وضـع الملاءمـة ~

30/06/2010 عند 21:31 | أرسلت فى صيد الخواطر | تعليقات

p2

.

[ شاركت في المسابقة الكتابية '' همس القلم '' في منتديات مكسات .. وكان اختبار القبول أن نكتب قصة قصيرة نشرح فيها أنفسنا بما تحتويه من إيجابيات وسلبيات وتناقضات .. على ألا تتجاوز القصة ثلاث صفحات على برنامج الوورد .. وجدت صعوبتين أثناء الكتابة هما : التأرجح بين أسلوب الخاطرة وأسلوب القصة القصيرة .. والالتزام بالصفحات الثلاث ! كان هذا ما كتبت وأرجو أن ينال إعجابكم .. وإن لم ينل إعجاب كاتبه ! ]

* * *

على الحد الأدنى من كل حالة، تتناثر أوراق يومياتي، وأنا كعادتي مترنح بين الغفلة والطموح والإحباط، إنها إحدى ليالي الصيف الجامحة، لم ندخر ضحكاً ولا جنوناً داخل السيارة السوداء التي تطوي الطريق طياً، بسرعة جنونية عائدة بكل واحد منا إلى منزله، على خلفية الألحان الصاخبة التي تفقد الإنسان إحساسه بمفهوم الوقت ! إنه الصيف، فصل الانطلاق والجموح دون منازع، وأنا كعادتي لست مختلفاً عن البقية مظهراً إلا أنني أبذل جهداً معتبراً كي أبدو أمامهم عادياً، كي أرتدي قناع الشاب العادي وسط مجموعة من الأصدقاء الذين لا يخفون عن بعضهم شيئاً، ولا يجدون من أمر بعضهم ما يستدعي الفضول والتساؤل، لأن كل الأوراق مكشوفة سلفاً …

ودعت زملاء العمل أولئك وأويت إلى منزلي، أو بالأحرى إلى عالم آخر من عوالمي التي لا يربط بينها رابط، ولا يحصل بينها تداخل إلا فيما ندر، غداً أكون في محيط عمل جديد، أعالج أوراقاً جديدة وألتقي بأناس قدماء، وقد أزور الجامعة مساءً لأتحول فجأة من موظف إداري إلى طالب ينتظر نتائج الامتحانات، ويلقي هنا وهناك تلك العبارات الساخطة على الأوضاع، والتي يلقيها الطلاب عادة تعبيراً عن تذمرهم من انحطاط الأساتذة ودناءة الإدارة، هناك أتحدث بلغة أخرى في عالم آخر، أستحضر ذهناً جديداً، ذاكرة جديدة، ومواضيع جديدة أيضاً، وأعيش عمراً أصغر كذلك، أعود إلى البيت بنشاط متجدد، قد يمرّ عليّ ذلك الصديق الهادئ ليلاً لأؤنسه، أو ليؤنسني في جولة ليلة هادئة تحفها أنغام الأغاني الشرقية العاطفية، وتحيط بها أحاديثنا الجميلة التي تذهب بنا كل مذهب.

من المفارقة أن تتحدث في كل عالم من عوالمك بلغة أخرى، مختلفة تماماً، في حين يظن محدثك – استخفافاً بك – أنها لغتك الوحيدة، وأن مجال التداخل بين عالميكما هو فقط، عالمك بأسره ! لهذا يتكبر البعض ربما، ويظنون أن ذاكرتهم الخاصة، وتجاربهم الشخصية في الحياة هي الأكثر أناقة، والأكثر استحقاقاً للتعظيم والإجلال.

أن نكتب قصة قصيرة نشرح فيها أنفسنا، لهو ضرب من الجنون حقاً، وهل أنفسنا مما يُشرح في قصة قصيرة ؟ وهل بوسع حياتنا أن تُختزل في عقدة وحل ؟ لو كان الحل موجوداً لما احتجنا للكتابة، ولا احتجتم لتنظيم هذه المسابقة، لكن حياتنا في الواقع أكثر تعقيداً، وأكثر عقداً من أن يُعبّر عنها بفن جزئي اسمه (القصة القصيرة).

