شعرٌ طويل … ولحية!

13/04/2013 عند 14:09 | أرسلت فى مواضيع عامة | تعليقات

id130413

.

نرى في مجتمعنا كثيراً من الكيل بمكيالين، وإصدار الأحكام الجائرة، وتصنيف الناس وفق قوالب معدةٍ سلفاً، وأسوأ ما في ذلك ابتعاد هؤلاء المصنفين عن التزام العدل والإنصاف في أحكامهم التي يصدرونها.

إننا مازلنا نسمع من ينتقد بعض الحركات الإسلامية، وينتقد بعض مظاهر الالتزام الشكلي التي تنتشر بين الشباب، فيما يتعلق بالاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشكل والمظهر، ونجد من يعتمد في تصنيفاته وانتقاداته قوالب جاهزة معلبة يفرِّق بها بين ما هو (معاصر) وما هو (قديم)، وبين ما هو (منفتح) وما هو (منغلق)، وبين ما هو (عادي) وما هو (رجعي)، وبين ما هو (معتدل) وما هو (متطرف).

إنه لمن العجيب حقاً أن نسمع من المسلمين من يقول:

- “هل تريدونها سلفيةً رجعيةً متخلفة؟ هل تريدون اللحية والثوب القصير والشعر الطويل؟ واكبوا العصر قليلاً! سيروا في ركاب التطور!”

نعم، إن مواكبة العصر واجبة، والسير في ركاب التطور فرض، لكن بعض التجريد للأمر يقودنا نحو ملاحظاتٍ تجعلنا نتساءل عن أصل ذلك التناقض ومنبعه، فاللحية ليس حكراً على المسلمين وحدهم، بل نجد من أصحاب التيارات المعادية للإسلام من يطيلون لحاهم أيضاً، ونجد من الشباب المعاصر من يخترعون لشعر وجوههم قصاتٍ وتقليعاتٍ يقتبسونها من قواعد الموضة والأناقة الغربية، والغريب أن ذلك يُقبل منهم، ببساطة لأنهم شباب، ولأن من حقهم أن يتباهوا بأنفسهم قليلاً، ومن حقهم أيضاً أن يبلغوا ما تشتهيه أنفسهم من الظهور بمظهر من يحبونهم من الفنانين والمشاهير في الغناء والتمثيل وكرة القدم وغير ذلك من الرياضات والفنون المعاصرة.

ونحن نرى كارل ماركس وتيودور هرتزل بلحىً طويلة، ونرى كثيراً من الرسامين والفنانين والممثلين والمخرجين السينمائيين يلتحون أيضاً، ألا يشير هذا إلى شيء معين؟ ألا يشير هذا إلى أن اللحية ليست مرفوضة في حد ذاتها كرمز ذكوري أو كتقليعة من تقليعات الموضة؟ لكنها مرفوضة فقط، وأضع ألف خطٍّ على كلمة فقط، عندما تكون لدوافع دينية، بل وإسلاميةٍ على وجه الخصوص، وعندما تكون بالذات اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة لحيته.

نفس هذا ينطبق أيضاً، وحرفياً، على لمة الشعر والثوب القصير، فإننا نرى شباب الموضة يطيلون شعورهم، وفي الصيف يرتدون بنطلوناتٍ قصيرة إلى منتصف الساق، ويُقبل منهم ذلك ما عُلم أن نيتهم منه اتباع الموضة والالتزام بزيٍّ معاصر، لكن نفس الشيء، أعني لمة الشعر والثوب القصير، يُرفض منهم تماماً إذا تبين أنه كان منهم لدوافع دينية، بل إسلاميةٍ على وجه الخصوص، اقتناعاً منهم بما ورد في هذه الأمور من أحاديث تحث على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي الشتاء يُقبل من الرجال أن يرتدوا بنطلونات تصل لأسفل من الكعبين، وفي الصيف يُقبل منهم الاصطياف في البحر بسراويل قصيرة أعلى من الركبة، لكن نظرات من الازدراء وهمسات من السخرية تُسلَّط على من اختار السباحة بسروال يتجاوز في طوله الركبة ليصل إلى منتصف الساق!

ومثل هذا غرابة، أن نسمع من يقول، وبحماسةٍ شديدة، مجيباً أي شخص ينتقد المتبرجات من الفتيات:

- “لا تحكموا عليهن من مظهرهن، الله أعلم بما في دواخلهن من صلاح.”

ثم يكون هو نفسه من يحكم على الملتزمات المحجبات من مظهرهن، ويقول بحماسةٍ مماثلة:

- “لا تحكموا عليهن من مظهرهن، الله أعلم بما في دواخلهن من فساد.”

