاذاً يبيع كتابه للطلاب .. وعندما يكون أساتذة الجامعة بهذا المستوى المنحطّ من الأخلاق والضمير فإن الوضع يدعو للقلق حقاً !! هؤلاء هم الذين يجب أن يكونوا قدوة لطلابهم في المجال التربوي والأخلاقي قبل المجال العلمي والتحصيلي !! لكن نفوسهم الدنيئة تأبى إلا أن يقوموا بأنفسهم بتدنيس كرامتهم والدوس عليها بأقدام الجشع والتسيّب والغرور …
.
إن كنتم – يا معاشر التجار وحاشاكم أن تكونوا أساتذة – ماضون في تصرفاتكم الحقيرة هذه دون حسيب أو رقيب .. فإن عليكم حسيباً أنتم غافلون عنه ومتناسون أمره .. غيرَ آبهين بما أعده للظالمين وآكلي أموال الناس بالباطل .. ولعلكم لن تفيقوا من غفلتكم هذه إلا حين تقفون أمامه كما ولدتكم أمهاتكم .. حاملين لأثقال ذنوبكم غارقين في عرَق خطاياكم …
عليكم من الله ما تستحقون !!
سناء عكرود .. خطوة نحو الهاوية
25/10/2009 عند 00:44 | أرسلت فى حياتنا | تعليقات
-[ كثيراً ما منّيت نفسي بأن ساحة التمثيل في المغرب لم تخلُ بعد من المغاربة الحقيقيين .. رغم كل الصدمات التي نتلقاها باستمرار عند كل عمل جديد فمعظم الأعمال التلفزية والسينمائية الآن هي ليست أكثر من مسخ لا هوية له .. والآن صدمة جديدة من العيار الثقيل .. دفعتني لأكتب عنها رغم أن الموضوع بعيد عن ميولي ... ]
سناء عكرود .. الممثلة العفوية التي استطاعت أن تحبب كل المغاربة في أدائها الجميل .. والذي تجسد في أعمال تراثية قيمة استمتعت بها الأسر المغربية وأبرزها ( عويشة الدويبة ) و ( رمانة وبرطال ) .. إلا أنها كانت صدمة عنيفة ما رأيته وقرأته حول [ إنجاز كبير ] قامت به هذه الممثلة .. و [ خطوة جريئة ] أضيفت لرصيدها الفني الزاخر ..
لست ناقداً سينمائياً .. ولست حاضراً بقوة في المجال الفني .. ولا أتحدث – الآن على الأقل – من أي منطلق ديني أو سياسي أو فكري .. سوى أنني مغربي مسلم ولا أختلف بهذا عن سناء عكرود وعن غيري من المتابعين .. بل أتحدث من منطلق شخصي بحت .. وهو الغيرة على فن أسند لغير أهله .. أريد فقط أن أعبر عن استيائي من وجود [ عقليات متخلفة ] هي التي تقود عالم السينما والإنتاج الفني في عالمنا العربي .. وهي التي تحدد خطوطه الحمراء ومعاييره الأخلاقية ضاربة عرض الحائط كل ما له علاقة بالدين أو الأعراف والتقاليد بل حتى الأخلاقيات العامة ..
وها هي ذي سناء عكرود .. البالونة التي انفجرت .. والتي حفرت قبرها بيديها بعد أدائها المخجل في الفيلم المصري [ إحكي يا شهرزاد ] ( بطولة منى زكي وإخراج يسري عبد الله ) .. وأخيراً ها نحن نرى ممثلة مغربية كبيرة ومحبوبة لدى الجمهور المغربي تقبل بأداء مشاهد مخلة للحياء وبكل جرأة ووقاحة .. نعم إنها خطوة عظيمة رفعت رؤوسنا عالياً .. نعم قد آن لنا أن نفتخر بامتلاكنا لممثلات يفخر بهن بلدنا .. مبارك ! لقد تقدمنا خطوة نحو الأمام !
إنه من المخجل حقاً .. أن تفتخر سناء عكرود بتأديتها لمثل هذه المشاهد .. وأن تبرهن بها على أن المغرب أنجب ممثلين حقيقيين .. وأن تعتبر ما فعلته خطوة جريئة لها نحو الأمام في مسيرة الإبداع الفني .. وكأن معيار جودة الممثل هو جرأته على تأدية كل أنواع المشاهد ..
أحزنني حقاً أن تفكر ممثلة مثل سناء عكرود مثل هذا التفكير المختلف الرجعي الظلامي .. وما أعرفه أن أهل التمثيل والإخراج يجب أن يكونوا أكثر الناس ثقافة وانفتاحاً ومسؤولية لكن الموازين كلها قُلبت رأساً على عقب ..