خرجت مساءً من عملي، تاركاً ورائي مجموعة ملفات قيد الإنجاز، ومجموعة رسائل يجب أن تُعالج، ومجموعة مكالمات لم يُرد عليها، تركت أيضاً مواعيد وبرامج لرحلات بحرية، ووجبات عشاء ستؤجل بسبب مباريات كأس العالم، تلك التي لم ولن أتابعها، ورحلة تخييم سيتم مناقشة أمرها لاحقاً، عدت إلى البيت، كعادتي، ولم أجد فيه شيئاً مختلفاً، كعادته، أمي في المطبخ، أو لعلها قد ذهبت لزيارة والدتها، جدتي، إحدى أختاي تذاكر دروسها والأخرى لم تعد بعد من المدرسة، أبي قد خرج قبل عودتي لأشغاله المسائية، اتجهت تلقائياً نحو المطبخ واستهدفت الثلاجة، لحسن الحظ أن فواكه الغداء لا تزال موجودة ! نصف ساعة بعد ذلك مضت، أقل منها أو أكثر بقليل، بين تغيير الثياب وصلاة العصر والاستلقاء قليلاً قرب شاشة التلفاز، ثم دبّت فيّ الحياة من جديد، صعدت السلم مسرعاً وبي شوق للعودة إلى عالمي الافتراضي، كما كان (أبطال الديجيتال) يشتاقون لعالمهم الرقمي بمجالاته ومساحاته ووحوشه ومغامراته، وأصدقائهم هناك، تسلمت زمام الحاسوب وربطت الاتصال مع الشبكة بكل كياني، كأي مدمن انترنت جعل من شاشة الحاسوب نافذته على العالم، وقارعة الطريق التي يجتمع فيها مع أصدقائه، والمقهى الذي يجالس فيه أصحابه، والكتب التي يقرأها، والأوراق التي يكتب عليها، والمعرض الذي ينشر فيه أعماله، كأي مدمن، أترك كل يوم بصمات كثيرة على شاشة الحاسوب، تتراكم كل يوم فوق أكوام البصمات التي سبق وتركتها في ذاكرة المواقع والمنتديات، صانعاً من نفسي شخصية رقمية انطبقت عليها جميع مراحل نمو الإنسان بدءً من الولادة فالطفولة ثم المراهقة، وبعدها سن الرشد الذي تليه فيما بعد الكهولة ثم الشيخوخة، كنت أعرف سابقاً في أي مرحلة من هذه المراحل هي شخصيتي الافتراضية، لكنني الآن لم أعد أعرف، ولا أعرف لماذا لم أعد أعرف، لعله غرور الشباب وغفلته، أو لعلها أوهام الشيخوخة، من يدري !

قبل انتقالي من العالم المادي إلى العالم الافتراضي، كنت متحمساً أفكر طوال اليوم فيما يجب علي تنفيذه هناك من مهام، يخيل إلي قبل العودة إلى البيت أنني أستطيع في ليلة واحدة أن أرد على كل رسالة، وكل موضوع، وأن أكتب قبل النوم خاطرة أجدد بها صفحة مدونتي الهادئة، لكنني بمجرد الانتقال أنسى كل شيء، ويغلب علي الكسل، ويضيع معظم الوقت في أشياء كان من الممكن أن أتجاوزها، وغالباً ما أعود إلى عالمي الواقعي دون أن أنجز شيئاً، وليس معي سوى نفسٍ حزينة ألقي بجسدها على سرير النوم، واعداً إياها بعطلة نهاية أسبوع حافلة.

