شـمـوعُ الحنيــن ~

15/12/2010 عند 20:29 | أرسلت فى ذكريات | تعليقات

Nostalgia

.

(1)

وِلادَة .. ومِيلاد

 
 

الثّالثُ والعشرونَ من سبتمبر، برزخٌ آخر.

وخزاتُ الشّتاء الأولى، غيومٌ تعيدُ حشدَ نفسها من جديد، وزخّاتٌ تصافح الأرض بحرارة، بعد طول غياب.

عاد الدّفءُ طارداً حرارة الصيف المفرطة، وممهّداً الطريقَ لشتاءٍ جديد.

في مثل هذا اليوم قبل أربعةٍ وعشرين عاماً، صرختُ صرختيَ الأولى، خرجتُ إلى الوجودِ مولوداً أوّلَ لزوجٍ شاب، ومشروعَ طفلٍ تُرجى نباهته، وشابٍّ يُرجى صلاحُه، لم يكن في البيت ليلتئذٍ غير أبي وأمي، وجدّتي الثالثة،  وسريرٍ دافئٍ شهِد مسقط رأسي.
 
 
* * *
 
 
الثّالثُ والعشرونَ من سبتمبر، معظم المسافرين كانوا نياماً، بما فيهم زميلُ رحلتي، حرمني الليل البهيمُ من تأمّل المساحاتِ عبر نافذةِ القطار العائدِ إلى طنجة، لكنه لم يحرمني من سماع هديرِ القطارِ الصّاخب، والإيقاعِ الموسيقيّ الجميل لعجلاته الحديديّة على السّكة، أتمشّى قليلاً على طولِ المقصورة وألقي نظراتٍ خاطفةً على وجوهِ الرّكّاب وأوضاعهم المختلفة ؛ بعضهم نائم، تلك تطعم ولدها، ذاك يدفن رأسه بين دفّتي جريدة، تلك تتكلّم عبر الهاتف، ذاك منهمكٌ مع حاسوبه المحمول…

أعود إلى مكاني حيث لازال زميلي غارقاً في نومه، مؤكّدٌ أنني لن أتوصّل مهما حاولتُ لحلّ الكلمتين المتبقيتين، في شبكةِ الكلمات المتقاطعةِ لجريدة المساء، أتناول هاتف زميلي الموضوعَ بإهمالٍ أمام الجريدة، أجرّب مرة أخرى، وأخيراً أنجح في الاتصال بالانترنت !

كان متوقعاً أن تستقبل صناديقي الافتراضية عددَ رسائلَ أكبر من المعتاد، ففي ذلك اليوم أدرجَتْ قواعدُ البيانات اسمي بين الأسماء التي ازداد عمرها عاماً… (مبروك يا أنـس، صرت عجوزاً يا فتى، كلّ عام وأنت بخير، أطيبَ المتمنيات، مزيداً من التوفيق…).

أبتسم بهدوءٍ وأنا أقرأ رسائل التّهنئة تلك، وتدهشني مرةً أخرى مفارقة الفرح بيوم الميلاد، وأتساءل من جديد، أتساءل ما المفرح ليت شعري ؟ في يومٍ يقرّبك نحو الموت أكثر ؟! يومٌ يقف شاهداً على رُكامٍ من الإحباطات المتكرّرة، والتجارب الفاشلة، والنّجاحات التافهة، ثم يمرّ مقدِّماً لمثلها أو أكثر. لن نحتاج لغير قليلٍ من التفكّر والصراحة مع النفس، لندرك أن ليس بِوُسع يومِ الميلاد أن يكون، بشكلٍ من الأشكال مناسبةً مفرحة.

غير أنّني مع ذلك أعذر عادة المهنئين، أَسعدُ لحسنِ نواياهم، وأفرح لفرحهم بي، ثم أردّ عليهم شاكراً اهتمامهم..

وأدفنُ حزني عميقاً…

وقديماً قيل :

” يسرُّ المرءَ ما ذهب الليالي … وكان ذهابهنّ له ذهابــا ”

كم تُراه ذهب مِنّي الآن مع كل تلك الليالي ؟ نصفُ عمري، ثلاثةُ أرباع ؟ أكثرُ من ذلك بكثير، أقلّ ؟ لا أدري، ولا يمكن أن أدري، ولا أريد أن أدري…

غايتي الآن أن أرحل في جولةٍ إلى مدينة الماضي، أن أوقف للحظةٍ هديرَ العقل الذي بات يزعجني، وأغلق ورائي باب العُزلة.

جئتُ اليوم لأشعل بعضاً من شموع الحنين، أستدفئ بها من برودةِ الحاضر، وأتزوّد بدفئِها لعوادي الأيام. سوف أستعين بالكتابة كعادتي، أبني بالقلمِ أسيِْجةً جديدةً تحرس الذّاكرة من اجتياحِ النّسيان، وأرتّب أوراقاً ما كان ليستطيع ترتيبها غير خطّ القلم.

بالكتابة وحدها نعيد التّعريف بأنفسنا كما نريد.

بالكتابة نستعرض أخطاءنا السّابقة بكل جرأة، ثمّ نبرّرها كما نشاء.

بالكتابة نعترف بجرائمنا، ونُلبسها ثوب البراءة، ونبوح بمحاسننا، ونُسيء بها الظن.

بالكتابة نعيد سيناريوهات الماضي، ونمنح لحظاتنا الخاصّة، حتى البسيطةَ منها، بُعدها الدّرامي المميز.

بالكتابة نحكي عن خيباتنا السابقة بسينمائيةٍ صاخبة.

باختصار…

الكتابةُ عمليّة تجميلٍ للذّاكرة.
 
 

* * *
 
 

طرق بابَنا عيدَ الفطرِ ذاك، ضيفٌ ما، سمعتُ الصّوت المتصاعدَ لحفاوةِ والدي وهو يرحّبُ به أحرّ ترحيب، مصطحباً إيّاهُ نحو مجلسنا وكأنه يعرفه منذ مدة طويلة، فوجئتُ بامرأةٍ مسنّةٍ لا أذكر أنّني رأيتها من قبل، وفوجئتُ أكثرَ بأنها تعرفني وأختايَ جيداً، وتعرف أسماءنا أيضاً.

سلّمتُ عليها بدهشةِ من قابل شخصاً عرَفهُ وهو له منكِر، تأمّلت في ملامحها جيداً لعلني أجد بين ثنايا وجهها ما يذكّرني بها، لكن دون جدوى.

لم تستطع السيّدة إخفاءَ دهشتها العارمةِ وهي تُجيلُ بصرها بيننا نحن الثّلاثة، (ما شاء الله، تبارك الله، ما أسرع ما كبرتم، ما شاء الله، تبارك الله)، وسرعان ما استغرقَتْ في الحديث مع والديّ اللذين أشعلا شموع حنينهما هما أيضاً في ذلك العيد، تحدثوا بسعادةٍ حزينة، وحزنٍ سعيد، عن جدّتي رحمها الله، وعن أعمامي، وعن بيتنا القديم، وعن أفرادَ من العائلة لا أعرفهم، وعن أفرادَ وافتهم المنيّة رحمهم الله، وأنا أتأمل بوقارٍ البياضَ الذي يشعّ نوراً من وجه السيّدةِ العجوز، والنّظراتِ التي تفيضُ حناناً وعطفاً، والشّفتينِ اللّتين لم تفترا ثانيةً واحدةً عن التّهليلِ والتّحميدِ والتّكبير، لم يكن لسانُها يتوقّف عن الحركة، كانت تتكلّم، فإذا انتهى كلامها وبدأ أحد والداي بالردّ لم تكن شفتاها تتوقفان أبداً عن اللّهج بالذِّكرِ والصّلاةِ على رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، عرفتُ إذاً سرّ النّور المشعِّ من وجهها وعينيها…

سألني والدي بعد أن ذهبَتْ، ولسانها لا يفتُرُ عن الذِّكر كعادته : أعرفتَ من تكون هذه ؟

أجيب : كلا، لعلّها من أفرادِ العائلة الذين لا أعرفهم.

يقول مستغرباً : أحقاً لم تذكرها ؟! طالما زارتنا في بيتنا القديم عندما كنتم صغاراً، أليست هذه هي مَنْ كنتم تسمّونها (جدّتي الثالثة) ؟

نعم والله إنها هي ! جدّتي الثالثة التي لم نرها مذ كنّا صغاراً، إنها القابلة التي أشرفت على ولادتنا أنا وأختي ولادةً طبيعيةً بعيداً عن أيِّ مستشفى، لهذا إذاً تصرّفت على أنها تعرفنا منذ زمنٍ بعيد، كيف لا ؟ وهي الشّخص الوحيد الذي شهِدَ اللّحظة الأولى لخروجي إلى الحياة، ولعلَّ يداها هما أوّلُ يديْنِ حملتاني وأنا لا أزال مغموساً في صرخاتي الأولى.

أشعر بالأسى كلّما لقيتُ مُسنّاً على مثال جدّتي الثالثة، بعضُ المسنّين ربّانيونَ على قِلّة عِلمهم، وبعض الشّبابِ والكهولِ لم ينفعهم علمهم إلا زيادةً في الغيّ !

أشعر بالأسى كلما تيقّنت أنَّ إيمان العجائزِ مازال يُقبض بقبضِ العجائز.
 
 
 
* * *
* * *
 
 
 
(2)

عُـمْر
 
 
الثّالثُ والعشرونَ من سبتمبر، بعد أربعةٍ وعشرينَ عاماً تَلتْ ليلةَ ميلادي تلك، ما كنتُ لأعرفَ سبباً يجعلُ هذا الرّقم بالذّات موْضِعَ كتابتي، لا شيء مميزاً فيه غيرَ كونِه عددَ ساعاتِ اليوم، فهو ليس محطّةً عمْريةً من تلك المحطّاتِ اللاّفتةِ للانتباه، والدّاعيةِ للتّأمّل، والطّارحةِ للأسئلة، والمُوقفةِ للإنسانِ على مُفترق طريق.

ليس بالثامنة عشر، ذلك العمرُ الّذي تبلغُ فيه أوهامُ المراهقين قمّتها لتبدأ بالانحدار بعد ذلك تدريجياً، نحو رؤيةٍ أكثرَ واقعيةً واتّزاناً، وليس بالعشرين، وذاك عمرٌ يُطالَب المرءُ فيهِ بإثباتِ كفاءاتهِ الحياتيةِ عبر ادّعاءِ قراراتٍ دراسيةٍ أو وظيفيةٍ مسؤولة.

أيضاً، ليس بالخامسة والعشرين، عندما يكونُ مطالباً بتقديم تقريرٍ عن النّتائج، وحينَ يبدأُ التّأسيس لشكلِ الحياة النّهائي، وحينَ يرمقك الجميع بنظراتٍ ذاتِ معنى، يختبئُ خلفها ألْفُ سؤال.

ليس ما أكتبُ عنه الآن سوى رقمٍ مُهملٍ في سلسلةِ الأعمار، رقمٌ محشورٌ في وسط الطّريقِ بين محطّاتٍ عمرية، دونَ أن ينتبه إليه أحد، ودون أن يرمُز لشيءٍ على الإطلاق. ربمّا كان من المفيدِ الوقوف هنا قليلاً، وربما كان ضرباً من الهُراء والعبث أن أخوض بتفكيري وقلمي في مثل هذه المقارباتِ المَتاهيّة ! لأنّه بعد أعوامٍ قليلةٍ ستتساوى لديَّ كلّ الأعمارِ السّابقة.

يمضي بنا قطارُ الحياة وهماً بعد وهم، ويحدُثُ ألاّ نُفيقَ من أوهامنا إلا بعد أن تنزِع من أيّامِنا أظافرها المخدِّرة، فإذا بنا وقد فات الأوان، وكان ما كان.

جذوةُ ضميرٍ متبقّية، نحاول استعانةً بها أن نوقظ من جاؤوا بعدنا، ونحن نُطلُّ على أوهامهم من جيبٍ زمنيٍّ خفيّ، نراهم من حيث لا يروننا، ونكلّمهم وهم غيرُ منتبهون، ونتأمّل أوهامَهم الّتي كانت أوهامنا، فنُشفقُ عليهم، ونتمنّى لهم إفاقةً أسرع، دون أن ندرك أنّ حالنا هذه هي أيضاً، وهمٌ جديد .. وأنَّ هناك من ينظرُ إلينا، مِن وراءِ جيبٍ زمنيٍّ آخر.

جيوبٌ زمنية نُطِلُّ من خلالها على بعضِنا البعض، وندوّن من خلالها حكمةَ الحياة، كما يراها كلُّ واحدٍ مِنّا، وكما أمْلتها عليهِ أيّامهُ السّالفة.

متاهةُ أوهام، تلك هي حقيقةُ الحياةِ كما تخبرنا بها وجوهُ العجائز، وأسرّةُ المرضى، وممرّاتُ المقابر، وكتبُ التّاريخ.

فأين أنتَ الآن يا قيس، وأين أنتِ يا ليلى ؟

وأين أنتَ الآن يا أبا مسلم، وأين أنتَ يا أبا جعفر ؟

وأين نحن الآن … يا نحن !
 
 

* * *
 
 

أمامَ المرآة، حتماً هناك خللٌ ما ! أتساءل متى تنحِتُ الحياة على وجوهنا تلك التّفاصيلَ الدّقيقةَ التي لا نلحظها إلا في محطّات الاستراحة والتأمّل، حتماً ليس هذا هو الشّخصُ الذي مثُل أمامي في المحطّة السابقة، وحتماً ليس أولئك الذين صرتُ ألتقي بهم الآن صدفةً في الأزقّة والشّوارع، هم أنفسهم زملائي الأعزّاء على مقاعدِ المدرسةِ الثّانوية.

ريشةُ العمرِ قد بدأت تُحكِم خطوطها على وجوهنا وأجسامنا، تلك التي فقدت، أو تكاد، كلَّ السّوائل المساعدةِ لها على التشكّل والتغيّر، لتُصبح كما نراها الآن جافّةً جامدة، مائلةً نحو تكسّرٍ وانكماشٍ بطيئيْن .. يفعل الزَّمنُ بنا كما يفعلُ بقطعِ الفخّار، أليس كلانا قد صُنع من طين ؟

لم نعدِ الآن أولئك الصِّغار الحالمين من طُلاّب المدارس الثانوية، أعمارنا الآن تحوم حول منتصف العشرينيات، لقاءاتُنا القليلةُ الآن أصبحتْ تداخلها كثيرٌ من العباراتِ الرّسميةِ وقواعدِ اللّباقةِ في الحديثِ والمزاحِ وتناولِ المواضيع، تلك الّتي لم نكن نعير لها بالاً في أيام الدراسة، بل كنّا نُكثر السخرية من (الكبار) الذين يراعون في أحاديثهم ومزَحاتهم قواعد الأدب ومفردات اللباقة، والآن أجدنا وقد أصبحنا نتحدّث مثلهم، لأننا ببساطةٍ قد صرنا منهم.

تخلّصنا من أوهامنا القديمة، ونعيشُ الآن أوهاماً راهنة ؛ إنها أوهام بدايةِ الطّريق.

ملاحَظٌ عندي أن أحوالنا الآن، أو أوهامنا بتعبيرٍ أصحّ، هي أوهامُ بداية، منتصف العشرينيات مرحلةٌ مليئةٌ بالبدايات المتخمة بارتباكاتها، ومخاوفها وتوتّراتها، معظم أحاديثنا الآن تحوم حول بداياتٍ حياتيةٍ مصيرية ؛ سنواتُ الدّراسةِ الأخيرة، سنواتُ الوظيفةِ الأولى، مشاريعُ الخطوبة والزّواج، وأفكارٌ ضبابيةٌ حول مشروع منزل، أو سيّارةٍ جديدة.

لا بأس إذاً، فكلّ الأوهام مؤقّتة ! إنْ هيَ إلاّ سنواتٌ قليلةٌ حتى تصطبغ لقاءاتُنا وأحاديثنا بلونٍ مختلف، وسنعيش عندها أوهاماً أخرى، أوهاماً جديدة، أوهامَ منتصفِ الطريق، مواضيعَ أكبر قليلاً، وأكثر جدّية ؛ مشاكلُ عمليّةٌ من النّوع الحرج، مشاكلُ مع أبناءِ الجيلِ القادم وقضاياهم التربوية التي سيثيرونها في وجوهنا ! وانعطافاتٌ قد تغيّر شكل الحياة جذرياً، نحو الأحسنِ ربما أو نحو الأسوأ، القاسمُ المشترك لكل ما كان، وما هو كائن، وما قد يكون، أن كلّ ذلك سيصبح حديثاً نتطارحه في المجالس والمقاهي والمكالمات الهاتفية.

سيصبح ماضياً يُفهم ويُطوى.

سيصبح حنيناً…

ألتقي بهم، تدهشني أحياناً أشكال وجوههم التي تغيّرت وما قدّرتُ يوماً بأنها ستتغير، وما حسبتُ يوماً بأن عواملَ التّعرية، وأعراضَ الصّلع قد تصل إلى رؤوس بعضهم ! وأن ذلك الفراغ الذي يغزو الرّأس من أعلى مؤخرته، أو من أعلى جانبيْ مقدّمته فوق الجبين، سيعطيهم ذلك الانطباع الكهوليّ المبكّر.