وفي نهاية المطاف، نجد أن أي لاعب كرة سلة كان سيبدو أنيقاً ومعاصراً جداً وهو يضع لحيةً ويطيل شعر رأسه إلى الكتف، ويرتدي (تي شرت) وسروالاً رياضياً قصيراً إلى منتصف الساق، غير أن اللاعب نفسه سيتحول إلى سلفيٍّ رجعيٍّ متخلف، فقط لو خلعنا عليه ثوباً إسلامياً أبيض اللون، يصل في طوله إلى نفس ما يصل إليه سرواله الرياضي الأنيق!

ألا ترون معي إذاً أيها السادة، أن جملةً من الأحكام التي نصدرها، والبدهيات التي نسلِّم بها، بل وحتى ما يقع في أنفسنا من انطباعاتٍ وأحاسيس تنبع مما تشبعنا به من مفاهيم ترسم الحدود الفاصلة بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، وبين ما هو تقدمي وما هو رجعي، تحتاج منا إلى مراجعةٍ جذريةٍ وتمحيصٍ مبدئي؟

مسلسل عمر – [ نحو تأطير شامل للصورة ]

23/09/2012 عند 15:15 | أرسلت فى مواضيع عامة | تعليقات

Omar Poster

.

* * *

مقدمة المؤلف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام أجمعين.

وبعد ،

فقد أويتُ يوماً إلى فراشي بعد انشغالٍ مني ببعض فصول هذا الكتاب، وقد جرت عادتي على مطالعة صفحاتٍ من بعض الكتب قبل استسلامي لسلطان النوم. فكان أن تناولتُ في ذلك اليوم كتاب (مقدمة ابن خلدون)، على غير نية مسبقة مني لتناوله، وشرعتُ أعبُر بعينيَّ صفحات مقدمة المحقق التي تلتها خطبة كتاب العبر، وكان أن قرأت في إحدى فقراتها :

” أما بعد، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتُشدُّ إليه الركائب والرِّحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد عن إخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتُطرف بها الأندية إذا غصَّها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليلٌ للكائنات ومباديها دقيق، وعلمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيلٌ في الحكمة عريقٌ وجديرٌ بأن يُعدَّ في علومها وخليق. “

ثم انزعجت عيني، وارتدَّت إلى أحد سطور هذه الفقرة، واستقرت مستغربةً على العبارة التي قمت بتسطيرها في هذا الاقتباس، فهل حقٌّ تساوي العلماء والجهال في فهم التاريخ ؟ وهل يتساوون في فهم ظاهره وباطنه معاً كما جاء بيانهما في نفس الفقرة ؟ أم أن التساوى إنما يكون في فهم ظاهره فقط ؟ وهل فهْمُ الناس في عصر ابن خلدون للتاريخ هو نفس فهم الناس له في عصرنا هذا ؟ وهو عصرٌ ابتُلي باختلال موازين اللغة عند فئات من الناس، اختلالاً حال بينهم وبين فهم ما يَرِدُ إليهم من تراثهم وتاريخهم.

لم يزل الناس باحثين عن الحكمة في استنباط دروس التاريخ، على اختلافٍ بينهم في الأفهام والعقول والأغراض، ولم يزل المسلمون منهم يستنبطون أحكام الشريعة من نصوص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على اختلافٍ بينهم في ذلك، ولم يزالوا كذلك مختلفين في نقل التاريخ الإسلامي وتأويله تأويلاً يستخرج من ثناياه حِكماً ودروساً وعبراً، يُسقطونها على واقعهم ويستشهدون بها على عقائدهم وأفكارهم وأقوالهم وأفعالهم.

ونحن نعيش الآن في زمنٍ تعددت فيه أساليب تناول التاريخ، وهو تعددٌ يُردُّ إلى التنوع الكبير الحاصل في وسائل الإعلام والتواصل، بحيث لم يزل المتعاطون لهذا الفن هادفين إلى تيسير عرضه وتسهيل الوصول إلى استيعابه وفهمه من طرف عوام الناس قبل مثقفيهم، وما من شك في أن أسلوب العرض على شكل “المسلسل التاريخي”، أو “الدراما التاريخية”، قد وجد له سوقاً رائجةً في شاشاتنا العربية والإسلامية، وهو رواجٌ امتد به إلى أن يحتل مكاناً في ساحة النقاش الفكري حول عددٍ من القضايا التي أثارها ويثيرها هذا الفن الحديث المبتكر.

والآن نحن، وبين أيدينا هذا المسلسل الجديد الذي عُرض في شهر رمضان المبارك لهذا العام، والذي يحكي سيرة أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نقف أمام تطورٍ كبيرٍ ولافتٍ للقضايا المثارة للنقاش في ساحتنا الفكرية، وأهم شواهد ذلك التطور ما حدث في المسلسل من سابقة التجسيد لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل ولغيره من بقية الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام.