نعم يا سناء سيفتخر بك بعض هؤلاء ( الظلاميين ) .. فالفيلم سيحصد جوائز كثيرة .. وستبلغ شهرتك الآفاق .. وستُفتح أمامك سبل النجومية واحدة تلو الأخرى .. ولم لا قد تصبحين ممثلة عالمية في المستقبل وتعملين مع المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي .. لكنك في النهاية خسرت أهم شيء .. خسرت احترام شريحة كبيرة من المغاربة لشخصك ولأدائك .. فقدت ثقة الجمهور بك ..
نحن لا نحتاج لمشاهدة الفيلم ونقده بمهنية واحترافية .. ولن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المبررات والحجج بعيداً عن المنظور الأخلاقي للعمل .. بل إن المنظور الأخلاقي هو أول ما نضعه في عين الإعتبار .. فإن صلح صلح العمل كله ..
عندما تطلبين أن نشاهد العمل أولاً قبل أن ننقده .. وعندما تقولين أنه من الخطأ أن يقترن الفن بالأخلاق .. نقول لك أن التخلف مازال مهيمناً على عقلك وعقل من زرعوا فيه هذه الأفكار الظلامية .. وهذا شيء طبيعي لأن الظلاميين هم فقط من يسيطر على عالم الفن والإنتاج الفني ..
أتمنى أن يأتي يوم تتمكن فيه [ العقليات المتفتحة ] من الإمساك بزمام المجال الفني .. السينما كمنبر إعلامي يغير عقول الناس .. يجب أن تكون فقط في يد [ المتفتحين ] الذين يعرفون للفن أخلاقياته السامية .. بعيداً عن أصحاب [ التحجر الفكري ] من المتخلفين والرجعيين والظلاميين الذين نراهم الآن في ثوب الممثلين والمخرجين والمنتجين ..
فيا للأسف …
وهل سهلٌ .. إضحاكنا ؟!
02/09/2009 عند 18:45 | أرسلت فى حياتنا | تعليقات[ هي صفعة تتكرر كل يوم على وجه المتفرج المغربي ، توقظه فجأة شارة نهاية ما يسمى ( مسلسلاً كوميدياً ) كان يتابعه منذ لحظات ... ]
وككل عام ، مازالت الأسر المغربية تتجمع حول مائدة الإفطار خلال شهر رمضان المبارك ، تبتلع بمرارة غصة ما يعرض أمامها من أشياء أسموها كذباً ( مسلسلات كوميدية مغربية ) ، وأنا أرى أن تلك الأعمال هي ( أشياء مغربية ) فقط فهي لا تستحق أن تكون مسلسلات فضلاً عن أن تكون كوميدية ..
كل عام تتكرر تلك المهازل والسخافات التافهة التي تُصرف في إعدادها الأموال الطائلة لتُفرض عنوة على المشاهد المغربي ، ما يثير غضبي ويجعلني أثور في وجه تلك الأعمال ليس فقط ضعف السيناريو والإخراج والتمثيل ، وليست سطحية المواضيع التي تقدمها لكنه ذلك الاستغباء للمشاهد والاستخفاف بعقله ، بالله عليكم هل يسع مغربياً أن يضحك على مشاهد من مسلسلات مثل ( هدا حالي ) أو ( لاباس والو باس ) الذي أفرط بشكل فظيع في الابتذال وثقل الدم حتى أصبح جديراً أن يصيب كل من يشاهده بالغثيان ، هل سيضحك المغاربة على مواقف سعيد الناصري الذي تتكرر كل عام في كونه ضيفاً ثقيل الدم على أسرة غريبة ، منذ سلسلته ( أنا وخويا ومراتو ) وحتى ( نسيب الحاج عزوز ) ، مروراً بفضلات إعلامية مثل ( الربيب ) و ( العوني ) !
هل سيضحك أحد على محمد الخياري الذي يعجن الكلام عجناً ليخرجه بصورة مشوهة تؤذي الأذن ، وليته كان كلاماً مضحكاً بل هي مجرد مصطلحات لا هدف منها ولا فائدة !
هل سيضحك المغربي بعد يوم شاق من العمل على مسلسل يعطي صورة سيئة عن الأسرة المغربية مثل ( عائلة محترمة جداً ) ؟ قائمة طويلة لا تكاد تنتهي ، مسلسلات تتكرر كل عام ، بل وتُضاف عليها مسلسلات أسوأ منها وقد تمادت في تقديم أسوأ صورة عن عبثية وانحطاط الإعلام المغربي العاري من كل قيمة أو هدف ..