يعود بي الحنينُ إلى أيّامَ دراسيةٍ قديمةٍ أمضيتُها في ثانويةِ (ابن الخطيب)، حين كنّا، أنا وصديقي الحميمُ آنذاك، نُكثر الحديثَ عن المستقبل بتوجّسٍ وريبة، ونرسم معاً الخرائط والمخطّطات، ونفكّر ونقدّر، ونحسب الاحتمالات، ونَلهى بذلك عن مذاكرةِ دروسنا التي اجتمعنا لأجلها أصلاً ! ثم نُفاجئ في النهاية بأن ساعاتٍ عديدةً مضت، لم نُذاكر فيها حرفاً، وأنَّ الامتحاناتِ قد باتت قريبةً أكثرَ وأكثر، وأنَّ حديثنا الوحيدَ طيلةَ اللّقاءِ كان متراوحاً بين زملاءِ الدّراسة وزميلاتها، وبين الآفاق الضّبابية لمستقبلنا الهلاميّ.

كانت مجرّد الفكرةِ تُدخلنا في نوبةٍ من الضّحكِ اليائس، ونتحدّثُ عنها آنذاك وكأنّنا نتحدّث عن أعجوبةٍ من عجائبِ الزّمان ؛ أن نرتديَ – يوماً ما – بذلةً رسميةً وربطةَ عنق، وأن نجتاز مباراةَ توظيفٍ نضطرُّ خلالها أن نتحدّث بلغةٍ فرنسيةٍ خالصة، والأعجب من هذا كلِّه أن ننجح ونُقبل، ونتوجَّه بعد ذلك كلَّ صباحٍ إلى مكتبنا الخاص، تماماً كأولئك (الكبار) الذين نشاهدهم من حولنا في الشّوارع والمكاتب، وفي المسلسلات التلفزيونية.

كنَّا نفكّر في أشياءَ كهذه ونضحك، ثم نعودُ لواقعنا فنجدُ أنَّنا أمام طاولةٍ متخمةٍ بالكتب التي لم تُفتح، والتّمارين التي لم تُنجز، وأننا لا نكاد نفهم درساً واحداً من دروس الاقتصاد أو المحاسبة، ثم سرعان ما نغرق في دوّامةٍ مشتركةٍ من الإحباط اللامنتهي، ويخلُص بنا المطاف إلى وضع توقّعاتٍ أخرى لمستقبلنا، أكثر إمكانيةً وواقعية ؛ كأن نُصبح تاجريْن في السُّوق العامة، عامليْن، أو سائقيْ تاكسي مثلاً !

أحلامٌ بسيطةٌ ورؤيةٌ محدودة، كنت أبرهن على صحّتها آنذاك بالحُججِ والبراهين، والأمثلةِ الحيّةِ والأدلّةِ الملموسةِ من أخبارِ السَّابقين، ومضى بنا العمرُ ليوقِفنا، أنا وصديقي ذاك، في موقفٍ آخر، طغت عليه نوبةُ الضّحكِ عينُها، تلك التي طالما أثارت نقمةَ الأساتذةِ علينا، وتسبّبت بطردنا من الحصصِ الدراسية.

قُدّر لي أن أعمل موظّفاً، وقُدّر له أن يعمل في بنك، وقُدّر لي أن أدخل مقرَّ وظيفته ذات يوم، كان منهمكاً في حساب رزمةٍ من الأوراق النّقدية وأمامه طابورُ زبائن، وحوله بعض زملائه من الموظّفينَ البنكيين بأناقتهم الإجباريةِ المصطنعة، وبحركاتهم ولغاتِ جسدِهم، وأحاديثهم التي يغلبُ عليها طابع المدنيةِ الفرنسيةِ المشوّهة.

ما إن التقت عينانا حتى دخلنا في نوبةٍ هستيريةٍ من الضّحك المكتوم عبثاً، لم ينجح أيُّ واحدٍ منا في إخفائها وراء كفّه أو معطفه، أو تظاهره بالسُّعال ! خشيتُ أن يظنَّ مسؤول الأمن الجالسُ أمام البابِ أن بي مسّاً من جنون، أو أنني معتوهٌ يتعمّد إثارة الشّغب داخلَ مؤسَّسةٍ بنكية، وخَشِيَ هو أن تهتزَّ تلك الصورة الرسمية التي طالما اجتهد لنصبها حاجزاً بينه وبين زملائه الموظفين، فما كان مني إلا أن عُدت أدراجي خارجاً، وانتظرته عند باب البنك حتى خرج إليّ هو بنفسه.

- لو أنك لم تخرج في ذلك الوقت لكانت كارثة !

- منذ ذلك الحين، وطوال هذه السنوات، مازالت تلك الفرامل عندنا معطّلةً يا صاحبي، أليس علينا أن نشتري فراملَ جديدةً للضّحك ؟!

ونضحك…

لم تغيّرنا السنوات الستّ التي تفصلنا عن الثانوية العامةِ إلا قليلاً، أمضينا أمسية سمرٍ رائقةٍ سافرنا فيها إلى مدينة الماضي، وأخذنا جولةَ حنينٍ في أزقَّتها وشوارعها المزدحمةِ بالأحلام الابتدائية، والدّهشات الإعدادية، والنّزوات الثانوية…

ضحكنا، تأمّلْنا، تذكّرْنا، اِستفسرْنا، اِستخبرْنا، تحدَّثْنا عن كلِّ منْ خطر ببالنا المشتركِ من زملاءَ وزميلاتٍ وأساتذة.

بعضُهم لا يزالُ يجدّفُ سنواته الجامعية، والبعض الآخر قد افتتح بيته الخاص متزوجاً على عجل، مستشرفاً بذلك إلى مصافّ الرجال.

معظمُ زميلات الدِّراسة قد صرن متزوّجات، وكثيرٌ منهنَّ قد رحلْنَ رُفقة أزواجهنَّ إلى بعض البلدان الأوروبية، تتناهى إلى مسامعنا بين الفينة والأخرى أن زفاف فلانةٍ قد اقترب، أو حان، وأن فلانةً قد أنجبت طفلها الثاني، أو الأول…

يا لهذه الأعمار التي تنقلنا جبراً من حالٍ إلى حال، دون أن نحس بانتقالنا، تماماً كما يغشى الليل النهار ويغشى النهار الليل، بتدريجٍ بطيءٍ لا نكاد ندركه، ولا نملك له دفعاً، أو عليه تأثيراً.

عزمتُ مرَّةً وأنا طفلٌ أن أحاول رصد الحدود الفاصلة بين مراحل الحياة، متى أنتقل بالضّبط والتحديدِ من الطّفولة إلى المراهقة، ثم من المراهقة إلى الشباب، ثم من الشباب إلى الرجولة لأصبح كأساتذتي ! عزمتُ أيضاً أن أرصد لحية والدي متى ستبيضّ، ووجه أمي متى سيبدو أكبر مما هو عليه.

تساءلتُ أيضاً وأنا أشاهد على كرّاستي رسمةً للكرة الأرضية، عن ذلك الخط الدّقيق الذي يقسمها إلى ليلٍ ونهار، أين يوجدُ ذلك الخط ؟ ولماذا هناك فترةُ غسقٍ وفترةُ شفق، مادام ذلك الخط دقيقاً إلى هذا الحد ؟ هل بإمكاني لو نُقلت إلى ذلك الخط أن أضع قدماً في الليل وقدماً في النهار ؟ وأن أمدّ يمنايَ في النور ويُسرايَ في الظّلام ؟!

مرّت الأيّام والشّهور والسّنوات، جاوَزْتُ الطُّفولةَ وبعضَ المراهقة، وأراني الآن أحبو نحو الخامسةِ والعشرين، اِبيضّت لحيةُ والدي دون أن أشعر بها، وتغيّرت ملامح أمي دون أن أنتبه، وجاوزْتُ سنواتٍ ومراحلَ عمريةً حاسمةً دون أن أتفطّنَ إلى نموّي، أو أحسَّ بتغيّر ملامحي أمام المرآة !

متى حصل كلّ هذا ولم أنتبه ؟ أمسيّراً كنت أم مخيّراً ؟ أمسيّر أنا أم مخيّر ؟ أمسيّراً سأكون أم مخيّراً ؟

أكلُّ ما مضى كان وهماً ؟ أكلُّ ما أعيشه الآن وهم ؟ أكلُّ ما سأعيشه في قابل الأيّام سيكون وهماً ؟

أجبني بالله يا عمْر…

نعم .. إني أسمع ما تقول ؛ لحظةُ الموت وحدها تنقل الإنسان من حالةِ الوهم إلى حالة الحقيقة، وتُريه بعين البصرِ ما عميت عن رؤيته عين البصيرة، لحظة الموت فقط هي ما سيعلّمنا بدقةٍ أولويات الحياة، وينزع عن وجوهنا أقنعتها، ويوقفنا حفاةً عراة، أمام الحقيقة الكونية الكاملة.
 
 
 
* * *
* * *
 
 
 
(3)

صُـوَر
 
 
” حروفٌ تُقرأ، موسيقى تُعزف، صورٌ تُرى .. إنها شيءٌ أكثرُ مما نحلم به، إنها مشاعرُ مجسّدة،  إنها المحسوسُ يتحوَّل إلى ملموس. ”

إنها ذكرياتٌ اعتقلتها آلةُ حبسِ الظِّل، فصارت جوازات عبورٍ إلى روضة الحنين…

ما أبشع جناية الرّقميات على مقدّساتنا الشعورية ! منذ سنواتٍ توقّف نموّ ألبوماتنا العائلية، واحتلّت صورُنا القديمةُ ركناً مهملاً من أركان المكتبةِ لا يزوره أحدُنا إلا نادراً، حُرمنا لذة انتظارِ الصّور أياماً وربما أسابيع، قبل أن يأتي بها والدي من محلّ التحميض، ثم نتحلّقُ حولها في جلسةٍ أسريةٍ رائقةٍ نتبادل فيها الضّحكات، ويحرصُ أحدنا على ألاّ يلوّثَ الصورة بآثارِ بصماته إن كانت حديثةَ العهد بطعامٍ أو لُزُوجة، بل نُمسكها من أقصى طرفيْها ونتأمّلها، ونضحكُ على أحدنا إن ظهر في إحداها مُغْمَض العينينِ بعد أن اجتهد في إصلاح هندامه، واختياره أنسبَ مكانٍ لوقوفه أو جلوسه، نسبةً إلى إطارِ التصوير، وزاويةِ الالتقاط، والأشياءِ الموجودةِ من خلفه.

تنتهي الصّور ومعها تعليقاتنا، ونتمنى لو أنّ هناك المزيد، يقوم أحدنا بإحضارِ ألبوماتنا السّابقة لنضيف الصّور الجديدةَ إليها، ثم نجدُ أنفسنا وقد بدأنا رحلةَ حنينٍ جديدةً مع الصّور القديمةِ التي لا تُملّ.

وتطول الجلسة، تطول كثيراً…

الآن صار التّصوير الرقمي مجانياً، عشوائياً، ومنعدمَ المسؤولية، وأضحت الألبومات الملموسةُ مجلّداتٍ مهملةً في ركنٍ ما من القرصِ الصّلب، باردةً كالمعدن، خاليةً من الإحساس.

تمرّ أمامي بملل، أكبّرها، أصغّرها، أقتطع أجزاءَ منها، أضيف عليها ما لا حصر له من التّأثيراتِ الضّوئيةِ واللّونية، أصنع عالمي الخاص من الصّور الوهميّة التي تجتهد لإرضائي، كما أجتهد لإرضائها ! أصنع منها أكاذيبَ صادقة، وحقائقَ كاذبة، ثم أعيد تسميتها بحروفٍ تختصر مُرادي منها، لأحتفظ بها، أو أنشرها.

ليس محلّ شكٍّ أن ثورة التقنيات قد أدمجتنا مع الصّورة بشكلٍ كامل، ومنحتنا مُطلقَ الصّلاحيةِ في أن نصنع بها ما نشاء، دون أن تحرمنا في الوقت نفسه من تحميضها وطباعتها والاحتفاظِ بها في ألبومِ الخزانة كما كان الدّأبُ في أيّامنا الخالية، لكنها إشكاليةٌ رمزيةٌ بالدرجة الأولى.

الأمْرُ هو كما فعل البريد الإلكتروني بساعي البريد، وبتلك الأظرفةِ المتنبرةِ الصّفراءِ منها والبيضاء، المزيّن بعضُها بشريطٍ أزرقَ وأحمرَ يمرّ عبر جوانبها، والأهم؛ احتواؤُها على رسالةٍ بخطّ اليد، مذيّلةٍ بالتّاريخ مع عبارةٍ عاطفيةٍ جميلة، تَليها رسمةٌ ساذجةٌ لوردةٍ أو قلب.

رسائلُ حيّةٌ تعيش وتنمو، تنكمشُ خجلاً من أصابعِ يدك، تتأثّر بعوامل الزّمن، تُصيبها أعراض الشيخوخة…

تعثر عليها صدفةً بعد سنواتٍ فتجدها وقد أصابها الشّحوب، ومالت نحو الاصفرار، وانمحت منها بضعةُ أحرف، وانطبعت عليها آثار الطيّ، لكنها مع ذلك تُوقف الزّمن من حولك بتأثيرٍ هو السّحرُ أو يشبهُه، وتعود بك إلى يومِها الأول بين يديك بيضاءَ ناصعة، حتى لكأنّك تعيش ذلك الزمن…

بحواسّكَ الخمسِ كلِّها !
 
 

* * *
 
 

كنتُ في وقتٍ مضى أندهش من صُوَري، والآن صرتُ أندهش من صورِ والدي !

كيف كان شكل الحياةِ في ذلك الوقت ؟ كيف أَحَسَّ آباؤنا بالتغيُّر الجذري الذي عرفه المغرب بين جيلهم وجيلنا، والجيلِ الثّالث هذا الذي نعيش فيه ! أتناول صورةً كئيبةً بالأبيضِ والأسود، تتخلَّلُ مزيجَ ألوانها درجةُ بُنِّيٍّ باهتة، تظهرُ فيها امرأةٌ منتقبةٌ تركب سيّارةً ذات طرازٍ ضاربٍ في القِدَم، واضحٌ أن ركوبها خلف المِقود كان من أجل التّصوير فقط وليس من أجل القيادة ! وأمامَ السيّارة يقف شابٌّ ضاحكٌ بأناقتهِ العائدة لحقبة السّتينيات، على رأسه قبّعة يذكّرك شكلها الأمريكي بأفلام (التيكساس) القديمة، وأمامه رجلٌ آخر يرتدي ثياباً مشابهة، وطفلٌ صغيرٌ ينظر نحو العدسةِ عابساً ببراءة !

خلف الصورة كُتب تاريخ التقاطها بحبرٍ جافّ، سنة 1967 !

- هذه عمّتك كما ترى، وذاكَ زوجُ عمّتك، أمّا الطّفل الصّغير فهو أنا ! ألا تستطيع تمييز والدك وهو في السابعة ؟

يا للهول ! أحقاً ذلك الشاب العصريّ الضّاحك هو زوج عمّتي رحمه الله ؟ أهُوَ هُوَ ؟ ذلك الشّيخُ الذي لم أكن أراه إلا في العيديْن متدثّراً بجلبابه، وقد برزتْ بطنُه وتهدّلت أوداجه، يحكي لنا قصصَ بطولاته القديمة وأمامه موائدُ الطّعام والحلوى، عليها كؤوسُ العصير وأكوابُ الشّاي والقهوة، ونحن جلوسٌ حوله نصغي بخشوعٍ وانبهار…

هذا الألبوم خاصّ بصور والدي.

يبدو من خلال صوره القديمة أنه أيضاً قد (عاش أيّامه) عندما كان شاباً ! لماذا يُخيَّل إلي عندما أشاهد صورهُ القديمةَ بألوانها الباهتةِ جداً، أو الأقدمَ منها تلك التي بالأبيض والأسود ؛ أن حياتهم الحقيقةَ قد كانت فعلاً بتلك الدّرجةِ اللّونيةِ الكئيبة، وأتخيّل أنني لو دخلت إلى إحدى صورهم تلك وعشْتُ معهم تلك اللّحظة، أن العالم كلَّه من حولي سيتَّخذُ ذلك اللون البنيّ الباهت، أو الرّمادي المتراوح بين الأبيض والأسود ! اللحظةُ الحاليةُ فقط هي الأنصعُ ألواناً لأنها الأحدث، كل ما مضى بنّي باهت، أو رمادي.

يبدُونَ رائعينَ بطابعهم العتيق، وأشكالُ شعورِهم الشّعثاء المجعّدة، والمتشعّبةِ في جميع الاتجاهات مضحكٌ حقاً، على طريقة (الهيبّيزم) التي كان لها انتشارٌ كاسحٌ في فترةِ السّبعينيات، حتّى ملابسهم تبدو ذاتَ طابعٍ مميّز ؛ قمصانُ ضيّقةٌ مفتوحةُ الأزرار، وياقاتُها الواسعةُ تكاد تغطِّي الكتفَ كأنّها أجنحةٌ تحيط بالرقبة، بناطيلهم الضيّقة من الأعلى تتّسع باطّراد نحو الأسفل، على طريقة (قوائم الفيل)، الموضة التي عادت لاكتساح الأسواق في أيّامِ مراهقتنا أيضاً، بعد طول انقطاع.