اليوم قررت فعلاً ألا أنجز شيئاً، وأن أرمي بنفسي في صناديق المحادثات الفورية أتجاذبها مع زميل أناقشه، وصديق اشتقت إليه، إنها عشية الجمعة، لا بأس من تضييع بعض الوقت فأمامي يومان طويلان أفعل فيهما ما أريد، رن جرس البيت فجأة وأعقبه صوت ينادي باسمي، علمت من الطارق، إنه ذلك الصديق الذي يأتي في الليل، يدق الجرس، ثم ينادي باسمي ! كنت منهمكاً في محادثاتي لكنني – مضطراً – تركت في كل واحدة منها عبارة (سأعود بعد قليل)، ونزلت مسرعاً، راودني هذه المرة أيضاً نفس الشعور بالندم على الوقت الذي أمضيته متصلاً، دون أن أنجز شيئاً مما كنت عازماً على إنجازه في الصباح، لو كانت عزيمتي أقوى، ولو كنت ممن تنفعهم عقولهم لكنت قد توصلت إلى ذلك الشيء الذي لا يتوصل إليه إنسان، إلا صار عظيماً من العظماء، ولو بينه وبين نفسه فقط، إنه وضع الملاءمة ؛ نمط الحياة ذاك الذي يجيد فيه الواحد استغلال كل شيء من قدره الفائت، لرسم قدره الآتي ؛ التاريخ، الماضي، المواهب، الثقة، حسن التفكير، حسن استغلال الوقت، إن الذي يجيد صهر كل هذه المعطيات في بوتقة حكمته، ثم يستخرج منها مجموعة قرارات ممنهجة ومدروسة تخول له استغلال كل لحظة في حياته بأفضل شكل ممكن، ليجعل من نفسه (أفضل إنسان ممكن)، لهو إنسان عظيم حقاً، وإن لم يظهر في شاشة التلفاز، وحتى لو لم يُعلق اسمه في واجهات المحلات وأغلفة الكتب ! وما علمت أن عظماء التاريخ عاشوا أياماً أطول من أيامنا، أو وُهبوا عقولاً خيراً من عقولنا أو مواهب أقدر على الإبداع من مواهبنا، الفرق بيننا وبينهم أنهم عثروا على [ وضع الملاءمة ] فاستغلوه خير استغلال، ونحن مازلنا نهدر الوقت فيما لا طائل منه، نبحث عن شيء نجهله ولو علمناه لتبين لنا، أنه لم يكن يستحق كل ذلك البحث.

داخل سيارة صديقي، كان بيننا حديث، وهو صديقٌ لي طيب القلب كريم المنبت حسن المعشر نبيل الخلال، لكنه مفرط الثقة في نفسه شديد الزهو بها، كما أنه، رومانسي جداً ! لا حديث له سوى عن خبراته وتجاربه الماضية، وكل كلامه يصب في مجرى واحد ؛ البرهنة على أنه (في أفضل حال)، وأنه (الأكثر تفوقاً على غيره)، وأن لا أحد من صغار الناس وكبارهم أسعد منه حياةً ولا أجمل منه ماضياً، ولا أقدر منه على استلاب القلوب واستمالتها نحوه إعجاباً وتقديراً، لم أطق تلك الأغاني الشرقية التي قام بتشغيلها في السيارة لكنني كعادتي، صابرته، تماماً كما أصابره عندما يتحدث عن نفسه بتلك الثقة المفرطة، ثم ما أكاد أتحدث عن نفسي حتى يقاطعني ويحول مجرى الحديث إلى نفسه من جديد، ليضع نفسه مرة أخرى في موضع البطل المنتصر ذي الحظ السعيد والحياة الهنيئة، لم أعد أتحدث أمامه عن شيء يخصني إلا قليلاً، بل صرت أصابر كلامه بصمت، ناثراً بين الفينة والأخرى ابتسامة بريئة، أو ساخرة حسب الموقف، وهزة رأس معناها (إني أفهمك)، وإن رأيته وصل في حديثه إلى مضمار المقارنة بينه وبيني، ألقي أمامه بكلمة أو كلمتين تشتيتاً لانتباهه، وتغييراً للموضوع.