* * *
لن أتحدث عن تكرار المواضيع المطرحة كل عام ، بل لن أتحدث عن المواضيع نفسها وما تزخر به من سطحية وتفاهة وعدم مسؤولية ، لن أتحدث عن السيناريو الذي قد يكون أي شيء عدا أن يكون تمثيلاً لمشهد الأسرة المغربية في حياتها اليومية ، كما لن أتحدث عن عبث الممثلين الذين يلوون أوجههم بشكل مثير للاشمئزاز ويلقون كلمات عابثة لا ترابط بينها ولا هدف ، تتخللها تلك الضحكات الصناعية المستفزة التي تزيد من غضب المتفرج وحسرته على مأساة كوميديا بلد يُعرف أهله بالظرف وخفة الدم ..
لن أتحدث عن كل هذا فقد تحدث عنه كثيرون قبلي ، لكن ما يجب أن نتساءل حوله هو هل القائمون على هذه المخلّفات الإعلامية يدركون حجم المسؤولية المنوطة على عاتقهم ؟ هل يعرفون حقيقة الأسرة المغربية وحياتها اليومية ، هل يعرفون فعلاً ما الذي يضحك المغاربة ؟ أكاد أجزم أن الجواب هو ” لا ” ، مهمة إضحاك المغاربة في التلفاز هي من أصعب المهام التي لا يمكن أن يقوم بها أياً كان ، لا سيما في زمن الكل فيه مشغولون بتحصيل لقمة العيش ولا وقت لديهم يضيعونه أمام مسلسلات تستخف بعقلهم وتجعلهم يظهرون بمظهر الأغبياء التافهين ..
في الماضي عشنا مع مسرحيات ومسلسلات جعلتنا ننفجر ضحكاً ، ولكم أن تذكروا أيام مسرحيات ( حسي مسي ) و ( العقل والسبورة ) و ( الرجل الذي ) ، ومسلسلات مثل ( زايد ناقص ) و ( عائلة السي مربوح ) ، كانت أعمالاً قام بإعدادها ممثلون جاؤوا من عمق الشارع المغربي ، ممثلون منحدرون من أحياء شعبية فقيرة ، ممثلون يعرفون لغة أبناء الشعب فيضحكونهم بها ، ضحكاً من الأعماق ..
كنا نشاهد في الماضي تمثيلاً من أعماق القلب ، من ممثلين يلبسون ثياباً رثة بالية ، ويتكلمون بلغة الواقع المعيش دون تصنع أو تنطع ، في تجسيد حي لهموم ومشاكل الشارع المغربي على حقيقته ..
أما الآن فنجد مسخاً لا يرتقي لكونه مجرد رصد واقعي لمشاهد الحياة اليومية ، فضلاً عن أن يكون عملاً كوميدياً ، ممثلون شباب أغلبهم من أسر غنية ، يلبسون أفخر الثياب ويمثلون في أفخر الشقق ، ويتكلمون تارة بعامية مصطنعة بعيدة عن لغة أبناء الشعب ، وتارة بفرنسية هجينة يدّعون بها أنهم على قدر من التفتح والمدنية !
* * *
إن من المفارقات فعلاً أن يكون هناك تناسب عكسي بين الجهد المبذول في مسلسل كوميدي مغربي وبين قدرته على إضحاك المغاربة ، فكلما كان العمل أكثر بساطة وعفوية في أدواته الإخراجية والتمثيلية كان أقدر على الإضحاك والعكس صحيح تماماً ، لذا فليس غريباً أن تكون فترة التسعينيات هي أفضل فترة تم فيها إنتاج مسلسلات مغربية كوميدية ودرامية ..
* * *
ربما عشنا بصيص أمل منحه لنا الفنان المبدع حسن الفذ في عمله الناجح ( الشانيلي تيفي ) من تأليفه وإخراج رشيد بوتونس ، والذي أخذ عن جدارة واستحقاق جائزة أفضل عمل كوميدي مغربي لسنة 2006 ، بعد أن أبدع حسن الفذ وزميله طارق البوخاري ونخبة من الممثلين في تقديم مواضيع جديدة ذات حمولة فنية وثقافية فريدة احترمت عقل المشاهد المغربي المثقف ، وارتقت بذائقته إلى ضحك هادف جمع بين الرؤية العميقة للمواضيع المطروحة وتقديمها في قالب فكاهي مناسب ، لكن يبدو أن بصيص الأمل قد اختفى مجدداً ، في غمرة ما يُعرض حالياً من كوارث تعجز عن أن تضحك طفلاً ،
فيا حسرتاه على فن ضائع ، أُسند لغير أهله …
في سيارة الأجرة …
14/08/2009 عند 01:02 | أرسلت فى حياتنا | تعليقاتكثيراً ما تساءلت ، لماذا لا يركب سوى ثلاثة أشخاص فقط في سيارة الأجرة الصغيرة رغم أنها تتسع لأكثر من ذلك ! بينما يضطر ستة أشخاص للتكدس في سيارة الأجرة الكبيرة رغم أنها قد لا تتسع لهم إلا بشق الأنفس ..