الاهتمامُ بادٍ على وجوههم وهم متحلّقون حول اثنينِ منهم يلعبان الورق على إحدى الطّاولات، كان ذلك في غرفتهم المشتركة التّابعةِ للسّكن الجامعي. والدي من بينهم أيضاً، ملابسُهم الرّياضية من نوع (آديداس) ذات شكلٍ غريب جداً، غير أنني لا أستغرب ارتداءهم جميعاً لمثلها في ذلك الوقت، فقد كانت آخر صيحةٍ على ما يبدو في حقبة السبعينيات !

أمرّر صوراً أخرى لوالدي وأصدقائه، أعرفُ بعضهم ولا أعرف آخرين، يبدون الآن وهم يحومون حول الخمسين رجالاً وقورين، وأربابَ أسرٍ منشغلينَ تماماً بالإشرافِ على دراسةِ أولادهم، ويتحدّثون معاً عند التقائهم بأسلوبٍ راشدٍ متّزن، يناقض تماماً الجموح الشبابي النّافر من بعض صورهم القديمةِ أيّام كانوا طلاّباً في كلِّية فاس، شعبة التّربية البدنية !

زوجُ ابنةِ عمّتي كان معهم أيضاً في نفس الجامعةِ زميلاً لوالدي، أبتسم وأنا أراه في إحدى الصّور جالساً مع جموع الطلاب في المطعم الجامعي يتناولون طعام الغداء، مرتدياً سُترة (جينز) أنيقة، لم يكن يعلم هو وأصدقاؤه في ذلك الوقت أنّه سيصبح زوجاً لابنة عمتي، وأن مسار حياتهِ الأسريّة سيتغيّر تماماً بعد قرارِ الالتزامِ الذي اتخذاه معاً، تعرّضت هي لحربٍ نفسيةٍ شُنّت عليها بسبب ارتدائها للنّقاب، وتعرّض هو لاستفزازاتٍ متلاحقة سمعتُ بعضها وغاب عنّي معظمها، سبّبتها له لحيته التي صارت طويلة !

مضايقاتٌ من هذا النوع كان يتعرض لها كلّ من سوّلت له نفسه الالتزام بتعاليم الإسلامِ على الطّريقة السلفية المعتدلة، لكنّه مع ذلك لم يتغيّر، كنتُ بدوري قلقاً بشأنه وخائفاً، بمنطقٍ طفوليّ أنتجه الفهمُ الخاطئ المنتشر لدى معظم المغاربة، من أن يصبح تكفيرياً متشدداً جِلفاً، متبلِّدَ المشاعر عبوسَ الوجه، لكنَّ شيئاً من ذلك لم يكن ! مازالت روحُه المرحةُ هي نفسُها، ومازال حتى الآن يذكِّرني بالدّعابات التي كان يمازحني بها صغيراً وكنت أصدّقه…

كلّ ما حصل أن فهمه للإسلام صار أكثر وسطيةً واعتدالاً، وأنه وزوجته عَزَمَا على إقامة بيتهما على ضوءٍ من الاتّباع السّليم والحذِر لتعاليم الشّرع.
 
 

* * *
 
 

أفضّل عادةً أن أتفرّج على الصّور لوحدي، تلافياً لتعليقاتِ الآخرينَ الذين ينزعجون من بطئي الشّديد في تمريرها حتى على الحاسوب، وأنا من جهتي أستغربُ كيف يمرّرها البعضُ بعجالةٍ سريعةٍ فلا يقف فيها على تفصيل، ولا يكون لها عندهُ أيّ حظٍّ من التأمل، والتّدقيق في خفايا ما تنطوي عليهِ من أشكالٍ وألوان.

لإيماني بأن كلّ صورةٍ تُلتقط هي عالمٌ قائمٌ بذاته ؛ أحبّ عند مشاهدتي للصّور أن أتوقّف طويلاً عند كل عالَم.

أمسحها بعينيّ بدقّةٍ وبطء .. ألقي عليها نظرةً شاملة، أتأمّل كيف تبدو، ثم أبدأ بفحصها قطعةً قطعة، وجهاً وجهاً، عيناً عيناً، ابتسامةً ابتسامة، جسماً جسماً، شيئاً شيئاً حتى تتشرّبها عينايَ بالكامل، أكتشفُ أنّ الأشياء العادية في الصورة، والتي لا تستحقّ كثيرَ اهتمام، هي نفسها الأشياءُ التي قَصَدَ المصوّر التقاطها لحظة التصوير، وحرِص على أن يضبط أبعادها وأوزانها داخل إطاره، وأنّ أجمل ما في الصورة، هو تلك التّفاصيل الصغيرة التي لم ينتبه لها المصوّر، ولم يقصد التقاطها، ولم يعلم بوجودها أصلاً إلا بعد استخراج الصورة.

إنها تلك الظّلالُ المنعكسةُ على الوجوهِ والأشياء عن غير قصد، تلك الأخلاطُ اللّونيةُ البديعةُ التي تنشأ من تمازجِ الألوان والظّلال، وتتأثر إيجاباً أو سلباً، بجودة آلةِ التصوير، دون أن تكون الجودة المرتفعة للآلة عاملاً إيجابياً في جميع الأحوال ؛ كثيراً ما أكتشف أن الأمزِجة التي تصنعها آلات التّصوير القديمةُ هي أفضلُ وأجملُ بكثيرٍ مما تصنعه بعضُ الآلاتِ الحديثة، ليس غريباً إذاً أن يحلوَ للبعض التّلاعب بصورهم الجديدة، عبر تجريدها من ألوانها تماماً، لتبدو أكثر جمالاً، ورونقاً وسحراً بالأبيض والأسود، أو عبر تحويلها إلى درجاتٍ من اللون البنّي الباهت توهمُ الناظر إليها أنها التُقطت منذ سنوات.

يحصل معي أحياناً وأنا أتأمّل بعض صوري القديمة، أن تعود حواسِّيَ الخمسُ كلُّها إلى زمنِ الصورة، فأعيش جوّها، وأشمُّ رائحةَ مكانها، بل وربمّا أسمع أصواتَ المتواجدين فيها، وأتذكّر ما كان خاطراً ببالي في تلك المرحلة العمرية، وذلك اليوم، بل في تلك اللّحظة بالذّات.

أستطيع أن أشعر بملمسِ مِيمِي، وأنا واضعٌ كفِّي على ظهرها في إحدى الصور، وهي جالسةٌ على حِجري بِدلال.

أستطيع أيضاً أن أسمع تلاطم الأمواج، الممتزجة مع لغط أصدقائي في المدرسة الإعدادية، ونحن في إحدى الصّور منهمكون في تناول (الطّاجين) الذي قمنا بإعداده في منطقة (آكْلا)، أسفلَ غابة (الرّميلات).

أسمع كذلك خشخشةَ لِحاء الشّجرة تحت كفّي، ممزوجةً بحفيفِ الأوراق التي تداعبها الرّياح، وأنا أحاول الظّهور بمظهر المتسلّق لها، في إحدى الصور.

يرنّ في أذني، كذلك، صوت جدّتي رحمها الله، ونحن، أنا وأختاي، متحلّقون حولها ذات ليلة، نصغي إليها وهي تحكي لنا حكاية (لونجة بنت الغول)، أتأمل أثر السّجود المنطبع على جبينها، والشعرات البيضاء والحمراء التي تطلّ من ثنايا حجابها.

إن الصّور فعلاً هي أفضل تذاكر للسّفر عبر الزمن..

إنها .. دون منازع، جوازاتُ العبورِ إلى روضة الحنين !
 
 

* * *
 
 

قالوا :

” نحن نحبّ الماضي لأنه ذهب، ولو عاد لكرهناه ”

عبارةٌ جعلتني أتأمّلها طويلاً، لماذا تبدو الأشياء كلُّها جميلةً في الصّور، حتى لو ارتبطتْ معنا بذكرى حزينة ؟ قرأتُ يوماً بأن الموسيقى وحدها تجعلنا حزينين بشكلٍ أفضل، لكنني أقول؛ بأن الموسيقى وصور الماضي معاً، يجعلاننا سعداء بشكلٍ أسوأ !

بيتنا القديم أصغر مساحةً من بيتنا الحالي، لماذا يبدو لي رحبَ الأرجاء جداً عندما أشاهده في صورة ؟ ولماذا تبدو تلك الأشياء البسيطةُ القديمةُ الموزّعةُ على أرجائه جميلةً للغاية ؟ ولماذا أحسّ بأنّ ذلك الشّحوبَ اللّوني الطّبيعي الذي يعتري الصّور القديمة هو أفضلُ وأجمل، وأكثرُ أناقةً ودفئاً بكثيرٍ من أحدثِ ما تلتقطه آلاتُ اليوم من صورٍ عالية الدِّقة ؟

حقاً إن التّغيرات المتعاقبة التي تمرّ على أشكالنا وصورنا وأساليب حياتنا، هي مما لا ننتبه له إلا عندما نبدأ بالحديث اعتماداً على سلّم السنوات، أو عندما نتناول صوراً أرّخت لتاريخٍ ما ؛ فنلمحَ فيها ما ننتبهُ فجأةً بأننا فقدناه دون أن نشعر.

حُقّ لي أن لا أعرف كم مرّ من الوقت وأنا أقلّب بين عينيّ تلك الصور، عندما نركب كبسولة الزّمن نفقد الإحساس بالمقاييس الطبيعية التي تجري على الحياة في نظامها الكونيّ المعتاد، كانت رحلةً جميلة أن أشاهد نفسي عن كثبٍ وأنا طفل، وأن أشاهد كيف كان أبواي وإخوتي، وأعمامي وأخوالي، وأصدقاءُ دراستي قبل سنواتٍ عدّة.

تستوقفني أكثر تلك الصّور الجماعيةُ التي كانوا يلتقطونها لنا في مدرسة (يوسف بن تاشفين) الابتدائية، حيثُ كنّا نصطفُّ واقفين على الطّاولات التي تم إخراجها إلى ساحة المؤسّسة، ويقف على جانب المجموعة المعلّم، أو المعلّمة، وعلى الجانبِ الآخرِ مديرُ المؤسّسة إن كان موجوداً، وأسفلَ المجموعة يوضع لوحٌ أسود بارز كُتب عليه بالطباشير الأبيض :

- يوسف بن تاشفين – السنة الأولى – 1992

نحن نحبّ الماضي لأنه ذهب، ولو عاد لكرهناه.

نعم، أحبّ الماضي لأنه مضى، أحبّه كما يبدو في الصّور، وفي ذاكرتي…

لا أريد له أن يعود لأنه إن عاد سيفقد صفته المميّزة، صفةَ كونه (الماضي)، وسيكون عندئذٍ حاضراً يشبه تماماً لحظتي هذه التي أعيشها وأسْطُر فيها هذه الحروف، لا شيء مميزاً من حولي، ولا شيء سيكون مميزاً في مشهدي هذا إلا إذا التُقطت لي الآن صورة على أن أشاهدها لاحقاً، أو عدتُ بذاكرتي إلى هذه اللحظة، بعد زمنٍ يكفي لاكتمال دورة الحنين.

لم أتوقّع أن ذلك سيكون صعباً ؛ عندما حاولتُ ذات مرّة أن أجعل الحنينَ صفةً لازمةً لأوقاتي كلِّها حاضِرِها وماضِيها، وأن أعيش كلَّ لحظةٍ في حياتي مهما بدت عاديةً على أنها مشروعُ ماضٍ جميل.

وكانت النتيجة أن صرت حسّاساً جداً، وغير مبالٍ في الوقت نفسه.

وسجّلت تناقضاً جديداً أضفته لديوان تناقضاتي.

نعيش، نلتقط صوراً..

نستنشق حنيناً ؛

ثم نموت، ويشاهدون الصّور..

يستنشقون حنيناً،

ثم يموتون .. وتبقى الصور…

وتمضي الحياة…
 
 
 

* * *
* * *
 
 
 

(4)

طـفولـة
 
 

-      المرور بهذا الحيّ يذكّرني بأيام طفولتي، هناك في (جْنان قَبطان) وُلدت ونشأت، وهناك في (أمراح)، وقرب (السّقّاية)، وهنا أيضاً في (قصبة مرشان) كنّا نركض ونلعب، هذه المناطق تسمّى (المدينة القديمة)، أترى تلك الطفلة التي تلعب هناك جانبَ السّور العتيق ؟ مثلَها تماماً كنّا نلعب، لكن المكان تغيّر كثيراً، لم يعد كما كان مع الأسف…

-      وما الذي تغيّر فيه يا أمي ؟

-      كان في الماضي أكثر ازدحاماً مما هو عليه الآن، وكان يمتلئ بالقُصّاص، ورُواة الأحاجي، ومروِّضي الأفاعي، وكنا نتفرّج عليهم وهم يعزفون بمزاميرهم ويتمايلون يمنةً ويسرة، حتى تخرج الأفعى من الكيس رافعةً رأسها متمايلةً هي الأخرى مثلهم تماماً.

-      وأين هم الآن ؟ لماذا لم يعودوا موجودين في هذا المكان ؟

-      لست أدري، فقد مرّت سنواتٌ عديدةٌ منذ ذلك الوقت…

-      لكن المكان هنا جميل جداً، وكأنّه مكانٌ تاريخي !

-      نعم، هذه طنجة القديمة، ولو دخلنا عبر هذه البوّابة الكبيرة فسوف نطلّ على شاطئ (بو قنادل)، وسيظهر لنا ميناء طنجة البحري كاملاً.

خُيّل إليَّ ساعتها أنني لن أجد ما أحكيه لأولادي في لاحق الزمان، من حنينٍ يشاكِلُ حنينهم هذا أصالةً وجمالاً، أنا الذي وُلدت ونشأت في حيٍّ شعبيّ من الطّبقة المتوسطة .. ظننتُ أنّه لن يكون مشهداً رومانسياً جميلاً أن أتحدّث بفخر عن منزلٍ من واجهتين إحداهما على الشارع في حيّ (الحسنية)، وملتصقٍ بصفٍّ من المنازل في تشكيلةٍ حضريةٍ نوعاً ما، لكنني اكتشفت لاحقاً أن تخيّلي ذاك لم يكن سوى وهماً، سبَبُه كونُ إقامتنا في ذلك المنزل كانت حاضراً، لم يحظَ بعد بشرف التحوّل إلى (ماضٍ)، تصبغه ريشة الحنين بأروع ألوانِ الجمال.

لكنّها طنجة … المدينة اللّغز …

أغبط والدي على ذاكرةِ صِباه، ونحن نمرّ على (فندق الشّجرة) وننحدر نحو (سوق الدّاخل)، ونجتاز تلك الأزقّة القديمة الضّيقة جداً، التي أبدع في وصفها (باولو كويلو) في رائعته العالمية (الخيميائي).

تمرّ بي لفحاتٌ محمّلةٌ بروائح الخبز السّاخن التي تشِي بها نوافذ البيوت المنخفضة، ممتزجةً بدخانِ وجباتِ الغداء الجاري إعدادها .. الرّوائحُ التي نشمّها تختلف عند كل زقاق، بل كلَّ بضعِ خطوات، ما إن نمرّ أمام بيتٍ من البيوت القديمة حتى تمرّ بنا رائحة الطّعام الجاري إعداده، وما إن نمرّ أمام محلٍّ تقليدي قديم حتى يهبّ على وجوهنا مِزَاج الأصالة، سُتَرٌ وأحذيةٌ جلدية بنّية وسوداء، قطع أثاثٍ تبدو وكأنها استُخرجت من مسلسلٍ تاريخي، مرايا ضخمة الحجم تحيط بها إطاراتٌ خشبيةٌ زخرفتها بأيادي ماهرة، أجهزةُ هواتفَ تعود لعشراتِ السِّنين، وأجهزةُ مذياعٍ ضخمة الحجم طالما صدحت عبرها أصواتُ الطّرب الأصيل. آلاتٌ موسيقيةٌ نفخيةٌ ووتريةٌ تزيد المكان رونقاً، خاصةً إن عزف على إحداها عازفٌ ماهر.

خليطٌ من روائح الخشب والجلد المعتَّقة يداعب حاسّة الحنينِ عند كلّ من يمرّ بأماكنَ من هذا النّوع. اِعتقدت دائماً أنّ حاسة الشمّ هي الأكثر ارتباطاً بحاسة الحنين ! على أن حاسة السمع ليست أقل ارتباطاً، يبدو المشهد أكثر تناغماً عندما تلتقط أذنك ألحاناً من الطّرب الأندلسيّ البديع ممزوجةً مع صفيرِ الطّناجر، ولغط المارّة الذي اختلطت فيه جميع لغات العالم، أو عندما يصدح (حسين السلاوي) برائعته (الساقية والبير)، تليها نسخٌ أصلية لـ (آبنت بلادي، عجبوني عينيك)، أو (يا الرايح وين مسافر).

يشير والدي إلى بيتٍ كبيرٍ مزخرفٍ على الطّراز القديم، يقابل ساحةً امتلأت جوانبُها بالباعة وأصحاب المطاعم الشّعبية التي تزدحم عندها الطاولات والكراسي والأقدام، وتتجوّل حولها القطط الشّاردة طلباً لإطفاء جوعها الأبدي بأيدي المحسنين، ويترنّح هنا وهناك المجانينُ والمعتوهون والمتسوّلون وسكارى الليلة السابقة، وأسفلَ المنزل مقهىً تجمّع فيه (أولاد الشّعب) من سكّان طنجة الحقيقيين، المهدّدين بالانقراض.