قال لي مرة وهو يجادلني : مشكلتك يا صديقي أنك لست رومانسياً، لا تستمع إلى الأغاني، ولا تتابع الأفلام، ولا تقرأ الروايات، ولا تجيد الحديث مع الفتيات ! أنت شاذ على الطبيعة الإنسانية، إلى متى تنوي أن تظل هكذا ؟ جد لك صديقة بين طالبات الكلية العام القادم ! ألقيت أمامه بإحدى ابتساماتي الساخرة، أضحكني فيه أنه كغيره تماماً، يصدر أحكامه على الآخرين انطلاقاً من تجاربه الشخصية، وكأنه يعتبرها قاعدة الحكم ومنهج القياس، حكم عليّ بعدم الاستماع إلى الأغاني لأنني لم أعرف كثيراً من أغانيه الشرقية المفضلة، فضلاً عن أن كثيراً مما يعجبه هو، لا يعجبني إطلاقاً ! حكم عليّ بأنني لا أشاهد الأفلام، فقط لأنني لم أعرف فيلماً أو فيلمين من أفلامه المفضلة، التي تابعها هو ! حكم عليّ بأنني لا أقرأ الروايات، فقط لأنني لم أقرأ لنجيب محفوظ، كاتبه المفضل الذي قرأ له عشرات الروايات، يجد لنفسه فيها مجالاً لضرب الأمثال بسعة قراءته، وضيق قراءة غيره مهما اتسعت، يكفي ألا يقرأ لنجيب محفوظ، حتى يكون قليل القراءة جاهلاً بعالم الروايات ! لو أخبرته بأغانيّ المفضلة التي لا يعرف عنها شيئاً، وأفلامي التي تابعتها والتي لم يسمع لها إسماً، والروايات التي قرأتها ولم يعرف لها كاتباً ولا عنواناً، لوجد نفسه – حسب منهجه في الحكم – أقل الناس سماعاً، ومشاهدةً، وقراءة ! لكنني لا أفعل ذلك على أية حال، علمي بأني إن فعلت فإنه سيهاجم (ذوقي) ويستخف به تلقائياً، ثم يبدأ من جديد دورة ثقته المفرطة المعتادة، التي طالما تحملتها حتى تعودت عليها، واكتسبت ضدها مناعة، ومهارة تمكنني من إرضاء غروره، والسماح له بقول ما لديه، ثم تغيير الموضوع بلطف دون أن يتأذى أي منا …

انتهت خرجتنا الليلية الهادئة، وحملتنا نسائم الهواء المنعش إلى مكان الافتراق، ودعته وودعني، ثم عاد كل واحد منا إلى بيته، محافظاً على عهد الصداقة الذي لا ينتقض، رغم كلامه الكثير ورغم صمتي، صداقتنا ازدادت قوة واستمرت، وهذا بحد ذاته إنجاز معتبر بحسب تقديري، إنه يرتاح لي، ويبث لي بشجون نفسه كما يندر أن يفعل مع شخص آخر، وكما يندر على شخص آخر أن يصغي إليه كما أفعل، لكن فرط الحياء يجعلني أرخي له الحبل على غارب، أدعه يتكلم بما يشاء، وكما يشاء، دون أن أخالفه في رأي، أو أجادله في مذهب، أو أخاصمه على فضول قول، هكذا كنت دائماً أرخي الحبل على غارب، سمعت أيام الدراسة القديمة كثيراً من خلجات النفوس، وأسرار القلوب، من أشخاص كانوا يطمئنون لوجودي كما يطمئنون لظلالهم، ليس اطمئنان الصديق الثقة، لكن اطمئنان الضعيف العاجز الذي لا يُنتظر شرّه، ولا تُخشى شوكته، ولا يُهتم لأمره علم أم لم يعلم، فهم أم لم يفهم.