إلا أن سابقة التجسيد هذه هي ليست السؤال الوحيد، وليست القضية المحورية التي تدور بقية القضايا في فلكها، بل هي في الحقيقة جزءٌ من كل، ونتيجةٌ من سبب، وشاهدٌ من فكرة، والحديث عنها لمن أراد أن يتناولها بحديث، لا ينبغي أن يكون مفصولاً عن بقية السياقات التي تنتمي إليها، والتي هي منها جزءٌ لا يتجزأ.

لقد حاول هذا الكتاب الذي بين أيديكم أن يقدم لكم، كما يشير إلى ذلك عنوانُه، تأطيراً شاملاً للصورة التي يعرضها مسلسل عمر، فهو بذلك ليس دراسةً مفصلة، ولا نقداً علمياً مبنياً على أصول، ولا نقداً تاريخياً لما تم عرضه في المسلسل، وهو بذلك – إن صحت العبارة – لا يتطرق للحديث عن مواضيع، بل يحاول الإحاطة بها، وتأطيرها، والإشارة إليها، فيكون بذلك كمن يقول للقارئ : “هذه مواضيع يجب أن يُتحدث عنها.”

وعلى ذلك، فمن كان باحثاً عن النقد العلمي والتاريخي المؤصل والمفصل لمسلسل عمر، فليس في هذا الكتاب بُغيته، وإنما أضع بين أيديكم فيما يلي فهرساً لعناوين الكتاب، عساه يكون دليلاً للقارئ ينتقل به إلى ما قد تهمه قراءته.

وختاماً لهذا التقديم أقول، بأن مادة هذا الكتاب هي مزيجٌ من معلوماتٍ عرفتُها، وحلقاتٍ تابعتُها، ومقالاتٍ قرأتُها، ومقابلاتٍ شاهدتُها، وآراءٍ اطَّلعتُ عليها، وأفكارٍ استنتجتُها، وأسئلةٍ اطَّرحتْ علي، وأجوبةٍ حاولتُها، فهي بذلك محتملةٌ للصواب والخطأ، وربما لم تسلم من معلومةٍ خاطئة، أو معلومةٍ ناقصة، أو فكرةٍ جانبت الصواب، أو استنتاجٍ في غير محله.

فأسأل الله أن يتجاوز عني ما كان في هذا الكتاب من خللٍ وزلل، وأسأله تعالى لي ولكم التوفيق والهداية إلى طريق الحق وسُبل الرَّشاد.

أنس سعيد محمد

طنجة – 23/09/2012

* * *

فهرس الكتاب

==

مقدمة المؤلف ……………………………………………………………………………………………… 5

فهرس الكتاب ………………………………………………………………………………………………. 9

الفصل التمهيدي الأول : جدل يتكرر كل عام ………………………………………………….. 11

الفصل التمهيدي الثاني : خصائص الدراما التاريخية وسؤال الغاية والوسيلة ……… 16

- بين الكتابة والصورة …………………………………………………………………………………….. 19

- الاختصار ………………………………………………………………………………………………….. 22

- الإضافة الدرامية …………………………………………………………………………………………. 23

- الرؤية للشخصيات ……………………………………………………………………………………… 24

- الطرح الفكري ……………………………………………………………………………………………. 25

- احتمالات التدليس ……………………………………………………………………………………… 26

الفصل الثالث : جدلية التجسيد في مسلسل عمر ………………………………………… 31

- تعامل حذر من المخرج حاتم علي ………………………………………………………………….. 32

- أسئلة حول موقف لجنة العلماء ……………………………………………………………………… 35

- نقد للموقف السلفي …………………………………………………………………………………. 41

- ويظل سؤال التجسيد قائماً ………………………………………………………………………….. 59

الفصل الرابع : كيف نقيم مسلسل عمر ؟ ……………………………………………………. 63

- الجانب العقائدي، بين السنة والشيعة ……………………………………………………………. 65

- الجانب الفكري، التأويل الحداثي ……………………………………………………………………. 67

- الجانب النقدي، مسلسل عمر في قفص الاتهام ………………………………………………… 73

الفصل الخامس : قراءات انطباعية في مسلسل عمر …………………………………… 76

- في السيناريو والنص الدرامي ……………………………………………………………………….. 78

- في الإخراج الفني للصورة ……………………………………………………………………………. 92

- شخصيات المسلسل، الاختيار والأداء …………………………………………………………… 107

- نعم لم يحصل تشويه، ولكن .. ! ………………………………………………………………….. 142

آخر الكلام : دعوة إلى النزاهة ………………………………………………………………….. 146

.

* * *

معلومات عن العمل 

الكتاب : مسلسل عمر، نحو تأطير شامل للصورة

المؤلف : أنس سعيد محمّد

عدد الصفحات : 150

صدر للمؤلف : مسارب إبليس (رواية)

الموقع الإلكتروني للمؤلف : innocentdays.wordpress.com

البريد الإلكتروني للمؤلف : anas.said.mohamed@gmail.com

طبعة إلكترونية

.