يشير إلى ذلك البيت ويقول :

- هنا وُلدت ..

ثم يشير إلى مصفوفةِ الأزقّة الضّيقة التي اجتزناها كما نجتاز متاهةً معقّدة الأرجاء مجهولةَ المداخل والمخارج، ويقول :

- وهنا كنّا نلعب ونركض، وفي الصّيف كنّا ننزل حفاةً إلى الشّاطئ، يومَ كانت مياهه نظيفةً على عهدنا…

وتأخذه حسرةٌ على شاطئِ طنجة ..كما تأخذ نفسُ الحسرة كل أبٍ أو جدٍّ نشأ بين أحضان عروسة الشمال، وشهد بِعينِ يقينِه كيف كان، وكيف أصبح.

ما أجمل أن تعود كبيراً إلى حيث كنت وأنت صغير…

تأخذك الدّهشة، ويختلج قلبك، ويتحرّك سائلٌ ما خلف جفنيك، وتتحفّز حواسّك كلّها، ويُنبش في ذاكرتك العميقةِ العميقة، وترتبط عندك المناظر والرّوائح الأشكال والهيئات بذكرياتٍ كنتَ قد نسيتها تماماً، فإذا بها تطفو على السّطح فجأةً فتختلطُ عليك الأزمنة، ولا تعودُ تدري أأنت أنت، أم أنّك ذلك الطّفل الذي (كان هنا)…

كلّ شيءٍ في طنجةَ يشعلُ شموعَ الحنينِ حتى آخرِ فتيل.

بعد أن رحلنا من بيتنا الأوّل إلى بيتنا الثّاني القريبِ قليلاً منه، صرت لخجلي لا أعود لزيارة حيّنا القديم، تلافياً للقاء أحدٍ من أصدقائي أو أصدقاء والدي، عادتي عند الاختفاء أن أختفي تماماً دون أن أترك أيَّ أثر يدلّ عليّ، أو أملٍ في لقائي من جديد.

كنتُ أكابد الشوق للجلوس على عتبة منزلنا القديم، والتّجوال في أزقّته، وملاعبة ميمي، والرّكض وراء الفراشات محاولاً الإمساك بها، قربَ أشجار الموز المتدلّية من فناءِ منزلٍ قريب.

جاء رمضان، إنه أول رمضانٍ نمضيه في المنزل الجديد، لا مشكلة إذاً ! سوف نصلّي الفجر في نفس المسجد المعتاد، (مسجد القنطرة). يطربني (سي المهدي) بأذانه المتميّز المنبعث من حنجرةٍ ذهبيةٍ أصيلةٍ لشيخٍ طاعنٍ في السّن، نصلّي الصبح جماعة، ونتحلّق حول الإمام ممسكين بالمصاحف، مستعدّين لـ (قراءة الحزب)، يبدأ الإمام بالتلاوة وندخل معه في قراءةٍ جماعيةٍ ذاتِ إيقاعٍ مغربيّ موحّد، الشيوخ يقرؤون من حفظهم وكثيرٌ من الرّجال والشباب يقرؤون من المصاحف.

ننتهي، وأعجز عن الحركة بسبب الخدر الذي أصاب ساقي، أستغرق في التّأمين على دعاء الإمام بعد أن أناولَ المصحفَ شخصاً قام يجمعها من القرّاء ليعيدها إلى حيث كانت على الرّفوف.

أخرج من المسجد وقد بدأ لون السّماء يتغيّر من السّواد إلى الزّرقة الدّاكنة، ألمح فتياتٍ ينتظرن سيارةَ نقلِ العمّال، لتصطحبهنّ إلى مقرّات عملهنّ البعيدةِ عن المجال الحضريّ، أقرّر عدم العودة إلى البيت الآن..

ليست هناك فرصةٌ أفضل من هذه…

سأشعل شمعةَ حنينٍ جديدة ؛

الحيّ القديم !

أمضي وحيداً بخطواتٍ سريعة، ملتحفاً بما بقي في الفجر من ظلام، أقف أخيراً أمام مسقطِ رأسي ! لا أحدَ هنا غيري على الإطلاق .. الجميع نيام، الأزقّة كلّها خاليةٌ تماماً، يا للسعادة !!

أرفع بصري عالياً، أديره في جدران البيتِ القديم ونوافِذه المغلقة، أجلس على عتبته الرّخاميةِ المنقوشِ عليها تاريخُ بناء المنزل (1982)، ألمس الباب الحديديّ بيديّ، أتمنى لو أستطيعُ الدخول.

أقف من جديد، أستنشق الهواء بملءِ رئتيّ اللّتان أذابتهما رائحة الحنين، أشعر بتلك الدّغدغة الخفيّة خلف جفنيّ، أستنشق مرّةً أخرى بشكلٍ أقوى وأعنف .. أتأمّل نوافذَ البيت نافذةً نافذة ؛ تلك نافذةُ المطبخ التي كانت تطلّ منها أمّي كلما قرعتُ الجرس عائداً من المدرسة، وتلك نافذةُ غرفةِ الضّيوف، أتذكّر أيامَ الصّيف التي كنت أنام فيها تحتها وأفضّل تركها مُشْرَعةً لنسمات الهواء، إلى أن توقظني أشعّةُ الصّباح الأولى مداعبةً وجهي وعينيّ…

أخطو بضعَ خطواتٍ نحو الواجهة الأخرى من المنزل، المطلّةِ على الشّارع، أتأمّل الشُّرفة الصّغيرة التي طالما أطْلَلْتُ من خلالها على مسافاتٍ طويلة تمتدّ على طول الطريق، وركضتُ نحوها كلّما سمعت صراخاً وضجيجاً على الطّرف الآخر من الشارع، لأتفرّج على شجارٍ دمويٍّ جديدٍ حامي الوطيس، افتعله (العربي)، سبَبُه على الأرجح ورقةٌ نقديّة، أو علبةُ سجائر، أو كلمةٌ ما، أو زجاجةُ خمر !

(العربي) كان واحداً من الشّباب الضّائع الذي يُمضي معظمَ يومه جالساً على كرسيٍّ ضئيلٍ أمام صندوقٍ مقلوب، يبيعُ عليه بضعَ علبٍ من السّجائر، وأمامَه مذياعٌ صغيرٌ مضمّد بالأشرطةِ اللاّصقة من فرطِ ما وقع وتحطّم، وكأسُ قهوةٍ باردةٍ إلى النصف، موضوعٌ بجنبه على الأرض…

كنتُ قد اخترت تلك الشُّرفةَ ساعةَ الرّحيل، لتكون آخر العهد لي مع منزلنا الأوّل الذي وعيتُ أوَّلَ ما وعيتُ بين جدرانه، الوقت ليل، ومعظمُ الأثاثِ قد نُقل إلى المنزلِ الجديد، وجدرانُ المنزل القديم أصبحت تُرجع إلينا صدى أصواتنا كلَّما تكلَّمنا ! اِتجهتُ نحو الشُّرفة وحيداً، وأغلقت بابها ورائي، وبدأتُ ممارسةَ طقوسي المقدَّسةِ التي لا يفهم معناها غيري.

حفرتُ جدرانَ الشُّرفة بعينيّ، كنت أحاول تخزينَ كلِّ ذرَّةِ غبارٍ شاردةً في ذاكرتي، تشبَّثتُ بحواجزها الحديدية، وأسندت خدّي عليها طلباً لبرودتها، مرَّرتُ أصابعي على تعاريج الحاجز الحديدي، وعلى نتوئِه الصّدئة، ثم ألقيت بصري خارجاً … أحسستُ بمرارة الحرمان، فكَّرت في أن تلك هي آخرُ مرَّةٍ في حياتي أشاهد فيها الشارع من زاويةِ الرُّؤية تلك، فطفِقتُ أجيل بصري ببطءٍ شديدٍ أتأمَّل السَّيارات المركونة على طرف الزّقاق، ونوافذَ البيوتِ المقابلةِ وشُرَفها، واللاّقطاتِ الهوائية المنصوبة على الأسطح، لم تكن الصُّحونُ اللاقطة منتشرةً بكثرةٍ في ذلك الوقت.

أتأمّل يساراً مئذنة (مسجد القنطرة)، ووراءها حافّة (قنطرة بن ديبان) التي تمر السّيارات فوقها بسرعةٍ عالية، ويميناً أتتبع الشارع نحو صندوق (العربي) الذي لم يكن في مكانه، يليه المرتفعُ الذي يقود نحو المدرسة الابتدائية (مبروكة).

بقيتُ على تلك الحال ما شاء الله أن أبقى، إلى أن سمعتُ صدى صوتٍ ينادي عند الباب : أنـس، هيا لنذهب ! لقد تأخرنا…

تمنيتُ لو أن لي أجنحةً أستطيع الطّيران بها فأصعدَ إلى الشُّرفة لأطلّ عبرها، لكنَّ كلَّ ما كنتُ أستطيعه في يومي ذاك أن أقف تحتها رافعاً رأسي وبصري أتأمّلها…

ثم تمشّيت…

بخطواتٍ بطيئةٍ متثالقة، جُلتُ أزقّتي القديمة زقاقاً زقاقاً، ووقفتُ على مراتعِ الصِّبا وملاعبِ الطُّفولة، أحسستُ للحظةٍ أن المكان كلّه صار ملكاً لي، كَوْني كنتُ الكائن البشريَّ الوحيدَ الموجودَ هناك في مثل ذلك الوقت.

وقفتُ أمام شجرة الموز المهجورة، وأمام الكُتَّاب الذي حفظنا فيه شيئاً من القرآن الكريم قبل الالتحاق بصفوف الدراسة، وفي الإجازات الصّيفية الأولى، عاد لذاكرتي مشهد الكُتّاب ونحن جلوسٌ أمام (الفقيه)، على ضوء قنديلٍ زيتيٍّ ضئيلٍ باهتٍ لا يكفي لإضاءةِ المكان، وأحدُنا يستظهر ما حفظه خائفاً مترقباً، وَجِلاً من عصا الشّيخ التي يحكم قبضته عليها، مستعداً للضّرب عند أيّ خطأ !

عاد لذاكرتي ملمسُ اللّوح الخشبيّ الذي كنّا نكتب عليه ما سَنحفظُه من آياتٍ قرآنية، لنمحوها بعد ذلك بواسطةِ خليطِ الصّلصالِ مع الماء، ثم نعيد الكتابة عليها من جديدٍ بواسطة قلم قصبيٍّ ودواةِ حبر…

محلّ إصلاح العجلات لم يُفتح بعد، وكذلك محل بيع القهوة، والحدّاد، والمقهى، ثم الملبنة ومحل البقالة..

عثرتُ على ميمي أخيراً ! إنها منزويةٌ تحت إحدى الشّاحنات، انحنيت على ركبتيَّ وناديتُها ؛ يا للهول ! إنها لا تذكرني ! يبدو أنني أطلْتُ الغياب فعلاً… إنها تنظر إليَّ بعينينِ واجمتين، لم تنجح (بَسْبَسَتي) لها في استثارتها، هي التي كانت تركض نحوي كلّما وقع بصرها عليّ، وترتمي في حضني دون أن تمسّني مخالبُها، وكنتُ أجلس على إحدى العتبات وهي تدفِن جسدها الصّغير وسط ملابسي تتمسّح بها، ثم أستمرّ في ملاعبتها وتمرير كفّي على ظهرها، وتخليلِ وبرِها بأصابعي، إلى أن ينصرف أحدُنا مضطرّاً، أو أنتبهَ لها فجأةً وقد غطّت في نومٍ عميق.

كانت علاقةَ حبٍّ طاهرة ؛ بين طفلٍ وقطّة !

تحذيرُ الآخرين لم يكن في محلّه عندما أنجبت مجموعة هِررةٍ لطيفة، فَخِيف عليّ إن أنا مددت يدي إليها أن تهجم عليَّ بمخالبها هجمة أمٍّ تموتُ دون سلامةِ أولادها، قلتُ بأنها تعرفني جيداً، قِيل بأن الحيوانات تفقد ذاكرتها بعد الولادة، فلا يشغلُها غير صغارِها ! فكان أن (ذهبنا لزيارتها) في الصّندوق الذي ضمّت فيه صغارها، وكانت منهمكةً في إرضاعهم، مددتُ يدي إليها فلم تحرّك ساكناً، لاعبتُها، مرّرت كفّي على ظهرها النّاعم، ولمستُ صغارها دون أيِّ هجومٍ يُذكر، برهنتُ على بطلان نظريةِ أن الحيوانات تفقدُ ذاكرتها عندما تُنجب، وتأكَّد لي ذلك بالدّليل القاطع عندما اغترّ طفلٌ آخر بما رأى، فمدّ يده إليها ليلمسها فإذا بها تنقضُّ عليه بمخلبها صارخةً بعنف، ولولا أن الطّفل كان خاطفاً في نزعِ يده لأدمتها مخالبُ ميمي.

تركتُ الشّاحنة وانصرفت، كانت مكتفيةً بالتحديق بي بعينيها الخضراوين الواجمتين، لا يبدو أن ميمي ستخرج لمقابلتي فربما مُحيتُ من ذاكرتها، أو ربما لم تتعرّف علي بسبب الظّلام، أو بسبب بُعديَ الجسديِّ عنها إن كانت القطط تميّز البشر عبر الرّائحة ؟!

لون السّماء أصبح (سماوياً) ! راقَ لي عندها أن أصعد إلى أعلى (قنطرة بن ديبان) لأسرِّح ناظريَّ عبر (طريق الرِّباط)، وعبر المنازل البعيدة المنثورة ناحية (البرانص) أو (حيّ الموظّفين)، أستطيعُ أن ألمح مئذنة (مسجد التّقوى)، حديثِ البناء في ذلك الوقت .. يطيبُ لي أيضاً أن أتفرّج على شروق الشمس وأتأمّل كيف ينسلخُ الليل عن النهار، وكيف يطلب أحدهما الآخر حثيثاً…

أدهشني عشّ اللقلق على رأس مئذنة (مسجد القنطرة)، كانت المئذنة تبدو أجملَ أيّام كانت مصبوغةً باللونين الأخضرِ والأبيض، لستُ أدري لماذا أعادوا صباغتها بلونٍ أبيض فقط منذ مدّة !

صافحتُ أشعة الشّمس الأولى في ذلك اليوم الرّمضاني، خيالاتها الدافئة أذْكَتْ شعلة الحنينِ التي أوقدتُها بداخلي للتّو، سوف يكفيني دفؤُها زمناً قبل أن أحتاجَ للعودة من جديد، ذات صباحٍ رمضانيٍّ آخر.
 
 

* * *
 
 

لنختبئْ هنا ! لا نريد أن يرانا فيطردَنا من المسجد !

وفعلاً لم يكن يَرانا (سي المهدي) ونحن منحشرونَ في إحدى زوايا عُلِّية المسجد، مستخفِين من عباراته القاسيةِ وخائفين من أن يطردنا كعادته شرَّ طِردة، التحاقُنا بالمسجد بعد الفطورِ بقليل، وقبل أذان العشاء بأكثرَ من ساعة، لم يكن بريئاً !

نُفاجئ بذلك الرّجل الأبكمِ العصبيّ، صاعداً الدُّرج منفعلاً مقطّباً حاجبيهِ بشدّة، ما إن يرانا حتى تبدأ انفعالاته الغاضبة وأصواتُه المكتومةُ التي تصدر عادةً من البكم عفواً دون شعورٍ منهم، ويشير بيديه إلى الخارج طارداً إيانا من المسجد، كان يعلم رغم صَمَمِه أنّنا نثير الشّغب أثناء صلاة التّراويح ونزعج المصلّين، وندغدغ أقدامهم عندما يسجدون ثم نهرب راكضين نلهو ونضحك ! كنت قد نسيتُ، أو تناسيتُ الآداب التي علّمني إيّاها والدي في صغري، ما كنتُ لأستطيعَ مقاومةَ إغراءِ أصدقاء الحيِّ من أقراني الأطفال، بمشاركتِهم الأفعالَ الطّائشة والمشاغباتِ المزعجةَ التي لا تقف عند حدّ، جاهدتُ نفسي كثيراً عند الإغراءات الأولى، وكنت أحاول الإعراض عنهم والبقاء منضماً إلى صفّ التراويح، وأنا أسمع أثناء الصّلاة ضحكاتهم الشّقية، وأصواتَ ركضهم من خلفي على طول المسجد، ثم لم يطل الوقت حتى بدأتُ أنضم إليهم تدريجياً لأصبح في نهاية المطافِ واحداً منهم، من أطفال (مسجد القنطرة) المشاغبين.

نزلنا الدّرج حاسرين رؤوسنا وذلك الأبكمُ ينظر إلينا نظراتٍ قاسية، ولم تمض سوى لحظاتٍ حتى عدنا لمواقعنا من جديد ! بدأ (الكبار) يتوافدون إلى المسجد شيئاً فشيئاً استعداداً لصلاة العشاء، وبعضهم يقطرُ من ماء الوضوء، يرتفعُ صوت (سي المهدي) صادحاً بأذان العشاء، ويقومُ بعض المصلِّين لأداء النافلة الرّاتبة قبل الصّلاة المفروضة. (سي المهدي) يعلم جيداً أن وقت حملةِ التنظيف قد حان، خاصّةً بعد أن يسمعَ وقعَ أقدامٍ صغيرةً تركض في العلِّية، أو دحرجةَ أحجارِ التّيمّم الموضوعة بإهمالٍ في زوايا المسجد وعند سَوارِيه.