عدت إلى البيت من جديد لأجد الكل قد نام، وتفقدت شاشة الحاسب فوجدت أشخاص ملوا من انتظاري فتركوا رسالة توديع ورحلوا، وآخرين ألقوا السلام فلم يُرد عليهم، قمت بتسوية أوضاعي بتحديث بعض الصفحات والرد على بعض المحادثات، لقد جاوزنا منتصف الليل ! لم يعد عقلي قادراً على الاستيعاب أكثر، ولم تعد بي قدرة على أي عمل جاد مما سبق ونويت القيام به، إلا أنني لا أشعر بعد بالنوم، ويستحيل أن أفسد عليّ ليلة الجمعة هذه بالنوم مبكراً، ألقي بنفسي دون تفكير في أتفه محادثة يمكن أن تكون، وربما أمضيت الوقت في البحث عن مقاطع الفيديو، الغريبة والطريفة والمضحكة، أو البحث – ربما – عن موضوع ساخن مثير للجدل، أتسلى بقراءته والسخرية من أسلوبه، وعقول كتابه ومجادليه، المثيرة للشفقة عادة، ! أو، ربما، أكتب شيئاً، وهذا أندر الأحوال وأقلها، ولي مع الكتابة أكثر من قصة قصيرة، وأكثر من عقدة، لكن الحل لا يزال غائباً بغياب (وضع الملاءمة)، عقدتي الكبرى التي عنونت بها مكتوبي هذا، سواء اعتبرتموه قصة قصيرة تنطبق عليها أساسياتكم، أم خاطرة مبعثرة لا تقوم على أي أساس، على أن الخاطرة ليست سوى قصة قصيرة تدور أحداثها داخل الذهن وليس خارجه … أين تراي أجد ذلك الوضع الملائم للإبداع الأقصى، ذلك الاستغلال الأكثر تركيزاً للوقت والجهد والمواهب والمعلومات، من أجل أفضل إبداع يمكن أن يكون، أو بالأحرى، أفضل إنسان يمكن أن أكون ! هل خمول الهمة وضحالة الطموح هما مبلغي من الحياة ؟ أم أن لي قدرات كامنة لم أوفّق بعد لاستغلالها، ولو وُفقت لكان لي شأن آخر غير الذي أنا عليه الآن ! أهي الكتابة يا ترى ؟ ذلك الفعل المؤلم الذي كثُر ما نصحني به الآخرون ممن لا يعرف مقدار ألمه، وهب أن نعم، أي نوع من الكتابة يمكن أن أنتهج ؟ وهب أني علمت النوع، هل كان على قائمة كتبي التي قرأتها أن تكون هكذا ؟ وهل كان على قائمة كتاباتي أن تتخذ هذا الشكل، وأن تكون بهذا الأسلوب وهذا الحجم، وأن تُنشر على صفحات هذه المدونة ؟ تساءلت يوماً وأنا ألقي نظرة على قائمة قراءاتي، أهي مركزة بالشكل الجيد، أهي قراءات منهجية يمكن أن تصنع مني مفكراً سليماً، وكاتباً يستحق الاعتراف به ككاتب ؟ أم أنها مجرد عشوائيات اتبعت فيها هواي، وصفحات قرأتها لأنساها ولتتسرب من ذهني كما يتسرب الماء من الشقوق ؟

وقع نظري على عنوان رواية (سقف الكفاية) للكاتب محمد حسن علوان، تلك الرائعة الأسلوبية التي أبدعها كاتبها وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وشاء القدر أن أعرف روايته هذه وأقرأها في الثالثة والعشرين من عمري ! تساءلت حينها أية ظروف تلك التي سمحت لشاب كان في مثل عمري، أن يكتب رواية استطاعت أن تثير ضجة في المجتمع السعودي، وأن تُعتبر طفرة في الأدب الرومانسي المعاصر، ما هي الكتب التي قرأها ؟ ما هي الأساليب التي تأثر بها ؟ ما هي المناهج التي اعتمدها لجمع المعلومات وترميزها وتحليلها ثم توظيفها في عمل روائي مطول انهزم هو نفسه أمامه ! إجابة هذا السؤال أن علوان استطاع أن يجد (وضع الملاءمة) الخاص به في مجال الكتابة الروائية، وقبلها الكتابة الشعرية والمقال، عصفت بي موجة من الكآبة عندما عشت لحظات وقفت فيها أمام ضعفي، وصارحت نفسي بأنني لست سائراً في الطريق الصحيح، إفراطاً أو تفريطاً ؟ لست أدري ! أدركت أن العمل الإبداعي يحتاج إلى ثقافة، وبناء الثقافة يحتاج إلى قراءة منهجية أستثقلها كما يستثقل الطلاب والتلاميذ كتبهم الدراسية، وأجد نفسي دائماً أحلق بين عناوين الكتب وأختار منها ما يعجبني، دون الاعتماد على أي ترتيب، من ثلاثية علوان إلى ثلاثية مستغانمي، وقبلها كتب دينية قديمة وحديثة كتلبيس إبليس وفقه السيرة النبوية، وبين هذه وتلك كتب لجبران والمنفلوطي، رواية لنجيب محفوظ وصفحات عدة من مقدمة ابن خلدون ! عصف ذهني متناقض كانت نتيجته، أسلوباً متناقضاً أيضاً ! وثقافة مشوهة، وقلماً مرتعداً يكتب بخجل، متكئاً على أسلوب آخر كتاب، في قائمة القراءة …