* * *

رابط الكتاب 

(يرجى الإعلام في حالة تعطل الرابط)

mediafire

الليبرالي المسلم .. ابتسامةٌ بلهاء في وجه العدو !

12/08/2012 عند 01:11 | أرسلت فى مواضيع عامة | تعليقات

id120812

.

(1)

كلمة أولى :

بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء.

تمضي السنوات، فالعقود، فالقرون، وبمضيِّها تزداد الحقائق تجلياً، وتزداد بعض الشبهات ضراوةً في نفس الوقت، من شأن الظل أن يكون أكثر حدةً إن كان النور أقوى، فإذا ضعف النور تلاشت حدودُ ما بينه وبين الظل، أو كادت.

شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراع. ومازال زمننا المعاصر يعرض أمام أعيننا من تجليات النبوة ما يؤمن له الكافر، ويتوب له العاصي، ويبرُّ له الفاجر، ومازالت الأيام ترينا بعين اليقين ما كان عند صحابة رسول الله علمَ يقين.

ليس هذا المقال دراسةً، أو رداً على فكر، أو مناقشةً عقدية، بل ليس يعدو أن يكون تسجيلاً لملاحظاتٍ لاحظتُها، على أشخاصَ عرفتهم أو رأيتهم، أو قرأت لهم أو عنهم، قامت دليلاً على ما تردد من نشوء دعوةٍ منكرة لتدجين الإسلام وتغريبه، وتشويه حقائقه وإفراغه من محتواه، وإلحاقه بمعسكر العدو تابعاً له نازلاً عند أمره.

الاستنارة، الانفتاح، الاعتدال، طفرة العقل، تحرر الفكر، مصطلحاتٌ لامعةٌ كثيرةٌ، ومفاهيم حقٍّ أريد بها باطل، لها دعاتها وأنصارها من الذين يمَّموا وجوههم شطر البيت الأبيض، جاثين على أعتابه مسبِّحين بحمده، طالبين لرضاه.

هم مسلمون نعم، أو هكذا يقولون، لكن ما إسلام هؤلاء ؟

كيف تشتغل أدمغة الليبراليين العرب ؟

(2)

مقدمة

حدث كثيراً، أن اصطدمتُ مع بعضهم في نقاش، وقرأتُ لبعضهم مقالاتٍ وكتباً وروايات، ورصدتُ مواقف بعضهم وآراءهم تجاه العقائد والأفكار والقضايا، ولمحتُ انقباض أقلامهم أحياناً، وهو انقباضٌ كانقباض ملامح الوجه كراهةَ شيءٍ ما، ولمحتُ وانشراح تلك الأقلام أحياناً أخرى، وهو انشراحٌ كتهلُّل أسارير الوجه فرحاً وسعادة.

يسمي أحدهم نفسه ليبرالياً، ويعتز بذلك كل اعتزاز، ثم يقول بأنه مسلم، لكن بغير اعتزاز، وكأنْ لا تناقض بين المصطلحين ! ويتباكى إن اتُّهم يوماً في دينه، ثم إذا أمن على نفسه وآنس غفلةً ما غدر بالإسلام ومفاهيمه وأحكامه، وكتب داعياً إلى القطيعة مع تراث هذا الدين العظيم، وإلى تجفيف منابعه الأصيلة، طلباً لرضاء أسياده الغربيين يبتغي عندهم العزة، فهو بهم منبهرٌ ولفكرهم عميل، وينتفش كبراً إن حصل له يوماً بهم تشبُّه، أو تناهى إلى سمعه منهم ثناء.

يكاد الليبرالي يبكي ! ودموعه دموع التماسيح، خوفاً على الإسلام وضناً به أن تتشوه صورته، ويسعى جاهداً، كما يزعم، إلى تلميعه وتزيينه وحذف الشوائب عنه، وتقديمه إلى الغرب منتوجاً منقحاً لا يشكل خطراً عليه، ولا يستدعي خوفه منه، وليس يتورع في سبيل ذلك عن إنكار السنة، وإعادة تفسير القرآن، والبث في أكبر مسلّمات الدين بعقله ورأيه، المهم عنده أن يرضى الغرب على إسلامه الهجين، وأن يحصل على شهادةٍ موقعةٍ بأيدي غربية، تقرُّ بأن ثمة في العالم العربي إسلاماً مستنيراً يقبل العلمانية، ويَدين بالديمقراطية، ويعلن القطيعة مع أصوله الأولى، ومَعينه الصافي.