نراه قادماً نحونا بخطواته السّريعة الغاضبة، ولحيتُه الثّلجية الطّويلةُ تتحرّك تماشياً مع سرعةِ خطواته، ونسمعُه يتمتم، يُبَسمِل ويحوقِل ويتعوّذ، ويهدّد ويتوعّد، وما إن نراه قد أشرفَ علينا حتى نرتمي جهةَ القِبلةِ كيفما اتّفق ركوعاً أو سجوداً، متظاهرينَ بالاستغراق في صلاةٍ خاشعة، وأجسامُنا الصُغيرة تهتزّ ضحكاً، ويقف (سي المهدي)، رحمه الله حياً كان أم ميتاً، للحظةٍ متأملاً هذا المشهد الذي (لا فائدةَ ترجى منه)، ثم سرعان ما يبدأُ بالزّجر والتّقريع والتّأنيب والطّرد بصوتٍ متهالك أجشّ، طاعنٍ في السِّن كصاحبه، لكنّه ما يلبثُ أن ييأسَ فيعودَ أدراجه نحو محراب الإمام، يُبَسمِل ويحوقل.

مضحكةٌ هي ذكريات (مسجد القنطرة)، وغيرها من المساجد التي مررنا فيها بمواقفَ طريفةً في شهر رمضان، لم أكن أتوقّع يوماً أنّني سأنضم لشلّة المشاغبين أيّام كنت أرافق والدي إلى المسجد، وأُشاركه الرّأي في التّشنيع عليهم. تأتي على الأطفالِ مراحلُ يضربون فيها كلَّ القِيم والمثاليات التي تلقّوها في سنواتهم الأولى عرض الحائط، مجاراةً منهم لما تقتضيه مستجدّات أجيالهم من مفاهيم الذكاء والحذلقة و(الجدعنة)، ولأحدثِ ما توصّل إليه علم (الصياعة) من أساليبَ لخداعِ الوالدينِ وتضليلِهم والظّهورِ أمامهم بعد ذلك بمظهر (الطّفل المطيع)، لكنهم غالباً ما يعودون لتلك القيم والمثاليات الأولى في عهدٍ لاحق، عندما تتغير المفاهيم وتنضج.

يذكّرني هذا بمرحلة السّيجارة الأولى، كنتُ ساذجاً جداً عندما ظننت أن لا أحد من زملاء الصّفِّ الإعدادي سيقع فريسةَ الموقفِ (الغبيّ والأبله) كما وصفَتْه لنا أستاذةُ اللّغةِ العربية، عندما تحدّثتْ لنا عن الأسبابِ الأولى التي ينشأ بها إدمان التدخين، وأنها في الواقعِ مجرّد أوهامٍ غبيّة، عندما يعتبر المراهقُ إمساك السّيجارة بين أصابعه أمراً يجعله يبدو رجلاً ناضجاً، أو أن يوهم نفسه بأنّ كلّ ما يفعله لا يخرج عن إطار التّجربة، وأنه سيستطيع بعد ذلك أن يضبطَ نفسه عنِ الوقوعِ في شَرَك الإدمان، ليُقلع عن التّدخين متى ما اختار ذلك.

تمثّلت الأستاذةُ تبرير السِّيجارة الأولى : أنا كبير، أنا ناضج، لن أدمن على التدخين، أنا أجرّب فقط وسأقلع عنه متى أريد !

وضحكنا جميعاً من سخافةِ هذا الكلامِ وغباوةِ هذا الموقفِ وبلاهته ! لكن ما لم أعلمه في ذلك اليوم أنني بعد بضعِ سنوات، في المرحلةِ الثانوية، سأستمعُ إلى أحد زملائيَ الأعزّاء يقول لي ممسكاً بسيجارته الأولى : إليك عنّي، لا تنصحني ! دع عنّي كلام الأطفال، أنا كبير، أنا ناضج، لن أدمن على التدخين طبعاً، أنا أجرّب فقط وسأقلع عنه متى أريد !

ولم يقلع عن التدخين، بل أدمن عليه، وقد صار الآن في عدادِ المدخّنين الّذين لا تخلو جيوبُ بناطيلهم من ذلك الانتفاخِ المكعَّب.

بعضُ شقاوةِ الأطفال قاتل، وبعضُها ضار، وبعضُها ضروريٌّ ليكون الطّفل طفلاً طبيعياً !

كثيرٌ من الأخطاء والعثرات والتمرّدات الصبيانية تبدو طريفةً ومستظرفةً عندما نحكي عنها في لاحقِ السّنوات، لا سيما إذا كانت (أخطاءً بريئة) تُعذر بالعمر الصغير، بحيث يكون فعلُ الصوابِ في مثلِ ذلك العمر، عينَ الخطأ !
 
 

* * *
 
 

ما من شكّ، في أنّ أجملَ صفحاتِ الذّاكرة هي تلك المرتبطةُ بتحوّلاتٍ جذرية، والمُفضيةُ إلى مراحلَ انتقاليةٍ تحفُّها الأسئلة، والدّهشات الأولى .. أمام المرايا الزّجاجيةِ كانت هناك قصصٌ تراجيدية، وأمام المرايا البشرية تحدّياتٌ غير معلنة، وحروبٌ باردة !

فترةُ التّسعينيات التي كتبنا على صفحاتها أهم مدوّنات الذّاكرة، كانت مختلفةً عن فترتِنا هذه التي نعيشها، كان كلّ شيء يبدو بسيطاً، جميلاً، هادئاً، عفوياً خالياً من التكلّف والتصنّع .. لم تكن قنبلة الحواسيبِ والهواتفِ النقّالة قد انفجرت بعدُ في وجه حياتنا اليومية، مخلّفة عليه آثارها المشوِّهة !

تبدو الحياة الآن مستحيلةً بدون حاسوبٍ أو هاتفٍ نقّال، لكن نفس الحياة كانت أجمل يوم كانت الهواتف الثابتة ترفاً، وكان الناسُ أكثر حرصاً على احترامِ مواعيدهم مع الآخرين.

كلّ شيء تغير حتى وجوهُ المراهقين وهيئاتهم، ولغةُ جسدهم الجديدةُ التي صنعتها أغاني الرَّابْ، وأنماطُ اللّباس وقواعدُ الأناقة ؛ وأشكالُ النظَّارات وإطاراتها !

اِنتهت فترة التسعينياتِ وانتهى معها قرنٌ من التاريخ، وجاءَ العام الألفين فاتحةً لقرنٍ جديد، جاء حاملاً معه كوكباً من الحواسيبِ والهواتفِ النقّالة وغيرها من الالكترونياتِ الدّقيقة ! فجأةً غزت إعلاناتُ الهواتفِ قنواتنا التلفزيونية، ثم الواجهاتِ الإعلانية في الشّوارع والسّاحات، وشيئاً فشيئاً بدأت الرنّاتُ أحاديةُ النّغمة تغزو كلّ الجيوب، ولم تلبث أن تحوّلت إلى نغماتَ موسيقيةٍ كاملةِ الإيقاع، بتدرّجٍ تزامنَ مع تحسينِ جودة الألوان والصور، والتنافسِ في تصغير أحجام الهواتف، والابتكارِ في أشكالها.

أعوامٌ قليلة فقط وصار الهاتف المحمول ضرورةً من ضرورات الحياة، يطلبه الصغير قبل الشابّ، والشابّ قبل الكهل.

لم تكن وسائل الاتصال الرّقمي بدءً من الهاتف وحتى شبكةِ الانترنت مجرّد اختراعاتٍ جديدةً حسّنت نمط العيش وحسب، لكنها ثورةٌ غيّرت شكل الحياة بكافة تفاصيله بدءً من مواعيد الاستيقاظ وحتى أكثر الأبحاث العلمية جدِّية وتعقيداً، وأصبح لها أيضاً تاريخها الخاص، ورمزيّتها الخاصة، وفلسفتها الخاصة التي نظَّرت لنفسها بنفسها.

ونحن، تزامنت فترةُ تحوّلاتنا الطّبيعية مع هذه التحوّلات العولمية ! فكانت هديةً من القدَر أن كنا مخضرمين، أصحابَ ذاكرةٍ مزدوجةٍ بين نهايةِ قرنٍ وبدايةِ آخر، لم تكن تلك التحوّلات لافتةً لانتباهنا في ذلك الوقت، لكنّها الآن بعد عشرِ سنواتٍ مَضت تبدو لنا واضحةً جليّة، كيف كان شكلُ الحياة هادئاً مستقراً طوال فترة التسعينيات، لينفجرَ فجأةً مع بداية القرن الجديد ! أرانا الآن كمن أُلقيت عليهم شبكةُ صيدٍ فهم يتخبّطون فيها يمنةً ويسرة، دون أن يستطيعوا منها خلاصاً، غير أن شبكة الصيّاد هي من خيطٍ وثوب، أما شبكتنا فهي شبكةٌ عنكبوتيةٌ من الموجات الالكترونية، استطاعت باقتدارٍ أن تُوقِعَ العالم كلّه فريسةً لها.

معاً، جمعتنا اللّحظاتُ الأولى من الدهشة ؛

البعثةُ الجديدة !

ونحن نرصُد باهتمامٍ أولى بوادرِ الانتقالِ التي عرفتها أجسادنا الغضّة مِن مرحلةِ الطّفولة إلى مرحلةِ المراهقة، ثم نناقشُ معاً القضايا المتعلّقة بحلاقةِ الذّقن الأولى ! ونتشارك معاً وضع نظرياتٍ جديدةً حول الحياةِ وحكمتها، وذلك بعد أن أُبدلنا أنفساً غير أنفسنا، وأرواحاً غير التي كانت بين جنباتنا .. إنه ذلك الشعور الغامضُ بالاستيقاظ المفاجئ، في السنواتِ الإعدادية الأولى، عندما علِمنا أنَّ هناك (عالماً) يحيطُ بنا، وأننا (جزءٌ) من ذلك العالم الكبير الذي لا يعرفُنا، ولا يفهمُ شيئاً مما يدور في دواخلنا.

على مقاعد إعدادية (محمد بن عبد الكريم الخطّابي)، كنّا نماذج مصغَّرة للرِّجالِ الذين سنكون ! كان على البذور الفكرية المزروعة في ذهن كلّ واحدٍ منا أن تُسقى بكتبٍ ومواقفَ معينة، لتكون الثّمار فيما بعد مختلفةً بين شخص وآخر.

منذ ذلك الحين، كانت ظلال وجوهنا ترمز بشكل خفيّ إلى النّوع الآدمي الذي سنكونه في مستقبل الأيام، كنت أستطيعُ تقسيمَ زملائي في الفصل، بل وتقيِيمهم، اعتماداً فقط على النّوع الموسيقيّ المفضّل لديهم، لم تكن الهواتفُ النقّالة ولا الحواسيب موجودةً بكثرةٍ في ذلك الوقت، فكان إدمانُنا وديدنُنا أن نتبادل أشرطةَ الكاسيت الغنائيةَ فيما بيننا، وكثيراً ما كُنّا نجمع الدراهم درهماً إلى درهم، حتى يتيسّر لنا شراءُ شريط من 60 أو 90 دقيقة، نسجّل فيه جوامع ما لدى زملاءِ الفصل من موسيقى وأغانٍ.

كنّا عمومَ الشّباب نميل نحو أنماطَ صاخبةٍ إلى حدٍّ ما، وسوقيّة ربما ! وكانت معرّةً على الشابّ أن يستمع أو يُعجبَ بالأغاني الشّرقية العاطفية، معتبرين ذلك نقيصةً وعيباً، وأنه من (خوارم المروءة)، وقوارض الرّجولة التي لا تليقُ بتلميذٍ شاب، حتى (كاظم الساهر) كنّا نعيبه على أحد أصحابنا (الرومانسيين)، حيث كان محباً لسماع أغانيه.

أما نحن فكانت مناجاتُنا في عالمٍ سِرِّي، نقتات مما يحمله الأثير لآذاننا بدءً من منتصف اللّيل عبرَ البرنامج الإذاعي (بيت الصّداقة)، ونتمايلُ طرباً مع إيقاعات (المشاهب) و(ناس الغيوان)، و(الشاب خالد)، ومع أسطورةِ فنّ الرّاي الجزائري (الشاب حَسني) رحمه الله ! نسابق بعضنا بعضاً أيُّنا يعرف أكبرَ عددٍ ممكنٍ من أغانيه، وأسجّل أسماء الأغاني الجديدةِ في أوراقٍ حفظتها، وكنتُ قد انتهيت إلى ما يقارب المئتي أغنية ! دون أن أحيط بكل ما غنّاه (الشاب حَسني) من أغانٍ عاشت بعده ما يقارب العِشرين عاماً ! دون أن تظهر عليها أعراض الشّيخوخة أو التّقادم، أو الاضمحلال.

كم كان بوسع (حَسني) أن يشدُو بأغاني الحبّ في زمن الأوجاع، لو أن رصاصةَ الغدر لم تجبره على الرحيل الأبدي عن عمرٍ لم يتجاوز السادسة والعشرين، ستّ سنواتٍ فقط كانت كافية له ليصنع أسطورةً غنائيةً جديدة، ويبتكر لنفسه نمطاً خاصاً من الرّاي العاطفي لم يُعرف مثله من قبله، ولن يُعرف من بعده أبداً.

بِصمت، وفي ملابساتٍ غامضة، أُفرغت عدّة رصاصاتٍ في رأس عندليب الراي الحزين سنة 1994، غير أنها لم تستطع قتل موسيقاه العذبة منذ ما يقارب العشرين عاماً، لم يُعرف على وجه اليقين من مرتكب الجريمة، يقال بأنهم بعض (الإسلاميين) التكفيريين، في حين يوجّه البعض أصابع الاتهام إلى المخابرات الجزائرية.

بين مطرقة السياسة وسنديانها، يُذبح الفنّ قرباناً.

كان رائعاً عندما صدح :

((أنا حْسبْت النّاس تبغيني .. كِيما بْغاهم قلبي أنا .. ساعة في غيبي يدفنوني .. نوكّل غير ربي مولانا ~)).

نعم دُفنتَ يا حَسني، لكن موسيقاك لم تزل تُلهب مشاعر المحبّين حتى يوم النّاس هذا، ظللتَ حياً في قلوب محبّيك، حنيناً يذكرهم بزمنٍ موسيقيٍّ جميل…

وحدها الموسيقى، خمرٌ نتعاطاه علناً حتى الثّمالة، دون أن يتّهمنا أحدٌ بالسُّكْر العلني !

شريطٌ واحد يتمّ إعداده على ذوقٍ مخصّص، كان كافياً لأن يورثنا سُكْر يومٍ وليلة، وعَربَدتهما.
 
 

* * *
 
 

والآن .. جيلٌ جديد ينمو، ماضٍ جديد يتشكّل .. حنينٌ جديد ينبثق !

اِنتهى بالنسبة إلى جيلنا حنينُ الطفولة، واتضّحت ملامحُ الفخر التي تقتات من فراغاتِ الفقد، ومنعطفاتِ التغيير ! يشبهُ الأمر ما يتغنّى به أصحابُ السبعينيات بقولهم : ” أيام كنّا ، لم تكونوا، ولم يكن كذا وكذا … ”، وأصحابُ الثمانينيات بنفس القول، ونحن أصحابَ التسعينيات صار متاحاً لنا أن نقول : أيام كنّا ، لم يكن … !

ليست عبارةٌ كهذه مدعاةً للفخر على كلّ حال، وإن كانت كثيراً ما تصدر في سياقِه ! سيكون بعد حينٍ ما ليس كائناً الآن، وسيكبُر أطفالُ الألفيةِ الثّالثة، وسيتغنّون بفخرٍ أمام الذين لم يولدوا بعد، عن أيامنا هذه قائلين : أيام كنّا ، لم تكونوا، ولم يكن !

جمال الحنين نِسبيٌّ ؛

أيضاً .. كان آينشتاين على حقّ !
 
 
 

* * *
* * *
 
 
 

(5)

عـقيدة .. وقـدَر
 
 

…..

………

أنا……….

إنه أنا………..

إنني……………….

إنني موجود……………

إنني أحسّ .. إنني أعِي…………

إنني أرى .. إنني أسمع……………….

إنني قادرٌ على الحركة .. إنني أدير عينيّ ……….

أرض، جدار، نافذة، باب، أزرار القميص، القميص، أصابعي، ذراعي….

إنني …. كائن !!

إنني موجود، إنني طفل، أبي كبير، أمي كبيرة، أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً لوحدي…

من يمنحني هذا الوعي ؟ من يمنحني هذه القدرةَ على الحركة ؟ إنني أستطيع أن أحرّك أطرافي، وأن أجول بعينيّ، لماذا لا تستطيع تلك الخِزانة أن تفعل مثلي ؟!