حان الآن وقت إغلاق الحاسوب والخلود إلى النوم، ألقيت بجسدي على السرير مثقلاً كعادته بذلك الحزن الذي يكاد يصبح صفة ملازمة لي، غداً صباحٌ جديد، أغلب الظن أنني سأستيقظ متأخراً، وأن عطلة نهاية الأسبوع ستمضي كغيرها، دون أن أحقق جديداً، ودون أن أعثر على وضع الملاءمة الذي أبحث عنه، قبل أن أوقف تشغيل الحاسوب علي أن أحمل كتاباً جديداً، لآخذه يوم الاثنين القادم إلى حاسوب العمل فأقرأه هناك شيئاً فشيئاً، أول الصباح وآخر المساء، تم تحميل الكتاب، وتم إرساله إلى بريد العمل، ويتم الآن .. إيقاف تشغيل الكمبيوتر …

انتهت عطلة نهاية الأسبوع، وها أنا ذا أستيقظ متثاقلاً صباح الاثنين، حاملاً على عاتقي أسبوعاً مضى دون أن يختلف عن غيره، وأسبوعاً آتياً لا أظن أنه سيختلف ! مازلت أضيع المزيد من الوقت، ومازلت أجهل قدر نفسي، وأسيء الظن بقدراتي ومواهبي، صباح الاثنين ثقيلٌ دائماً، قلت هذا في نفسي وأنا جالس قبالة حاسوب العمل أقرأ الصفحات الأولى من ذلك الكتاب الجديد الذي جئت به، قريباً سوف يضاف إلى قائمة كتبي التي قرأت كتاب جديد، ومعه خيبة جديدة، وإحباط جديد، وأسف على قراءات تضيع، وكتابات تتناثر وتتلاشى في صفحات منسية لا يقرؤها أحد، وأيضاً، تساؤل يكبر ويتضاعف حجمه يوماً بعد يوم، كتاباً بعد كتاب، تدويناً بعد تدوين، تجربةً بعد تجربة، كيف يا ترى، وأين، أجد [ وضع الملاءمة ] ؟

أشعر برغبة في كتابة شيء، في داخلي شعور يخبرني أن الكتابة هي رغم إيلامها دواء يعالج كثيراً من المشاعر السلبية التي تسيطر عليّ بين الحين والآخر، وعادة الدواء أن يكون مراً، إنها تلك الخطرات التي تأتي فجأة دون سابق تفكير أثناء الكتابة، وتسحب معها القلم إلى حديقة البوح الصادق، بعيداً عن صحراء التكلف والاصطناع.

دخلت هذا النص بروح وخرجت منه بروح أخرى، وضع الملاءمة لا يأتي عبثاً، ولا يُكتسب بالكسل والخمول وضعف الهمة، أو بأشلاء خواطر عبثية ومملولة كالتي أكتبها الآن موهماً نفسي بأنني فعلاً (أكتب) شيئاً ! لعل الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة، وبدء حياة جديدة أكون فيها غير الذي كنت فيما مضى، على قلمي أن يأخذ تدريباً مكثفاً كي يستطيع بلوغ سن الرشد، ومازالت أمامه طريق شاقة لبلوغ ذلك لكنها، ليست بالمستحيلة، يخيل إلي أنني أرى في صفحة كل كتاب أقرؤه وجه كاتبه يصرخ بي معاتباً، ويخاطب أعمق نقطة في ضميري قائلاً : النجاح ليس مستحيلاً، والإنجاز العظيم ليس حكراً على أحد، وليس خارقة من خوارق الطبيعة، اعرف نفسك جيداً واختر طريقك، واعلم أنك لن تنجح مهما فعلت إلا إن عثرت عليه … وضع الملاءمة !

* الــنـهـايـة *

أدخلـوها .. أنتـم وآبـاؤكم ~

25/06/2010 عند 18:47 | أرسلت فى صيد الخواطر | تعليقات

http://innocentdays.files.wordpress.com/2010/06/k_h.jpg?w=550

.

[ الجمعة 25 يونيو 2010 ... ]

.