إنها ولا شك ابتسامةٌ بلهاء في وجه العدو، ابتسامةُ منبهرٍ ساذجٍ يعاني خللاً في الانتماء، وأزمةً في الهوية، ابتسامةٌ لا تصدر إلا عن المنهزم الذليل الذي باع دينه بما يختلج في نفسه من كِبرٍ ونفاق.

قلتُ، بأني لست في هذا المعرض مناقشاً لفكر هؤلاء، ولا راداً عليهم، وإنما جئتُ اليوم ملاحِظاً فقط، راصداً لظواهرَ فكريةٍ يجب أن تُرصد طلباً للحقيقة وإحقاقاً للحق، فهذه الكائنات التي تعيش بيننا، وتنطق بلساننا، هي أكثر مراوغةً من الزئبق، وأخطر على هويتنا من العدو الصريح المحارب بالسلاح. وعلامة أحدهم أن تسأله هل أنت ليبرالي ؟ فيجيبك جواباً هو ليس بالإنكار، وليس بالإثبات أيضاً فيقول : وماذا تعرف عن الليبرالية ؟

إذاً، ها هي ذي، بعض صفاتهم أضعها بين أيديكم، فهل لاحظها أحدكم كما لاحظتُها ؟

ذلك مؤكدٌ ولا شك ! وإن لم يكن، فليمتحن الواحد منا أحد هؤلاء بناءً على ما سيأتي، وسيجد أن ما سيأتي من صفاتٍ يشكِّل برنامجهم الذهني الموحد، والذي يسهل بناءً على الوعي به توقع أفعالهم وأقوالهم، وكذا مواقفهم تجاه مختلف الأفكار والقضايا.

(3)

في العقيدة :

يؤمن الليبرالي (المسلم) بضرورة إعادة قراءة القرآن وتفسيره تفسيراً معاصراً، وإعلان القطيعة مع تفاسير السلف له، وهدفه من ذلك إفراغه من محتواه وتأويل آياته بما يتوافق مع أهدافه وغاياته التمييعية.

يحارب الليبرالي (المسلم) الحديث النبوي الشريف والسنة المطهرة، ويلمز المتمسكين بدراستهما بأنهم أصحابُ تخلفٍ ورجعية.

لا يهتم الليبرالي (المسلم) سوى بما هو مادي، وما هو ماديٌّ فقط، ليس لليبرالي (المسلم) أيُّ اهتمام بالغيبيات العقدية، بل ربما أنكرها إنكاراً تاماً.

لا يؤمن الليبرالي (المسلم) بعقيدة الولاء والبراء، بل لا يعتبر المعيار العقدي ذا أولوية أصلاً في الحكم على الأفكار والأشخاص والجماعات.

الليبرالي (المسلم) ينكر حقيقة أن للإسلام أعداءً يستهدفونه ويريدون القضاء عليه، وربما سخر من الذين يعتقدون بذلك وقال بأن من نظنهم أعداء لهم من الأهداف ما هو أهم من محاولة القضاء على دينٍ من الأديان.

الليبرالي (المسلم) ينكر حقيقة أن في العالم كفاراً ومسلمين، وأن الكفار يكرهون المسلمين ويكيدون لهم المكائد المختلفة على جميع الأصعدة. فهو ينكر حقيقة وجود حربٍ عقديةٍ أزليةٍ وأبديةٍ بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر.

الليبرالي (المسلم) ينكر مسألة الكفر والإيمان ، ويستبدلها بحرية العقيدة.

الليبرالي (المسلم) لا يتحدث مطلقاً عن الآخرة، ولا وجود لها في دائرة اهتمامه مطلقاً.

(4)

في الفكر والثقافة :

الليبرالي (المسلم) ينكر مسألة الحق والباطل، ويستبدلهما بالرأي والرأي الآخر.

الليبرالي (المسلم) يتعامل مع الإسلام بتعالٍ وتكبر، مصطنعاً الحياد التام في ذلك، حتى يخيل إليك أن المتحدث عن الإسلام خارجٌ منه لا ينتمي إليه، بل ينظر إليه من فوق، من برجٍ عالٍ، كأنه يستنكف أو يخجل من التصريح بالانتماء إلى دينه وإلى جماعة المسلمين.

الليبرالي (المسلم) يحب أمريكا، وفيها هوى قلبه، ولا يراها عدواً سياسياً أو فكرياً أو عقائدياً للمسلمين.

ليس لليبرالي (المسلم) مرجعٌ واضحٌ يستند عليه لتعريف العدو، فهو إما ينكر وجود العدو بتاتاً، أو يعتبر من يسميهم بالأصوليين الظلاميين أعداءً، وهم المسلمون السنة في الواقع، المهم أنه لا يرى في أوربا ولا أمريكا عدواً للإسلام والمسلمين.