هل لأن السيارة الصغيرة مخصصة للأغنياء ممن لا ينبغي أن يتكدسوا كالسردين بينما الكبيرة مخصصة لعامة الشعب والهمج الرعاع ؟
يضحكني – بقدر ما يحزنني – ما أراه يومياً وما أحس به داخل سيارة الأجرة الكبيرة التي ابتليت بركوبها يومياً لأكثر من مرة .. وكلما ركبتها بدت لي مظاهر جديدة تشير لمدى التخلف والبؤس الذي نعيشه .. بحيث – وفي أفضل الأحوال – تأخذ مكانك في المقعد الخلفي من السيارة وتنتظر من سيأتي ليزاحمك من جهتي اليمين واليسار ، فيبدأ الناس بالمجيء من كل حدب وصوب ، يصعد الأول ويجلس بعيداً عنك وكأنه يريد أن ينعم بتلك الثواني المعدودة دون زحام ، ليأتي الثاني فيفسد متعة الأول ويفتح إحدى الأبواب (يمنى أو يسرى) – بحسب جنس الجالس ذكراً كان أم أنثى – ثم يجلس بجواره بعد أن ينتهي من مفاوضاته مع الثالث الذي طلب منه أن يتقدم هو أولاً لأنه سينزل في الطريق ! ثم يسرع ليضع أمتعته في صندوق السيارة ثم يعود ليجد أن المكان المتبقى له لا يكفي لجلوسه إلا في وضعية تختلط فيها عظامه بأضلاعه !
يتململ الأربعة الجالسون في محاولة يائسة للجلوس بوضعية مرتاحة ، بينما يحاول الإثنان الجالسان في المقعد الأمامي أن يسويا وضعهما المتأزم أيضاً ، فنجد أن أحدهما ملتصق بالباب بينما أطلق الآخر العنان لكتفه لتنطلق جهة السائق .. الذي يطلب من آخر راكب صعد أن يعيد إغلاق الباب لأنها مازالت (شبه مفتوحة) ، وبسرعة يلبي الراكب الأخير طلب السائق فيعيد فتحها ثم يخبطها بقوة مدوّية تهتز لها أركان السيارة ، فيرتاح السائق ويطمئن لبابه الذي أصبح الآن مغلقاً بإحكام !
هذا السائق المسكين ، والذي حفرت السنون الطويلة أخاديد عميقة في وجهه ، يصعد للسيارة بحالته المزرية وملابسه الرثة البالية التي ملأها الغبار وآثار الوحل ، بلحيته الشعثاء وشعره الأغبر الذي لا يأخذ أي اتجاه يمكن أن تحدده البوصلة ، وجهه لا يعبر عن شيء لأن ملامحه قد طُبعت على صورة من يقطب حاجبيه ويلوي خده احتماءً من الشمس حتى لو كان الجو ماطراً ! تمتد يداه العجوزتان إلى مفتاح السيارة فيديره ، ولك أن تتمتع برؤية ما يجمعه السائق في سيارته فوق لوحة التحكم من أشياء أكل الدهر عليها وشرب ، لافتة صغيرة مكتوب عليها دعاء جلب الرزق ، أو آية الكرسي ، سبحة ملأها الغبار (مما يدل على أن السائق لا يستعملها) ، ولافتة ممزقة مكتوب عليها (ممنوع التدخين) !
* * *
وأخيراً انطلقت السيارة ! وكم مرة استغربت كيف تستطيع سيارة مهترئة مفككة الأجزاء أن تنطلق ذهاباً وجيئة عدة مرات في اليوم ! إنطلقت السيارة ، وبدا الوجوم واضحاً على ركابها ممن ملأ الغبار خياشيمهم وهم لا يستطيعون التمتع بشيء حتى بالرؤية من النافذة ، فزجاج النوافذ مهترئ ومخدوش ويجعلك تحس أن ما تشاهده عبره فيلم قديم منذ عهد الستينات فما قبل ..