إن في أقدارنا خيوطاً متشابكة تحرّكنا حسب ما تقتضيه المشيئة .. تأخذنا إلى حيث لا نعلم .. ولنا في سننها دالّة الحكمة .. وفي دقائقها عبرة لمن أراد أن يعتبر …

.

القدر … دأبت على تأمله منذ مدة ولم يفتأ يرعبني … فسبحان مقدّر الأقدار .. وله الحمد في الأولى والآخرة …

توجّهنا صباح اليوم نحو بيت زميل لنا في الوظيفة .. لنعزّيه في ابنه الذي حلّقت روحه عالياً ليلة أمس إثر مرض رافقه منذ ولادته .. وحتى آخر نفَس في حياته القصيرة التي لم تتعدّ سنواتٍ ثلاث ونصفَ السنة ..

خرجنا من عنده قُبيل صلاة الجمعة .. وعدت إلى البيت مسرعاً ثم اتّجهت صوب المسجد ..

لم أتفاجئ كثيراً عندما كان موضوع الخطبة عن ( الأولاد ) ؛ فضلِهم والحثّ على المكاثرة بهم وإحسان تربيتهم .. لكنّ ما أدهشني تحدث الخطيب أيضاً عن فضل من توفّي له ولد صغير .. ذاكراً نفس الحديث النبوي الذي ذكرناه قبل برهة في منزل العزاء .. وكيف أنه يمتنع عن دخول الجنة يوم القيامة إلا وهو متمسّك بتلابيب والديه .. لا يدخلها إلا إذا كانا معه أو يبقى خارجها دون ذلك .. ولا يزال على حاله تلك حتى يقال : أدخلوا الجنة أنتم وآباؤكم …

ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيّ وأنا أحدق في وجه الإمام .. مصغياً بتعجّب لما يقول .. مستغرباً مما يستغرب الناس منه عادة وقد اصطلحوا على تسميته بالصدفة .. وعندي أنه قدر إلهي يحمل رسالة عليّ أن أتفطّن لها …

يا للقدر !! ما أبعد بيت ذلك الرجل عن المسجد الذي صليت فيه .. وما أقرب القدر الذي جعلني في الأول .. ثم جعلني في الثاني خلال ساعة واحدة .. بل أقلّ …

.

إن في أقدارنا خيوطاً متشابكة تحرّكنا حسب ما تقتضيه المشيئة .. تأخذنا إلى حيث لا نعلم .. ولنا في سننها دالّة الحكمة .. وفي دقائقها عبرة لمن أراد أن يعتبر …

مِـن وراء الأثـيــر ~

06/06/2010 عند 12:42 | أرسلت فى صيد الخواطر | تعليقات

loneliness

.

[ مخطئ من قال إن الناس سواء .. ومخطئ من قال إنهم مختلفون .. !! ]

.

من وراء الأثير – فقط – تتكشّف الحقائق وتتجرّد المضامين من صورها .. لتبدو لعين البصيرة بكل ما تحتويه من [ بشاعة ] …

دعوني وشأني !! لا تسحبوني إلى حيث تذهبون !! فلا أحد منكم شاهد الجنّة في نهاية الطريق ..

لا تراودوا معتقدي .. ولا تحبسوا عقلي في قارورة الانتماء !! فإني لست ممن تصاغ عقولهم على أشكال المصطلحات ..

.

من وراء الأثير تبدّت لي تلك الحقيقة الكلّية منذ شروق أول شمس على كوكب الأرض ، ومنذ أول موجة ضربت شاطئاً …

منذ أن طُرد إبليس من الجنة ، ومنذ نزَل آدم على سطح البسيطة ، ومنذ أخذت سنن الكون مجارِيَها في أقدارنا حتى آخر رقم يشير إليه عقرب الساعة ..

من وراء الأثير بدت لي خيالات الأرواح ظلالاً للحقيقة ، وأصواتها صدىً لها .. وأنا أرى ، ولا أرى .. أسمع ، ولا أسمع !!

ونحن جميعاً ندري … ولا ندري !

.

دعوني وشأني ! فليس بوسع من شاهد ظلّ الحقيقة أن يأنس بالأجسام .. وأن يطربه رجعُ الصّدى ..

.

دعوني ووحدتي .. فلا مؤنس لي سواها ~

المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
المدخلات و تعليقات feeds.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.