الليبرالي (المسلم) يدعو إلى الديمقراطية، ويتعاطف مع العلمانية، وينبذ كل التيارات الإسلامية.

الليبرالي (المسلم) مستعدٌّ ليقرأ، ويُعجب، وربما يتبنى، أيَّ فكرٍ شرقيٍّ أو غربي، قديمٍ أو جديد، منذ فلاسفة اليونان وحتى عصرنا الحديث، ما عدا الفكر الإسلامي الصحيح القائم على الكتاب والسنة.

الليبرالي (المسلم) مستعدٌّ ليقتبس من أقوال الفلاسفة الغربيين جميعهم، وربما اقتبس واستشهد من أقوال الفلاسفة العرب ممن أثاروا الجدل واتُّهموا في أخلاقهم وعقائدهم، لكن نفسه تشمئز وتتقزز من متون الحديث النبوي الشريف.

 لا يجد الليبرالي (المسلم) حرجاً في اتهام المسلم السني بأنه رجعيٌّ وظلاميٌّ متخلف، إذا دعا إلى تحكيم الكتاب والسنة، ويستشهد على ذلك بأن الخلافة الراشدة عهدٌ مضى، وأحكام الشريعة كان ممكناً تطبيقها في الماضي الجميل، والماضي فقط، في حين أنه يعتبر الاقتباس من فلسفة اليونان تفتحاً وحضارة، رغم أن فلسفة اليونان أقدم من الشريعة الإسلامية بقرونٍ عديدة !

(5)

في الهوية والانتماء :

من المستحيل أن تسمع من الليبرالي (المسلم)كلمةً واحدةً في الاعتزاز بانتمائه الديني، وبأنه مسلم، وقد يجد حرجاً شديداً في ذلك إذا اضطر له يوماً لتحقيق مأربٍ ما، لكنه لا يجد حرجاً على الإطلاق في الاعتزاز بانتمائه للوطن، أو الحزب، أو لأيِّ تيارٍ فكريٍّ أو سياسي.

هو عند الليبرالي (المسلم) حريةٌ شخصيةٌ يعتقد بوجوب ضمانها والدفاع عنها، أن يقلد المعجبون من المراهقين والشباب شخصياتهم المفضلة من الممثلين واللاعبين، لكنه يشمئز ويتقزز، وتظهر عليه علامات النفور والكراهة، إذا رأى أبسط مظهرٍ من مظاهر الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

يعتز الليبرالي (المسلم) بانتمائه، أياً كان ذلك الانتماء، بحرارةٍ شديدة ، فربما يرتدي ما قد يدل على ذلك الانتماء من الملابس ويلتحف الرايات ويرفع الشعارات، لكن الشرط الوحيد لذلك الانتماء ألا يكون ذا إيحاءٍ إسلامي، في حين نجده يشنِّع، وبشدة، على أي شخصٍ رفع شعاراً إسلامياً ولو كان، فقط، على سبيل الاعتزاز بالدين لا أقل ولا أكثر.

يدافع الليبرالي (المسلم)، باستماتةٍ متناهية، عن حقوق النصارى واليهود والملحدين، لكنه يحارب، وبضراوةٍ متناهية أيضاً، حقوق المسلمين، وربما وشى بهم إلى من يقدر على إيذائهم.

الإسلام الوحيد الذي يرضى عنه الليبرالي (المسلم)، هو الإسلام الذي يرضى عنه الغرب.

(6)

في الحريات الشخصية :

عندما يقلد المراهقون والشباب النماذج الغربية في الشكل واللباس، يرضى الليبرالي (المسلم) ويعجبه ذلك، ويبتسم بسعادة، ويقول : تفتحٌ وحرية.

عندما تتجه الأقوال والأفعال والأذواق وأساليب الحياة الشخصية والاجتماعية نحو الثقافات الغربية، يرضى الليبرالي (المسلم) ويعجبه ذلك، ويقول : تقدمٌ وانفتاح.

عندما يتجه الشباب نحو مظاهر الالتزام بالسنن النبوية في الشكل والمظهر، يتقزز منه الليبرالي (المسلم) وينفر من هيئته، ويقول : تخلفٌ ورجعية، أصوليةٌ ظلامية، إرهاب.

يدافع الليبرالي (المسلم) عن الشواطئ المختلطة، وعن انتشار العري فيها، لكنه يرفض، وبشدة، المخيمات الإسلامية، ويقول بأنها احتكار للشواطئ، وتجمعاتٌ مشبوهةٌ لأناسٍ لا يؤمَن شرُّهم.

(7)

في الأدب والكتابة :

الليبرالي (المسلم) لا يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة في كتاباته، بل يدعو إلى الحريات المطلقة كما تعرِّفها الأنظمة الغربية.