يقولون إنها الرّوح ! ما هي الرّوح ؟ ما شكلها ؟ هل هي شبحٌ يسكن في داخلي ؟ هل لونها أبيض ؟ أم رماديّ فاتح ؟ هل هي مخيفة ؟ لماذا خلقني الله هكذا ؟ وأعطاني هذا الجسد، وهذه الروح ؟ لماذا أنا هنا ؟ لماذا أنا هو أنا ؟ لماذا أبي هو أبي ؟ لماذا أمي هي أمي ؟ لماذا ذلك الجدار هو ذلك الجدار ؟ ولماذا هذا البيت هو هذا البيت ؟
 
 

* * *
 
 

عند لحظاتِ الصّفاء الأولى، سيلٌ من الأسئلة الجارفة، يسحبني إلى شلاّلٍ من الحيرة لا مصبّ له، أتسلّق أسئلتي من جديد، أتشبّث بها لعلِّي أصل إلى باحةِ الاطمئنان الكامل، لكن دون فائدة.

جذلٌ طفوليٌ غريبٌ كان يجمحُ في ذاتي الصغيرةِ آنذاك، يحتبس في داخلي زمناً، يكبرُ شيئاً فشيئاً، حتى إذا نُؤتُ بحملهِ خرج متمثّلاً بأسئلةٍ بريئة، وفلسفيةٍ في نفس الوقت، عن الغيبيات المسلَّمة، وتساؤلاتٌ معقّدةٌ عن القدرِ جاءت في سنّ مبكِّرة جداً، واستفهاماتٌ عن الذّات الإلهية كنتُ ألقيها أمام والدي بعفويةٍ طفوليةٍ بالغة، وكان بإجاباته عنها يرصّ لبنات عقيدتي، لبنةً أمام لبنة.

عندما كنت طفلاً كنت أفهم، وعندما كبرتُ لم أعُد ! بل صرت أتساءل ؛ كيف تستوعبُ أذهان الأطفال فكرةً عظيمة كفكرة الوجود الإلهي ؟ ! وكيف يُشيّد بنيانُ العقيدةِ على أراضيهم البيضاءِ الملساءِ التي لا تضاريس فيها، كأرض المحشر…

كيف يتمكّن التقديسُ اللازم في حقِّ الله والملائكةِ والكتبِ والرّسلِ واليوم الآخر، والقدرِ خيره وشرِّهِ من مداركهم الغضّة الطريَّةِ التي لم تستقِم على عود، ولم يُنَطْ بها تكليف.

يخرج الأطفالُ من بطونِ أمّهاتهم تشكيلةَ أعضاءٍ صغيرةً ورديةَ اللون، لا تضبِط لها حركةً أو سكوناً، ولا تملكُ لنفسها نفعاً أو ضراً، تمضي الشّهور وتستيقظُ الذّاكرة، ويبصرُ الوعي بعد عمى، تخيّلت يوماً أن لي ابناً أو ابنة، وأنّه قد حان الوقت لأعلّمهم أساس التوحيد..

تساءلت مستغرباً، وبي خوفٌ لا أدري ما كنهه ؛ كيف سأنطق أمامهم لأوّل مرّةٍ لفظ الجلالة (الله)، وشهادةَ التوحيد (لا إله إلا الله)، وأشرحُ لهم بأن الله موجود، وأنّه واحدٌ لا شريك له، فردٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد، لا أوّل له ولا آخر، ولا جسم ولا كيف، منزّه عن الحوادث، وأنه كان ولا مكان، وأنّه الخالق والرّازق، وأنه القادر على كلّ شيء، وأنه لا معبود بحقٍّ سواه، وأنَّ هناك جنَّةً وناراً، وأنبياءَ ورسلاً، وملائكةً وكتباً، وقضاءً وقدراً…

كيف أبسّط كلَّ هذا وأكثر، لوعيٍ أدرك للتو ؟ تأمّلت ذلك ساعة، بدا لي أن لا عجب ولا غرابةَ في تعليم الأطفالِ الوضوءَ والصّلاة، لكنَّ العجب كلّ العجبِ في تعليمهم عقيدةَ التّوحيد، وزرعِها في نفوسهم، والأعجبُ إدراكُهم لها، وقبولهُم لمقتضياتها بشكلٍ فطريّ غير متكلِّف.

حاولتُ أن أتذكّر البذور الأولى لإسلامي الذي وُلدت وتربّيت عليه ؛ لعليّ أجد من نفسي مثالاً حياً، يعِينني على الإجابةِ عن تساؤلاتٍ نشأت فجأةً حين كبرت، وكانتْ في طفولتي بديهيات مسلّمة.

أحاول التذكّر، لا أتذكر الكثير…

أتذكّر (كلاماً ما) كان يقوله لي والدي عن الله جل جلاله، وأتذكّر أن ذلك الكلام كان مطابقاً لما يقوله المربّي في روضة الأطفال، رحمه الله.

أتذكّر أيضاً أنني كنتُ أكثر الأسئلة، وأنَّ والدي كان يفرح ببعضها ويبتسم، ويجيبُ عنها بلطفٍ وبِشر، لكنَّه كان يُعرض عن بعضها، ويرفع حاجبيه وسبّابته قائلاً بها (لا) تحذيراً وتخويفاً، حركةٌ رمزيةٌ تدلّ على القداسة والتّنزيه المطلق، الواضحُ أنه كان يستعملها عندما أطرح أسئلةً لا تليق بحق الله عز وجل.

وأنا كنت أستوعب، وأصدّق…

نسيت ما كان يقوله والدي، والمعلّم في الروضة، ونسيت أسئلتي، وإجاباتِ والدي عنها، كلّ ما أذكره أن ذهني الصغيرُ كان يستوعب، وفطرتي البيضاء كانت تقبل وتُقرّ، لم يكن ما قِيل لي معلوماتٍ جديدة أتعلّمها، بل كانت وكأنها معلوماتٌ قديمة تمّ تذكيري بها .. أو كأن التوحيد بديهة من بديهيات الفطرة، فطرةَ الله التي فطر الناس عليها…

فطرةَ التوحيد التي أُشهدنا عليها، في عالم الذّر…
 
 

* * *
 
 

كبرتُ قليلاً ؛

وكبرَتْ معي تساؤلاتي، ما كنتُ أميز حينها أيٌّ من تلك التساؤلات هي من نشاطِ العقلِ ورياضةِ الفكر، وأيّها وساوسُ من الشّيطان، ما علمتُ أنني عندما أكبر، سوف أقرأ في الكتب أن بعض الأسئلة الشّاردة التي خطرت لي وأنا طفل، إنما هي عقائدُ جرفت معها أفراداً وجماعات، ومذاهبُ فكريةٌ صُنّفت فيها الكتب، وأُيّدت وعُورضت، ورُدّ عليها، وأن لها أسماءَ علميةً تُدرَّس في الجامعات وتُقدَّم عنها الأبحاث وتُناقش حولها الأطروحات.

كنا لا نزال في المرحلةِ الإعدادية، عندما همّ صديقٌ لي بارتكاب (معصية) اشتهتها نفسه، فأردتُ ببراءة طفلٍ أن أعِظه وأنصحه، فسألته : وماذا ستقول يوم القيامة لله عندما يحاسبك ؟ فرفع كلتا يديه دلالةَ براءة، وأجاب واثقاً : سأقول له أنت خلقتني هكذا !

يقصد أن الله هو من ركّب فيه شهوة المعصية، ومنحه القدرة على ارتكابها.

فصمتّ، ووجمت، وأطرقت، وداخلتني الهواجس، وتملّكتني الوساوسُ القهرية، ولم أعلم بماذا أو كيف أجيبه، وخُيّل إلي أنني مهما جادلته سأجد الجوابَ لديه حاضراً، جاهزاً للاستعمال، وقابلاً لتبرير كل شيء ؛ (أنت خلقتني هكذا) !

علمتُ بعد سنواتٍ طويلةً أن هذا النوع من التبرير يسمّى علمياً (الاحتجاج بالقدَر)، وأنه من أشهر قضايا العقيدةِ التي تكلّم فيها العلماء قديماً وحديثاً، وبيّنوا خطأها وضلالها، وأنها من سمات الضّعفاء.

إذاً لم يكن وحده ذلك الطّفل من احتجّ بالقدر، ولافتٌ للانتباهِ أيضاً أنه عندما قال كلامه هذا لم يكن قد قرأ كتاباً، أو انتمى لطائفة ؛ بل قال ذلك فقط لأنه خَطَرَ له، وقادهُ إليهِ تفكيره (العقلي)، كما قاد إليه نفسُ التّفكير (العقلي) كثيراً من المحتجّين بالقدر على ارتكاب المعاصي. والحقُّ أن التفكير العقلي بريءٌ من هذا الانحراف ؛

بل هو الشّيطان…

مصدرُ الغواية الخفيّ، الذي يُلبِس على الناس عقائدهم بصورٍ مكرَّرة شتّى، تخطُر في أذهانِ الأطفالِ أولاً، وتدجّجُ نفسها بالبراهين والمنطلقات والأدلّة العقليّة السّليمة كما تُوهِمُ عن نفسها، ثم قد تكبر وتكبر إلى أن تصير كفراً كاملاً، أو قولاً بكفر، أو إصراراً على المعاصي وتبريراً لها، أو أن يتداركهم الله برحمته فتغلُبَ الفطرة، وتُطرح الوساوس، ويُرجع إلى الجادّة.

كبرتُ قليلاً ؛

وكبرَتْ معي تساؤلاتي، كنّا نسمع في المدرسةِ الإعدادية عن مادّةٍ غريبةٍ عجيبةٍ يدَرِّسونها في المرحلة الثانوية، مادة اسمها (الفلسفة) ! ما كنا نسمعُه أنها مادة صعبةٌ جداً، وأن أساتذتها عادةً ما يطرحون أسئلةً قصيرةَ الجملِ قليلةَ الكلمات، لكن إجاباتها تتطلّب صفحاتٍ من (التّفلسف)، ثم في النّهاية قد لا يعجب الأستاذَ ما كتبتَ، ليَشْطِبَ عليه بقلمه الأحمر ويعطيك صفراً !

سمعنا أيضاً عن أشخاصَ درسوا الفلسفةَ وتعمّقوا في دراستها سنواتٍ وسنوات، ثم عادوا بعد ذلك يقولون (الله غير موجود) !

استفسرتُ عن نوعية الأسئلة الفلسفية المطروحة، فقيل لي، مثلاً سؤال : هل أنتَ مسيّر أم مخيّر ؟

وقيل بأنّ هذا سؤالٌ قد حيّر الفلاسفة وتسبّب في رسوبِ التّلاميذ، وأنّه قد أُجريت فيه أقلام، وأريقَ فيه مدادٌ كثير، لكنني أجبت مباشرةً وبسرعة ودون تردّد : وهل هذا سؤالٌ صعب ؟ الإنسان مسيّر مطلقاً، هذا بدهيّ !

بدا ليَ السؤال بسيطاً وساذجاً، ولا يستحقّ كلّ ذلك التّجاذب الفلسفي العقيم، كعادة التّجاذبات الفلسفية التي لم تحلّ لغزاً ولم تشفِ غليلاً، في حين أن ومضةً واحدةً من نور العقيدة السليمة في قلب عجوزٍ أمّية غير قارئةٍ ولا كاتبة، قد تجعلها قادرةً على حلّ أكبر الإشكاليات الفلسفية التي حيّرت العالم على مرّ العصور.

الإنسانُ مسيّرٌ مطلقاً ؛ كانت هذه إجابتي القاطعةَ والواثقةَ على سؤالٍ جدليّ كهذا، إجابةٌ جاءت بعد خلواتٍ عديدةٍ من التفكيرِ والتأمّل في حقيقة القدر.

القدر، ذلك اللغز الكبير الذي طالما حيّرني، وشغل تفكيري منذ الطّفولة، إرادةُ الله منذ الأزل، لما كان وما هو كائنٌ وما سوف يكون. أخبرني والدي مرّةً أن أفعالَ الله كلها حكيمة، وأنّنا بعقولنا القاصرة قد نُدركُ تلك الحكمةَ وقد لا ندركها، لكن علينا أن نؤمنَ ونعتقد بأنها موجودةٌ دائماً.

سألته يوماً ونحن على مائدة الغداء، بعد أن تذكرت فجأةً درسه هذا : لقد قلتَ يا أبي بأن قدَر الله كلّه حِكمة، فهل إرادةُ الله لبقايا الطّعام أن تكون على هذه الهيئة، تنطوي على حكمة أيضاً ؟

وأشرتُ له إلى هيئةِ بقايا فُتاتِ الخبز، وقشرةِ الموز، وترتيبِ الصّحون، وموضعِ كأسِ الماء على الطّاولة، والمسافةِ التي تفصله عن حافّتها، وعن السّكاكين والملاعق.

سألتُه : أليست أفعال الله منزّهةً عن العشوائية بحالٍ من الأحوال ؟ هل أستنتجُ من هذا أن هيئةَ هذه الطّاولةِ وما عليها، وكلَّ المسافات الفاصلةَ بين الأشياء، تنطوي على حكمةٍ إلهيةٍ ما، لكن يستحيل علينا أن نعرفها أو نُدْركها لأنّ عقولنا محدودةٌ وغير قادرةٍ على استيعابِ وفهمِ كلّ شيء ؟

استغرَبَ والدي من ترفي الفكري المبكّر، واحتارَ قليلاً في الإجابة، ثم أجاب متأملاً : سبحان الله، وما يُدرينا نحن ؟ لا إله إلا الله، والله أعلم !

عباراتٌ تفويضيةٌ مريحة، ولأن التّفويض أسلمُ دائماً، فوَّضتُ مثله.

وازددتُ إحساساً بعظمةِ الله…

كنتُ بعد كلّ خلوةِ تفكيرٍ في القدر، أزداد يقيناً بفكرةِ أن الإنسان مسيّرٌ مطلقاً، وأنّه في نفس الوقت مسؤولٌ عن أعماله، مجازىً على حَسنها ومُعاقَبٌ على قبيحها. كان عليّ أن أعتقد بهذا وذاك معاً، في الوقتِ عينِهِ الذي أنفي فيه صفةَ الظّلم عن الله قطعاً .. معادلةٌ صعبةٌ محفوفةٌ بالمخاطرِ مفروشةٌ بالمزالق، خاصةً عندما يُواجهها طفلٌ صغير لم يبلغ لا هو ولا عقله، الحلُم.

قُدّر لي أن أقرأ كبيراً، عنِ الموضوعِ الذي حيّرني صغيراً ؛ فوجدتُني معتقداً بقولِ الجبرية، هكذا عفواً دون نِيَّة مُسبقة، ودون أن أكون عالماً أصلاً بأن هناك طائفةً تكلّمت في القدر، واسمها الجبرية، وأنها تؤمنُ بنفس ما أوصلتني إليه رحلاتُ التفكّر التي خضتُها في طفولتي، من أن الإنسان مسيّرٌ مطلقاً.

غير أنني لم أحتجَّ بالقدَرِ يوماً، ولم أعتقد الاحتجاج به على التكلّم بكفر، أو فعل معصية .. ووقفت طويلاً أمام تلك المعادلة الصعبة التي في حلّها مفتاح الاطمئنان الكامل، وبَرْدُ اليقين ؛

أن أعتقدَ بأن الإنسان مسيّر، لا مشيئةَ ولا اختيارَ لهُ إلا ما شاءَ واختارَ له الله، وأنّه مجبورٌ حتى في اختيارِه، فكلّ شيءٍ مقدّرٌ مطلقاً.

وأن أعتقدَ بأنّه مع ذلك كاسبٌ لأعماله الحسنة، ومكتسبٌ لأعماله السيئة، مستحقٌّ لعقابها.

وأن أعتقد أيضاً ببطلانِ الاحتجاجِ بالقدر، مطلقاً.

وفي نفس الوقت، أن أنفي صفةَ الظّلم عن الله، مطلقاً.

معادلةٌ من أربعةِ أطراف، تهرّبتِ القدريةُ منها بقولهم أن العبد يخلق فِعلَ نفسه، فنقضتِ المعادلةَ من أساسها ! وهذه قاعدةٌ فاسدةٌ عقلاً وشرعاً، أما عقيدةُ الحقّ التي نعتقدُها، فتقول بأن الله قد خيّر الإنسان وأعطاه إرادةً ومشيئة، لكن مشيئةَ الإنسانِ هي داخلةٌ ضمن المشيئةِ الإلهية، ولذلك يقال بأن عقيدة السنّة هي عقيدةٌ وسطٌ بين القدرية الذين بالغوا في نفي القدر، والجبرية الذين بالغوا في إثباته.

جاهدتُ نفسي على الاقتناعِ بهذه الوسطيّة التي تُثبتُ القدَر، وتحثّ الإنسانَ على العملِ الصّالحِ في نفسِ الوقت، وتحمِّلُهُ مسؤوليةَ أفعالِه الاختياريةِ فيما يبدو لنا، لكنَّ سؤالاً ما تسرّب إلى ذهني، وظلّ يتراقص في عاقلتي كخيال شمعةٍ يتراقصُ على جدار، يطالبني بإثباتٍ عقلي قاطع، كي يطمئن قلبي ؛

هل للإنسانِ أفعالٌ اختياريةٌ حقاً ؟

تساءلت ؛ هل القدرُ الإلهي هو ممّا تجوز في إثباته (المبالغة) ؟ هل في الكونِ أزلِه وأبدهِ، مثقالُ ذرّةٍ في السّماوات والأرضِ والبحارِ خارجةٌ عن حكمةِ القدر ؟ هل في أفعالِ الإنسان منذ آدمَ وإلى الأبدِ بلا انقطاع، حركةٌ أو سكنة، أو رمشةُ عينٍ أو التفاتةُ وجهٍ اختارها بنفسه ولم تكن قد قُدِّرت عليه منذ الأزل، ولم تسبق في علم الله ؟ أليس اختيارُ الإنسان أن يؤمنَ أو يكفر، أن يطيعَ أو يعصي، هو مما كان مقدّراً عليه قبل أن يختاره ؟

ليس للإنسانِ اختيارٌ على الحقيقة، فاختياراتُه مقدّرة، وأفعالُه مخلوقة، وما نراه ونؤمن به من اختيارِ الإنسانِ في عالمِ الشّهادة هذا، إنما هو شهادةٌ خفيّةٌ لحكمةِ الله العظيمة، وإرادتِه الكونية القاهرة، التي لن ندركها ولن نفهم كُنهَهَا إلاّ في اليومِ الآخِر.