تنطلق سيارة الأجرة ويحاول سائقها البئيس أن يجد لنفسه مكاناً آمناً في زحام السيارات ، آملاً بذلك أن يخرج بسلام من حرب الطرق التي باتت تفتك بالجميع ، وفي نفس الوقت يبدأ الركاب واحداً تلو الآخر بأداء ما يستحقه السائق من دراهم معدودة ، فيعطيه الأول 3 دراهم بالتمام والكمال (درهماً ينطح درهم) ، ويعطيه الآخر 10 دراهم ، ويعطيه الثالث 20 درهماً ويقول (قْطَع جوج) ، أما الآخر فيعطيه 200 درهم كاملة ، فيعبر السائق عن استيائه وغضبه لأن هذا الغني سيحرمه من البقشيش يوماً كاملاً !
* * *
لكن ولأن السائق ذكي وحريص ، فهو لا يرد الباقي للركاب إلا بعد أن يستوي في طريق مستقيم ، فلا يحتاج للدخول في الزحام ومراوغة بقية السيارات ومحاولة الإفلات بأي طريقة كانت ، عندها فقط يبدأ بتناول الدراهم ثم يمد يده إلى الخلف دون أن يلتفت بوجهه ويقول (5 دراهم) فتمتد يد مجهولة تتناول منه الباقي ، ثم وبحركة آلية يحمل دراهم أخرى ويمدها إلى الخلف ويقول (20 درهماً) .. وبعد ذلك تمتد يده بكسل إلى صندوق سري عجيب ، يفتحه فتشرئب أعناق الركاب المتزاحمين لرؤية الأموال الطائلة المخزنة عنده هناك ، والمكدسة على شكل أوراق نقدية مرتبة بعناية ، من المؤسف جداً للسائق أن الركاب استطاعوا أن يصيبوا صندوقه العجيب بأعينهم ، كل هذا من أجل أن يرد الباقي لصاحب الـ 200 درهم !
.
.
.
وهكذا تستمر رحلة سيارتنا الكبيرة المزدحمة ، وقد لا يمنع الازدحام الركابَ من تجاذب أطراف الحديث ، فتجد أن كل واحد منهم يعبر عن فلسفته في الحياة ، وسخطه على الوضع ، يتحدث عن غلاء الأسعار ، عن الفساد الإداري ، عن الرشوة والسرقة والنصب والاحتيال وجرائم القتل التي حدثت مؤخراً ، عن حرب الطرقات وعن أنانية بعض السائقين ، وعن قيادة النساء للسيارات أيضاً !
ولا أدري فعلاً كيف ينسجم السائق مع ركابه فتحصل بينهم علاقة حميمية مؤقتة ، قد يقطعها صوت أحد الركاب قائلاً (شي مْويطاع هنايا اخاي ، معا الدّورة) ..
ويا لفرحة البقية ، حين يغادرهم هذا الراكب فتجدهم يتململون مبتعدين عن بعضهم البعض ، وأخيراً حصلوا على مساحة إضافية ، وأخيراً يستطيع كل واحد من الركاب الثلاثة أن يجلس جلسة (شبه طبيعية) ، لكن هيهات ، لا يعرف هؤلاء الركاب الثلاثة ما الذي ابتلوا به ، عندما يظهر في قارعة الطريق فجأة شخص غريب يلوح لسيارة الأجرة ، وما هي إلا ثوانٍ حتى يكون هذا الطارئ قد صعد إلى السيارة فيعود الزحام إلى ما كان عليه أو أكثر ..
* * *
وهكذا تستمر الرحلة لعدة دقائق ، لا يسلم فيها الركاب من سماع شتائم السائق التي يوجهها لغيره من السيارات التي لا تحترم قانون السير ، فتصبح تلك الدقائق القليلة للركاب وكأنها ساعات طويلة لا تريد أن تنتهي !
لكن كل ما له بداية له نهاية ، نعم وأخيراً ، انتهت الرحلة ، وآن لك أن ترتاح وأنت ترى الركاب الستة ينزلون ويتفرقون كل واحد منهم يمضي في حال سبيله ، وتنطلق أنت أيضاً في حال سبيلك بعد رحلة سافرت بها عبر المكان والزمان معاً ، ويستعد السائق البئيس لاستقبال ستة آخرين ، كي يعود بهم أدراجه إلى المكان الذي جاء منه ، في دوامة أبدية لا يعلم أحد متى ستنتهي …
المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
المدخلات و تعليقات feeds.