الليبرالي (المسلم) يشمئز من دعاة الأخلاق ويصفهم بالسطحيين والفارغين، ويفرح بدعاة الرذيلة والانحلال ويصفهم بالجريئين وأحرار الفكر.

يكتب الليبرالي (المسلم) واصفاً نفسه بأوصاف التشتت والضياع النفسي والفكري، متمسكناً، وقد يتصف أحياناً ببعض الصفات الحميدة، لكن إذا رأيته يفعل ذلك فانتبه، فتلك مقدمةٌ لفكرةٍ مسمومةٍ قادمةٍ سيدسُّها بين السطور.

يدعو الليبرالي (المسلم) إلى الحرية المطلقة في الأدب الكتابة، لكن حريته هذه تنطبق فقط على كتَّاب الانحلال والرذيلة، أما الكتَّاب الملتزمون فهو لا يتوقف عن وصفهم بالرجعيين والظلاميين والمتخلفين فكرياً.

 الليبرالي (المسلم) قد يدبِّج الصفحات ذوات العدد في مدح شخص الحاكم وتمجيده إلى حد المبالغة، لكنه لا يمانع أبداً من التطاول على لفظ الجلالة بأشنع الألفاظ في أشعاره ورواياته.

يشمئز الليبرالي (المسلم) من الكلمة النظيفة الملتزمة الهادفة، ويطير فرحاً بالكلمة البذيئة المنحلة، ويعتبرها قفزةً حقيقيةً في طريق النهضة الأدبية.

يحب الليبرالي (المسلم) أن يكتب عن المواضيع والقصص الإباحية بإسفافٍ مفرط، ويسمي ذلك تحرراً أدبياً وتنويراً اجتماعياً لا غَناء عنه من أجل اللحاق بركب التنمية والتقدم.

الليبرالي (المسلم)، عندما يكتب يكون جريئاً جداً، لدرجة الوقاحة، في التعامل مع لفظ الجلالة والذات الإلهية، وقد يكتب كفراً صريحاً بها، لكنه يتباكى بجنونٍ لو تم تكفيره بسبب ذلك أو تفسيقه.

إذا مات أحد أعلام الفكر المتعفن أو الأدب المنحل، يتحول الليبرالي (المسلم)، فجأة، إلى تقيٍّ ورعٍ يترحم على الراحل ويدعو له بالعفو والمغفرة، حتى وإن كان الميت من أعتى كتاب الكفر والإلحاد، ثم ينتقد الذين يمتنعون عن الترحم عليه ويتهمهم بتهم الظلامية والتكفير.

الليبرالي (المسلم) يعشق الأسلوب الحداثي القائم على الترميز وإحداث الغموض في المعنى، ويستغله في اللمز والغمز بالإسلام والمسلمين. وطبعاً يرفض المساءلة النقدية عن مكتوبه الحداثي والإفصاح عما يريد قوله فعلاً.

الليبرالي (المسلم) لا يعبر عن رأيه بصراحةٍ كاملة، بل يلفُّ ويدور، ويعتِّم ويدلِّس، ويرد على السؤال بسؤال، وكثيراً ما يتهرب من الجواب، وذلك لإخفاء أحقاده الدفينة على الإسلام والمسلمين.

الليبرالي (المسلم) قد يقول الحق ! لكن فقط لتبرير باطلٍ ما.

الليبرالي (المسلم) قد يستشهد بالآية والحديث، لكنه يفسرهما برأيه الخاص، ويخدم بهما أهواءه الخاصة وأفكاره المنحرفة.

بإمكان القارئ الذكي أن يلحظ ألواناً من لحن القول الذي يُعرف به المنافقون في كتابات الليبرالي (المسلم)، فهو يسيئ الأدب مع الصحابة الكرام والسلف الصالح، ولا يحترمهم، كما أنه لا يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكره، وربما اكتفى بكتابة (محمد) مجردة، ولا يُتبع القرآن بلفظ (الكريم) متعمداً، بل يقول (القرآن) مجردة، وإذا اطَّلعت على محاوراته في المنتديات المكتوبة فستلحظ أنه ينفر من استعمال تحية الإسلام (السلام عليكم)، وربما استعمل بدلاً منها أيَّ تحيةٍ أخرى عربيةٍ جاهليةٍ أو غربيةٍ مستوردة.

(8)

في قضايا المرأة :

عندما تتبرج الفتاة وتنزع حجابها، ينشرح وجه الليبرالي (المسلم) وتتهلل أساريره، ويرضى ويعجبه ذلك، ويقول : حريةٌ وتقدم.

عندما تسبغ الفتاة حجابها، أو تفكر في ارتداء النقاب، يشمئز الليبرالي (المسلم) بشدة، ويتمعَّر وجهه، ويقول : أصوليةٌ ظلامية. وربما تظاهر بالإشفاق عليها حتى يكاد يبكي رأفةً لحالها !