أحالتني أسئلةٌ كهذه إلى عقيدةِ الجبر، وأحالني اعتقادي بِبُطلان الاحتجاجِ بالقدر إلى تلك المعادلة ذاتِ الأطرافِ الأربعة، استغرقتُ سنواتٍ قبل أن أفهم حلّ المعادلة، وكان فهمها برداً وسلاماً على عقلي، وطمأنينةً لقلبي بعد طول حيرة. انتهيتُ أخيراً إلى الاعتقادِ بأن حكمة الله في أقداره هي مما لا نستطيع نحن أن ندركهُ بشكلٍ كامل، وأن مما تتحقق به عبوديتنا لله تفويضُنا المطلق لما لم ندرك من أسرارِ الحكمة .. وأن الله قد خلق أرواحاً لكي تُعذّب، فقدّر لها أن تختار الكفر، وأن تصرّ عليه، وأن تموت على كفرها، وأن تُخلّد في النار .. وخلق أرواحاً أخرى لكي تُعذّب فترةً ثم تُخرجُ من النار وتدخلَ الجنّة، فقدّر لها أن تختار الإسلام، وأن تصرَّ على الكبائر، وأن تموت عليها دون توبة، وأن تعاقب بها فترة .. وخلق أرواحاً أخرى طاهرةً زكيّة، فقدّر لها أن تختار الإسلام، وأن تعمل الصالحاتِ وتبتعد عن المعاصي، وأن تَحسُن خاتمتها، وأن تدخل الجنّة دون سابق عذاب.

ولا يظلم ربّك أحدا…

هكذا تتفاوت الأرواحُ في الفضلِ بين مخلّدةٍ في الدّرك الأسفلِ من النّار وبينَ خالدةٍ في الفردوسِ الأعلى بجوار النّبي صلّى الله عليه وسلم، وما خُلّدت روحٌ في النار إلا لأنها خُلقت لذلك أصلاً، ولم يختر عبدٌ الكفرَ أو الايمانَ إلا تحقيقاً للقدر الذي أرادَه الله له، منذ الأزل.

ولم يحتجّ بالقدر إلا من قُدّر له أن يسوءَ اعتقاده…

ما أصابك ما كان ليخطئك، وما أخطأك ما كان ليصيبك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصُّحف.
 
 

* * *
 
 

جبرٌ دون احتجاج، هكذا قتلتُ كلّ الأسئلة.

وعرفتُ أخيراً سرّ البَركة الغامض، ذلك المفهومُ الذي يلغي معقولاتِنا المسلّمة، ويضرب حساباتنا الشّخصية عرض الحائط، كنت أتساءل (وما أكثر تساؤلاتي) عن معنى (البركة) ! وكيف يمكن أن تتحقّق في حياةِ المؤمن سيما في عالمٍ طغت عليه عبودية الأرقام، والحساباتِ الدّقيقة.

ما سرُّ ما يقال، من أن المسلمَ الذي يحرصُ على اكتسابِ المال الحلالِ الطيّب يبارَك في ماله وإن كان قليلاً، وأن صاحب المال الحرام من مُرابٍ أو مختلسٍ أو مُدلّسٍ أو مانعٍ للزكاة أو مُرتشٍ، تُمحق برَكةُ مالهِ وإن كان كثيراً !

وما سرُّ ما يقال، من أن قراراتِ الزّواج وغيرها، إذا تمّت على شروطٍ شرعيةٍ صحيحةٍ يتوّجُها رضا الوالدين، فإنه يكون زواجاً ناجحاً مباركاً فيه، وأن عادةَ الزيجات التي تُبنى على باطلٍ وتتمّ في معصية، يكون مصيرها الانتهاءُ سريعاً، أو العيشَ في ضنكٍ مستمر، إذ أن البركة نُزعت منها !

وما سرُّ ما يقال، من أن رضا الوالدينِ على الأبناءِ بركةٌ لهم، وأن سَخَطَهُم عياذاً بالله لعنةٌ عليهم !

علمتُ جواب هذا، أن البركة قدر ! يجري على العبد ملائماً لخيره أو مريداً لشرّه ؛ جزاءً وِفاقاً على حُسْن اتّباعه، أو سوء فِعله.

فبركة المالِ الحلالِ أن تجري على صاحبِه ومتحرِّيهِ أقدارٌ ملائمة، تمهّد له طريق العيش الهنيء، مستفيداً من ماله بحكمةٍ موهوبة، وعلى أحسنِ وجه. ومَحْقُ البركة من المال الحرام، أن تجري على صاحبه ومتحرِّيهِ أقدارٌ تعاكسه وتشاكسه، وأن تتّفق الصُّدف على أن توقعه في مشاكلَ ومصائبَ تُعْرَضُ له فجأة، أو يسبّبها لنفسه بنفسه بعد أن تُنزع الحكمةُ من عقلِه، ويفقدَ القدرة على التّفكير السليم، واتخاذ القرار الصائب.

أيضاً، فبركةُ الرّضا من الوالدينِ أن تجري على صاحبها أقدارٌ تُصلحُ له شأنَ حياته، ولعنةُ السَّخطِ منهما عياذاً بالله، أن تُعمَى بصيرته، ويتواطأ عليه العالمُ بأسره، فيسوءَ حاله، ويضيقُ صدره، وتضيقُ عليه الأرض بما رحبت، ويعيشُ في تيهٍ وتخبّطٍ إلى أن يتداركه الله برحمته فيرجعَ ويتوب، أو تسوءَ خاتمته.

كلّ ما في الحياة قدر، كلّ فِعلٍ هو قدر، كلّ حدثٍ هو قدر، وكلّ قرارٍ هو قدر… ولا احتجاجَ ولا تَواكل.
 
 

* * *
 
 

قالت لي مرّةً وهي تحادثني، ذاتَ طريق : عندما كنت طفلةً كانت تغلِبُ عليّ أفكارٌ غريبةٌ لا أستطيع لها دفعاً، حول القدر وغيره، وكانت تُعرَض لي تساؤلاتٌ عجيبة، تخيّل ! فكّرت مرة هل بإمكاني أن أغافل القدرَ وأسبقَه بحركةٍ ما، فكنت أرفع يدي بسرعةٍ خاطفة، ثم أعيدُها بنفسِ السّرعة وأتساءل ؛ هل سبقتُ القدر بحركتي المفاجئةِ السّريعةِ هذه ؟ أم أن الحركة كانت مقدّرة عليّ…

وأنا مصغٍ باهتمام، مع ابتسامةٍ مواربةٍ أخفي بها دهشتي من تطابقِ الهواجسِ القدرية، عادت بيَ الذّاكرة إلى سنواتٍ عديدةٍ خَلَت، عندما كُنت أجيلُ بصري في السّماء، وأقلّب كفيّ، ثم أرفع إحداها مُسرعاً، وأتساءل…

لم أكن وحدي إذاً !
 
 
 

* * *
* * *
 
 
 

(6)

مَـوْت

” ما أعجبَ ما يحدثُ للإنسانِ حينَ يرى موتَه بعينيْه ؛ تَدور عينَاه في مَحْجِريه، وينقبضُ وجهُه، ويَسْوَدُّ لونُه وتجفُّ شفتاه، كلُّ ذلك في لحظةٍ واحدةٍ فقط.

أتمنى أحياناً، أن أدخلَ نفسَه لأعرف ما يدور فيها في تلك اللحظة، كيف يرى النَّاس والأشياء ؟ كيف يسمعُ الأصوات ؟ لحظةً واحدةً كلمحِ البصر والآنَ بيننا مازال في الدّنيا ثمّ …

ينقطعُ حسُّه !

………

أحسَبُ أنَّ أحدَنا لا يمكنُ أن يُدرِكَ هذه الأمورَ حقَّ الإدراكِ إلاّ، أن يختبرَ الحالَ بنفسه، وهذا..

ما سوف نتجنَّبُه على الرُّغم من إغرائِه الشَّديد… ”
 
 

* * *
 
 

لم يزل الحزنُ ضارباً خيامَه على مجلِسنا الصّغير، ونحن جلوسٌ واجمُون، ملتحفُون بجلابيبنا وعلى ملامحنا مسحةٌ من وقار، أجلْتُ بصري بين الحاضرين، بينهُم وجوهُ لا أعرفها، إنهم أفرادُ من عائلتي عادوا من دِيار المهجرِ على عجل .. الجميعُ ينصتُ باهتمامٍ إلى زوج عمّتي، المتحدِّثِ بهدوءٍ لم تكسره سوى صرخاتُ طفلةٍ تحبو على الأرض، وتتسلَّق رُكَبَ الجالسين وتتشبَّث بمرافِقهم وأذرُعِهم وتعبثُ بأثوابهم، لم تكن مدركةً لشيءٍ مما يدور من حولها، وأنها في مجلسِ عزاء.

- لم تمت رحمها الله إلا وقد استوفت رزقها وأجلها، كانت امرأةً صالحةً مكافحة، تخرّجت من مدرسةِ الحياة وشحذها الكدُّ والكدح، وعرَكَتْ وجهها لقمةُ العيش، وقطعةُ الخبز التي أطعمتها أولادَها.

- نذكر أيّام كنّا صغاراً، كانت تُعدُّ لنا ما تيسَّر من الطّعام، وكانت تتفرّج علينا ونحن نأكل دون أن تمتدَّ يدها لتشاركنا، وكنّا إذا عزمناها على الطعام وأنكرنا عليها عدم الأكل تقول رحمها الله : إذا أكلتُم أنتُم شبِعتُ أنا…

ويواصل زوج عمّتي الحديث، والجميعُ ينظرون إليه بأعينٍ حزينةٍ وشفاهٍ عليها خيالُ ابتسامة، أتأمّل الأشباح المتمايلةَ التي شكّلها الدّخان المتصاعد من أكواب الشاي الموضوعةِ أمامنا على الطاولة الصغيرة، خلا البيت من جدّتي بعد مرضٍ دام أعواماً، وأصبحتْ بعد أيّامٍ من دفنها حكايةً تُروى على الألسنة، بعد أن كانت محور الجلسةِ وأساسها وصاحبةَ الرّأي والقرارِ فيها.

كلّ الأشياءِ من حولي تبدو حزينةً كسيفةً منكسرة، مكانُ جلوسها المَهيب أصبح فارغاً الآن، تحبو الطفلةُ عليه بإهمالٍ وهي تُلقي صرخاتها وكلماتها العشوائية، ويحاولُ أحد الحاضرين تهدئتها مطبطباً على جسدِها الصغير ومبتسماً في وجهها، وهي تنظر إليه بذهولٍ دون أن تعي شيئاً، يواصل زوجُ عمتي كلامه :

- ومن أعجبِ ما شهدتُ من قِصصِ الموتِ قصَّة فلانة، سنواتٌ مرّت عليها وهي طريحةُ الفراش تكابد المرض، وشاء الله أن تتحسن حالتها شيئاً فشيئاً إلى أن تماثلت للشفاء، وفرحَ أولادها وأفراد أسرتها بشفائها بعد أن كادوا ييأسون من حالتها .. وفي مساءٍ كانت جالسةً لوحدها وعليها لباسُ العافية، فجأةً نادت أولادها وأفرادَ أسرتها الحاضرين في بيتها، عانقتهم معانقةَ المفارِق واستودعتهم الله الذي لا تضيع ودائعه، وجالستهم ساعةً توصيهم وتعظهم وهم ينظرون إليها مندهشين دون أن يفهموا سبباً لما يحدث من حولهم، ثم ختمتْ جلستها معهم بأنهّا راحلةٌ عنهم اليوم إلى عالمٍ آخر ! ولم تمضِ سوى دقائقُ حتى كانت قد أسلمت الرّوح إلى بارئها سبحانه.

ردّ الجميع بصوتٍ واحد : سبحان الله … لا إله إلا الله …

وأكمل رحمه الله :

- إنما الأعمار بيد الله، كم صحيحاً معافىً مات فجأة، وكم مريضاً امتدّ به مرضُه سنواتٍ طوالاً دون أن تُفارق روحُه جسدَه .. للموتِ حالٌ غريبةٌ وشأنٌ عجيب، ولا ندري متى يوافينا الأجل لنلحق بمن سبقونا.

أومأ الجميع برؤوسهم، والتفتنا نحو الطّفلة، كانت قد غطّت في نوم عميق دون أن ننتبه لها، حملها أحد الحاضرين وأسندها على الأريكة ليريح جسدها الصّغير، دون أن تحرك ساكناً، أشار زوجُ عمّتي نحوها بسبابته وقال متعظاً :

- هكذا الموت…

سنواتُ قليلةٌ مضت بعد ذلك ليشتدّ المرضُ على زوج عمّتي أيضاً، ويلحق بمن سبقوه إلى رحمة الله، نتحدّث عن الموت كثيراً ونحن أحياء، ثم عندما يرحل أحدنا يصبح صامتاً جداً، جثماناً مسجّىً لا يقدر على كلامٍ أو حركة، تمنّيت يوماً أن يأتيني ميّتٌ في المنام ليحكي لي عن أحواله بعد الموت، عن لحظة النّزع، عمّا رآه وسمعه، وعمّا يراه ويسمعه في برزخِه الخاص.

ما أشدّ سَطْوةَ الموت، وما أضعفنا أمامه .. يتملّكنا العجز فجأة، تُنزع منا القدرة، تتدمّر أنظمةُ الجسدِ النِّظام تِلوَ النِّظام، وتتغيّر وظائف الحواسّ .. نرى ما لا يراه غيرنا، ونسمع ما لا يسمعه الجالسون بالقرب منّا، تخرجُ الرّوح من الجسد، ويتبعها البصرُ إلى أعْلى .. ويَبقى الجماد، وتَبقى البرودة، ويَبقى التّراب.

تُرى، كيف سيكون شعورنا، في لحظة الاستيقاظ الأولى، بعد الموت ؟!

تلك كانت أوّل جنازةٍ أعيش تفاصيلها لأقرب فردٍ من عائلتي، رنّ جرس الهاتف فجأة، كان الزّائر هو عمّي، ترك والدي مائدة الطعام وخرج إليه، اِنصرفا … وتأخّر والدي كثيراً.

يئسنا من عودته، ولم نكن نملكُ هواتف نقّالةً في ذلك الوقت، فتحتُ عينيّ ببطءٍ صباح اليوم التالي على صوتِه الجادِّ وهو يوقظني، اِنتبهتُ إلى أنّنا لم نستيقظ للسّحور في أوّل أيّام رمضان ذلك العام، غِشاوةُ النّوم منعتني من رؤيته، وصلني صوته الجافُّ وهو يأمرني أن ألتحق بمنزل جدّتي مباشرةً بعد خروجي من المدرسة، ثم خرج من البيت إثر ذلك.

كان آخرُ ما خطر ببالي وأنا متّجهٌ صوْبَ منزل جدّتي، أنني سأُفاجئ، بل سأُصعق، برؤية الكراسيِّ مصفوفةً أمام باب المنزل، يجلس عليها بعض أفراد أسرتي الذين لم أرهم منذ مدّة، حاسرين رؤوسهم ويرتدون جلابيب تقليديّة … تصبّبت عرقاً في أقلّ من ثانيتين، اِستقبلني أحد أولاد عمتي المقيمين بفرنسا مبتسماً يعانقني، وأنا غيرُ مستوعبٍ لما يدور من حولي، وضع كفّه على كتفي وسحبني إلى كرسيٍّ فارغ، جلست عليه بعد أن صافحتُ بذهولٍ ابن عمّي، الذي لم أره منذ عيد الأضحى السابق.

ربّاه !! ماتت جدّتي … !!

ليس هذا وهماً، أنا لا أحلم، إنها جنازة ! ماتت جدتي، ماتت…

قشعريرةٌ عنيفة هزّت أرجائي، تسارعَتْ دقّات قلبي، ذُهلت، صُعقت، وجَزِعت، ولم أذرف دمعةً واحدة.

أقبل أخوالي نحوي يعانقونني ويعزّونني، (عظّم الله أجرك)، بقيتُ صامتاً ذاهلاً، أحسستُ بضربات قلبي العنيفة تهزّ قفصي الصّدري .. كان شعوراً لا يمكن وصفه.

أختي، طُلب منها أيضاً أن تتوجّه إلى منزلِ جدّتي بعد المدرسة، لمحتُها من بعيدٍ قادمةً في جذلٍ طِفليّ سعيد، لم تكن تعرف لصغر سنّها آنذاك، أن اصطفاف الكراسيِّ خارجاً أمام باب المنزل يعني أن ثمّة جنازةً ما، اقتربَتْ من المنزل ولوحّت لي ضاحكة، اِعترض طريقها أحدُ أخوالي وانحنى هامساً في أذنها، سمعته يقول (عظّم الله أجركِ، جدّتكِ رحلت) ! كلماتٌ كان لها وقعُ الصّاعقة، وفي أقلَّ من ثانيةٍ واحدةٍ اختفتْ ضِحكتها وانفجرت باكيةً بجنون، سحبها خالي بسرعةٍ إلى داخل المنزل واصطحبها إلى مجلس النّساء.

بضعُ ساعاتٍ مرّت، اِحتشد فيها عشراتُ الرّجال من أقاربي الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، والذين وصلوا لتوّهم من السفر، وأصدقاءُ والدي الذين أراهم باستمرارٍ والذين لم أرهم منذ سنوات .. اِقترب موعد أذان الظّهر، اِزدحم البعض أمام باب المنزل، وإذا بالصّندوق خارجاً، محمولاً على الأكتاف.

نهضنا جميعاً، وانطلقنا نمشي حول الصّندوق مردّدين على عادةِ المغاربة، في أداءٍ جماعيٍّ حزينِ النّبرة، منخفضِ الصَّوت ؛

((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم))

((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم))

- الصّلاةُ على الجنازةِ رحمكم الله، جنازةِ امرأة.

- اللهم اغفر لنا ولها.

كيف يُعقل ؟! أن في ذلك الصّندوق المحمولِ نحو إمام المسجد، ترقد جدّتي ؟

وكانت أوّل مرّةٍ رأيتُ فيها رجالاً يبكون…
 
 

* * *
 
 

ما من وفاةٍ إلا وتُحكى حولها قصصٌ غريبة، قصصٌ تخترق بأحداثِها وإشاراتها ورُموزِها حدودَ الطّبيعة، ترسلها الأقدار الإلهية تنبيهاً وتخويفاً، وعظةً وعبرة .. إشاراتٌ تنطوي على دلالات، يفهمها من يفهمها، ويغفل عنها من يغفل عنها، وكفى بالموت واعظاً لمن يتّعظ.

اِنتبه والدي فجأةً ذات شروق، وكان قد عاد للنّوم بعد صلاة الصّبح لأوّل يومٍ من أيام شهر رمضان المبارك، اِنتبه جزِعاً يُبَسمل ويتعوّذ، وانتبهَ لوالدتي، المستيقظةِ تسأله ما به ؛

- رأيتُ شيئاً في المنام، لا حول ولا قوة إلا بالله…

- خيراً ؟ ماذا رأيت ؟

- أن والدتي توفّيت…

ذُهلَت والدتي، واعتراها رعبٌ وجزع : يا إلهي .. أنا أيضاً ….

- أيضاً ماذا ؟

- رأيتُ نفس ما رأيت ! رأيت للتّو أنها رحلت …

- الله أكبر !! الله أكبر .. لنذهب الآن، الآن دون إبطاء …

لم ننتبه، أنا وأختايَ لخروجهما السّريع من البيت فقد كنّا نياماً، اِتجها صوبَ بيت الجدة بخطواتٍ حثيثةٍ متسارعةٍ يحفّها الرّعب ويلفّها الجزع، حلمٌ مشترك بين زوجين في لحظةٍ واحدة ! لا يمكن أن يكون محض أضغاث .. ثمّة أمرٌ ما …

وصلا، دخلا، صعِدا السّلالم مهرولَيْن…

ثم….

اِبتسما !

كانتْ قائمةً تصلّي، تناجي ربّها، راكعةً ساجدة، وتنفّسا الصُّعداء، وحمدا الله أن الحلم لم يكن حقيقة.

نُسي أمر الرؤيا عاماً كاملاً، كانت وفاةُ جدّتي رحمها الله في الفاتح من رمضان من العام القادم، بعد عامٍ واحدٍ على التّمام والكمال.
 
 

* * *
 
 

قرب بوّابة (مقبرة المجاهدين)، كنّا نقف صفاً نستقبل التّعازي، جثمان الرّاحلة قد وُوري التّراب، وسمعتْ رحمها الله وقعَ نِعالنا ونحن ننصرفُ عنها إلى دُنيَانَا، ستبقى ذكراها حيّةً في داخلي أبد الدّهر.

اِنتقلنا بعد سنواتٍ للسّكن في منزلها بعد أن رحل عنهُ عمّي، يسحبني الحنين إلى أثاثها القديم الذي تغيّر، والرّائحةِ المميّزة لغُرفِ المنزل التي لم تعد موجودةً الآن. كثيراً ما كنتُ في طفولتي أبيتُ بضع ليالٍ عندها، وكان يطيب لها أن تتّجه نحو مصلاّها خلف التّلفاز قبل أذان الظهر بساعةٍ أو أكثر، وتستغرقُ في صلاة طويلةٍ طويلة، وأنا أنتظر انتهاءها بفارغ الصّبر كي أتمكّن من مشاهدةِ الرّسوم المتحرّكة التي اقترب موعد عرضها على التلفاز، تنهي تشهّدها وتسلّم، أفرح ! تقف متحاملةً من جديد، تعيد ترتيب حجابها، تتّجه نحو القِبلة، ثم…

تكبيرةُ إحرامٍ جديدة .. ضاعت حلقة اليوم !
 
 

* * *
 
 

يوماً ما، سيصبح ذلك الحلم حقيقة، لحظةُ الموت التي كثيراً ما مررتُ بها في منامي، أستطيع القول إنّني قد جرّبت شعور الموت سابقاً، بشكلٍ جزئيّ !

 

((أدخلُ المنزل،

لا أحدَ هنا، إنّني وحدي..

المكانُ مظلم،

أصعدُ الدّرج….لا أحد في المنزل..

إنّني وحدي…

قشعريرةٌ ما..

اهتزازاتٌ ليس لها تفسير…

طائرٌ مجهولٌ يقف فوق خزانة الكتب…

يفرد جناحيه…

يرفرف نحوي،

إنه هو ….. دون شكٍّ إنه هو….

أشعرُ بالرّعب، لا، لا، لا أريد الرحيل الآن…

ينقضّ عليّ،

يغرس منقاره في ظهري، أحس بطعنةٍ ما…

قشعريرة… قشعريرة…

غيرُ معقول، لا يمكن أن أموت الآن … لا يمكن، مستحيل…

أقعُ على الأريكةِ دون حَراك، أفقدُ حواسّي واحدةً تلو الواحدة…

قشعريرة…….قشعريرة……جاثوم

جاثوم……

أحاول تحريك يديّ…. لا أستطيع…

أحاول النّهوض من جديد…. لا أستطيع….

سوف أموت…. ربّاه…. إنني أموت….

إنني أموت…..

ليس الآن، يا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله…

لم أعمل ما يكفي، لم أستغلّ وقتي كما ينبغي، عصيتُ كثيراً…

أطلتُ الأمل… سوّفتُ التوبة… أريدُ أن أعود…

لا أريدُ أن أموت….

كم كنت غبياً…. كم كنت أحمق…..

سوف أكون صالحاً… سوف لن أرتكب الحماقات…

سأجتهد في العبادة…

سأصحّح أخطائي….

ربّاه….

لا أريد أن أموت….

قشعريرة…… قشعريرة…….

لا إله إلا الله، محمّدٌ رسول الله…

يدور كلّ شيء، يدور… يدور…يدور…. ويدور….))

أستيقظ ! لاهثاً ألهج بالشهادتين .. إنني لا أزال حياً ! كنت أحلم فقط .. يا للهول !!
 
 

* * *
 
 

يا حسرةً على وقتٍ ضاع، ووقتٍ ضائع، ووقتٍ سيضيع…

يوماً ما سأكون كما كانوا، جثماناً مسجّى، محمولاً داخل صندوق.

لحظةُ الموت هي الأكثر حتميّةً في حياتنا، وهي الأكثر خطورةً وأولويّة، ومع ذلك هي أكثرُ ما نغفلُ عنه، ونتناسى أمره .. كم أخطاءً بوسعنا أن نتفادى، لو وضعنا لحظة النّزعِ نُصب أعيننا ؟ كم قراراتٍ سنتّخذ، وكم قراراتٍ سنلغي ؛ لو كانت ساعةُ الفراقِ مرئيّةً ومعلومةً على مساطرنا الزّمنية ؟

مهما تكلّمنا، مهما كتبنا، مهما برّرنا، لن يكون باستطاعتنا الادّعاء بأننا كسبنا الرّهان الأهم من رهانات الحياة : رهانُ الموت.

كم نحن أغبياء، عندما نتناسى ضعفنا وهواننا، وأن أجسادنا التّافهة هي أوهن من أن تدفع عنها ضرراً يصيبها، ومع ذلك نحن ماضون في التّحايل على ضمائرنا، وتغييبها وراء حُجبٍ كثيفةٍ من الاعتذار والاحتجاج والتأويل. نمعن في العصيان، ونَغرق في الغفلة، ونُنزل ألسنتَنا أقوالاً، وأنفُسَنا أفعالاً وأحوالاً يُخشى علينا فيها، سوءُ الختام.

ليت شِعري، كم حسرةً تحت التراب ؟…
 
 
 

* * *
* * *
 
 
 

(7)

دُروب
 
 

((دربٌ يؤدِّي لدربٍ جديد، وخلفَ المسافاتِ وعدٌ وعيدْ

أرى العنفُوانَ وثوبَ الغسقْ

أرى منزلاً مُشرعاً للضّياءْ

أرى ما أريدْ ~ أرى ما أريدْ

أرى … ما أريدْ ~

……

أرى مُهرةً أُسرِجَتْ للرّياحْ

أرى مَوْطِناً للغِناءِ المُباحْ

أرى وردةً أينَعَت في الجِراحْ

آخر اللّيل بدءُ الصّباحْ

أرى ما أريدْ ~ أرى ما أريدْ

أرى … ما أريدْ…))
 
 

* * *
 
 

….

……….

………………

هناك …. مسنِداً رأسي المُثقلَ على كفِّي، منحتُ البحرَ ناظري.

جبالُ الأندلسِ مستترةٌ خلف نقابِ ضبابٍ كثيف … لا أحد هنا يستعملُ المنظارَ الأزرق.

المدافعُ الخضراء جالسةٌ ورائي بهدوء، كما كانت قبل أن أولد، وكما ستظلُّ بعد أن أموت، حالُها حالُ البحر، والأبنية، والميناء، والرصيف.

أخيِلةُ الذِّكرى تلتفّ حولي كأشباحٍ لطيفة، وأطيافُ الحنينِ تتهادي بعاقلتي تهادِيَ العُباب بالزّورقِ الصّغير .. رغمَ كلِّ الفراغاتِ المؤلمة، الحنينُ حالةُ وهمٍ جميل، هكذا إذاً !

والحياةُ دروبٌ يُفضي بعضها إلى بعض.

حالاتُ وعيٍ واهمة، وحالاتُ أوهامٍ واعية، تلك هي الحياة…

دروبٌ زمنيّةٌ تمضي بنا، كطريقٍ تتحرّك تحت أقدامِنا ونحن واقفون.

ونحن نلتفت يمنةً ويسرة.

أوهام.

وأوهام، وأوهام…

ثم أوهام، فأوهام…

ثم نفهم .. ثم ننسى .. ثم نموت ….

الموتُ حقيقةُ الحياةِ الواحدة، وكلُّ ما عداه أوهام.

وأنا، مادامت في أوهامي بقيّة، سوف آخذُ قسطاً من الحنين، سوف أكتب.

لأنّ الكتابةَ نزيف، سوف أنزف.

لأنّ الكتابةَ عزْف، سوف أعزف.

لأنّ الكتابةَ حبّ، سوف أحبّ.

لأنّ الكتابةَ عمليّة تجميلٍ للذّاكرة…

سوف أعيدُ كتابةَ ذاكرتي.

ولأنّ القلم عودُ ثِقاب، سأشعلُ به شموعَ حنيني.

تبتسمُ الشّمس لي وهي تسكبُ مادّتها البرتقاليةَ على صفحة الماء، كان يوماً وانتهى، وراحَ معه بَعْضِي .. غداً يومٌ جديد، غداً دربٌ جديد، غداً حكايةٌ جديدة. غداً … سأكونُ خلقاً آخر…

لأنها مجرّد أوراقِ تقويم، سأعيشها أيّاماً بريئة.

ولأنها دروبٌ زمنية، سأتلمّس فيها مخايِل الحقّ، والحقيقة.

ومِلءَ الحبِّ سأعيشُها، مِلءَ الأمل، مِلءَ الرجاء …. مِلءَ الحنين.

ملءَ الحياة.

قالت الحياةُ لجبرانَ يوم التفت إلى مدينة الماضي : سِرْ فالوقوفُ جبانة، والنّظر إلى مدينةِ الماضي جهالة.

كذبَتْ حياتُك يا جبران ! بل قِف، فالوقوفُ انتباهة، والنّظرُ إلى مدينةِ الماضي نباهة.
 
 

* * *
 
 

الثّالثُ والعشرونَ من سبتمبر، وهمٌ جديدٌ بدأ…

تعليقات »

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

  1. رائع!بل أكثر من رائع!
    بع ساعات أو أكثر !
    كانت مدة قراءتي لرائعتك هذه يا أنس !
    ولا تزال تحتاج لقراءة ثانية وثالثة ورابعة و…..

    أنس
    لي عودة مطولة :)
    اعتبر هذا حجزا D:

    بالمناسبة انتبهت في الأخير إلى أن عدد الصفحات كان 81!
    تستطيع كتابة رواية بسهولة يا أنس D:

    دمت بخير :)

    • هنااااااااااء أهلاً وسهلاااااا بك كيف حالك ؟؟ :D

      سعدت كثيراااا عندما رأيت تعليقك الجميل هذا وأسعدني أكثر أنه أول تعليق ^_^

      وطبعاً سعدت أكثر وأكثر لأن التدوينة أعجبتك وأشكرك جزيل الشكر على كلماتك الجميلة .. :)

      أنتظر عودتك !

      أما الرواية فهذا موضوع شائك هههههههههههههههههه :p

      .

      وأنتِ بخير :)

  2. كأنني أقرأ نفسي ! لأننا من جيل واحد . وعينا على الدّنيا في فترة التسعينات الجميلة . ولدتَ في 23 سبتمبر و ولدتُ في 25 سبتمبر . أكبر منك بعام , و لكنك أقدر مني على الكتابة بأعوام .

    أخي , لك قدرة جميلة على التعبير .

    تحياتي .

    • محفوظ … أهلاً وسهلاً بك أخي … أسعدني كثيراً مرورك من هنا ^_^
      .
      وفعلاً … لفترة التسعينيات طابع مميز لن يتكرر ، سعيد لأنني عشت طفولتي في أحضانها .. :)
      .
      .
      وشكراً لك على مرورك وتعليقك …

  3. عشت مع ما كتبت بكل جوارحي ،
    ابتسمت وبكيت وضحكت وتأملت و سافرت ثم استيقظت و ابتسمت ابتسامة باكية ..
    أنس ، كتاباتك في كل مرة “تذهل” أكثر من سابقاتها !

    • العزيزة سيرين … أسعدني كثيراً مرورك من هنا ^_^
      .
      وأسعدني أكثر تعليقك الجميل وأن التدوينة قد حازت على إعجابك …
      .
      .
      الابتسامة الباكية تعبير أحبه … لكنني مع ذلك أعتذر لأنها كانت ( باكية ) :)
      .
      أشكرك مرة أخرى … وننتظر جديدك ^_^

  4. رااااااااااااااائعة من روائع قلمك..

    جعلتنا نذوب في حروفها..
    خليط من المشاعر اجتمع ونحن نتنقل بين سطر و آخر..ضحك و حزن..ألم و ابتسامة..
    عشت فيها ذكرياتك و ذكرياتي..تنقلت بين الطفولة و المراهقة والشباب دون ترتيب تقليدي..

    امام ما كتبت لا املك سوى رفع قبعتي ..
    و القول: محرومة هي دار النشر بدون قلم أنس..

    • أهلاً وسهلاااااا ومرحباااااااا بك يا جهاد كيف حالك ؟ :)

      لكم أسعدني مرورك الرائع هنا على هذه التدوينة ^____^

      جزاك الله خيراً على كلماتك الرقيقة والمشجعة لي كثيراً ^______^

      كوني بخير :)

  5. الثالث والعشرون من سبتمبر ، ميلادُ آخر ، أو برزخٌ آخر ، فواعجباً كيفَ تختلفُ أجوبة الطريق ،،،
    كنتُ هُنا العام الماضي ، وتذكرتُ المدونة بالأمس ، فأحببتُ تهنأتكَ بيومِ مولدكَ اليوم، عامٌ مضى واليوم تستقبلُ عاما جديد ، جعلَ اللهُ أيامك رضى ، وأعوامك كلها سعيد .

    • إيمان .. مرحباً بك أختي الفاضلة ..

      تعليقك الرائع هذا والذي جاء في يوم مميز جداً أدخل على قلبي سعادةً غامرةً .. فجزاك الله خيراً :)

      وشكراً جزيلاً لك على التهنئة العطرة .. وفقك الله لما فيه خير ^____^


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
المدخلات و تعليقات feeds.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.