يقول الليبرالي (المسلم) بأن تعرية المرأة احترامٌ لأنوثتها، وأن حجابها إهانةٌ عظيمةٌ لها، ونظرةٌ ذكوريةٌ دونيةٌ تسلِّط سهامها عليها وتعتبرها مجرد جسدٍ مستهلَك.

يتبنى الليبرالي (المسلم)، ويدافع باستماتةٍ خارقة، عن كل القضايا التي تهدف لإخراج المرأة من بيتها وقتل حيائها وتعويدها على الاختلاط بالرجال في كل زمان ومكان.

يبذل الليبرالي (المسلم)، جهوداً مضنيةً في سبيل تنفير المرأة من أحكام دينها، وإيهامها بأن الأحكام الشرعية المتعلقة بها هي ظالمةٌ لها وخانقةٌ لحريتها، وأنَّ عليها أن تتحرر منها. ثم يوهمها أيضاً، بأن هناك تياراً إسلامياً بديلاً يدعم توجهها المتحرر في مواجهة التيار المنغلق الهادف إلى خنقها.

يستميت الليبرالي (المسلم)، في سبيل خلق الصراع بين المرأة والرجل، فيصوِّر للمرأة أن الرجل عدوٌّ لها، وأن عليها أن تثور في وجهه وأن تخرج عن وصايته، وأن تعلنها معه حرباً لا هوادة فيها من أجل استلام مواقع القرار على مختلف المستويات.

يحارب الليبرالي (المسلم)، أحكام المرأة المتعلقة بإدناء الجلباب، والقرار في البيت، وعدم الخضوع بالقول، ولزوم الحشمة والحياء، ويدعو بحماسةٍ شديدةٍ إلى ضدِّ هذه المبادئ.

يسعى الليبرالي (المسلم) إلى إقناع المرأة بأن طاعتها لزوجها في المعروف هو ظلمٌ لها، وعارٌ ومذلةٌ لا تليق بها وبمكانتها.

يهدم الليبرالي (المسلم)، التصور الإسلامي للأسرة المسلمة، ويجحد دور المرأة كربَّة بيتٍ ومربية أولاد، وفي مقابل ذلك يزيِّن لها الخروج والعمل ومنافسة الرجال على المناصب القيادية، موهماً لها بأن ذلك من أسباب تقدمها.

يدعو الليبرالي (المسلم) إلى المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، لدرجة أنه يجحد نصوص الشرع التي شرَّعت لكل نوعٍ أحكاماً تليق بخصائصه الجسمية والنفسية والعقلية والعاطفية المختلفة عن الآخر، والمكمِّلة له.

(9)

كلمة أخيرة :

نعم هو برنامجٌ ذهني، جذره النفاق، وسماده الكِبر، وثماره قلوبٌ مريضةٌ كره أصحابها ما أنزل الله فأحبط أعمالهم.

برنامجٌ ذهنيٌّ كان قديماً ولا يزال، وسيدوم مادام التدافع بين الحق والباطل قائماً.

عسى بعضكم أيها القراء الكرام قد عرف بعضاً، أو كثيراً من هذه الصفات في أسماء نعرفها، وفي أقوامٍ من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، دعاةٌ على أبواب جهنَّم من أجابهم إليها قذفوه فيها.

ولما كان هؤلاء يعيشون بين ظهرانينا، ويسيطرون على مقاليد إعلامنا وما يقدَّم إلى الناشئين منا من موادَّ تبني عقولهم وأفكارهم، عسى أن يكون من الخير أن تُرصد أدمغتهم، وأن تُعتقل آليات تفكيرهم، وأن تُنشر بين الناس بصراحةٍ تحرجهم، وتضيِّق صدورهم، فيزيدهم الانفعال كشفاً لأنفسهم، وإخراجاً لمكنون حقدهم فيُعرفون ويُجتنبون.

ومن يريد منكم رؤيتهم رأي العين، فليتوجه إلى موقعٍ اسمه “الشبكة الليبرالية السعودية الحرة”، وسيجد هناك من أمثال هذه النماذج الكثير الكثير، وإني أكاد أجزم، بل أجزم، أن الواحد منا لو أخذ عينةً من بعضهم قلَّت أو كثُرت، وساءلها عن بعض ما هو مطروحٌ من القضايا في الدين والفكر والأخلاق، فلن يجد في معظم الإجابات ما يختلف عما تفضلتم بقراءته في السطور أعلاه.

وسبحان الذي ذكرهم في كتابه قبل أربعة عشر قرناً، ومازالت أوصافهم في قرننا هذا لا تختلف عن أوصاف المنافقين التي ذكرها القرآن الكريم في غير قليل من المواضع.

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون، اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

ولله الحمد أولاً وآخراً.

المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
المدخلات و تعليقات feeds.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.